ثقافة : الجماهير
حين يتراجع صخب المدافع، وتتكسر خطوط السياسة على صخرة الواقع المعاش، لا يبقى للشعوب المكلومة سوى أصواتها العميقة التي تنبت من تراب الأرض وحكايات الأجداد
وفي مجتمعاتنا السودانية وفي دارفور، وتحديداً في فضاءات الباديات والريف حيث تتسع الذاكرة وتضيق المكتوبات لا يُنظر إلى الشعر والكلمة المنطوقة بوصفهما ترفاً أدبياً أو استعراضاً عابراً للقوافي بل هما «سِفر تكوين الهوية» والسلطة الوجدانية الناعمة التي تُشرّع القيم وتضبط إيقاع الأخلاق، وتصنع الرأي العام المحلي بعيداً عن أروقة المؤسسات الرسمية فهما ينبضان من عمق الوجدان الشعبي ليوثقا تاريخاً حيّاً لا تقوى السجلات الرسمية على حمله، ويظلان الحصن الأخير الذي ترتكز عليه الجماعة لترد بهاء الروح في أزمنة الانكسار.
وهنا تبرز، بكل هيبة وشموخ، شخصيتا «الحكامة» و«الهداي»؛ فهما ليسا مجرد مؤدين أو عابري سبيل في مسرح الثقافة الشعبية بل هما حُرّاس الذاكرة وضمير الجماعة
فـ«الحكامة» هي الشاعرة والمرأة القيادية في البادية التي تملك سلطة لسانية وتأثيراً مجتمعياً نافذاً ينظم السلوك ويبث الحكمة ويتصدى لشرور الفتن وحث المجتمع على قيم الكرم والنجدة، بينما «الهداي» هو الشاعر والمغني الشعبي والمنشد البدوي الذي يمثل مؤرخ القبيلة وحافظ ملاحمها وراوي بطولات فرسانها وموثق أمجادها وسيرتها.
الحكامة بفصاحتها المجلجلة وحكمتها التي تقطع حد السيف، والهداي بشدوه الذي يختصر ملاحم البادية وبطولات الفرسان، يمثلان معاً البوصلة التي توجه وجدان المجتمع نحو الكرامة والنجدة والتكافل
حين ينطق «الهداي» وتصدح «الحكامة» في فضاءات دارفور، لا يكون الشعر مجرد وزن وقافية، بل يتحول إلى مخيلة جغرافية
كم هو الحال في وصف وديان دارفور ومسارات الرحيل
«من “جبل مَرّة” السحاب المالي العالي
لغربي “بحر العرب” والوادي المالي
الدار وسيعة وفيها المَرعى الغالي
ورجالنا تحمي المراح وشرف العيالي
و ايضا مرآة ناطقة تصوّر المكان وتستنطق التاريخ فقد وصفت هذه الفنون دارفور بأدق تفاصيلها البيئية والنفسية وسردت أحداثها كوثيقة حية لا تعرف التزييف؛ فمن جهة، رُسِمت لوحات بصرية ووجدانية متكاملة للإقليم، حيث لم تكن دارفور مجرد بقعة جغرافية، بل هي العرض والكرامة التي تنادي أبناءها كما تجلى في صرخة الحكامة
“الدار تنخى، ودونها نحر الرعاش”،
وفي تصوير البادية وطبيعة السافانا
«نزلت بشاير الخريف وفاضت (شليلة)
وشدّينا فوق الضمر البتكسر جليلة
ديار دارفور العظيمة أم خيراً وفيلة
فيها الكرم مطبوع والفرسان الشليلة»
وعكس الهداة طبيعة السافانا والبادية الغربية التي تتشابك فيها قسوة الطبيعة مع شهامة الإنسان، وصولاً إلى وصف مرارة الحرب وفجائع الفتن والشتات.
ومن جهة أخرى، سرد هؤلاء الشعراء والحكامات التاريخ على ألسنتهم لا من الكتب المدرسية بل كأرخنة بشرية؛ فوثقوا ملاحم الفرسان ووقائع حماية الحياض في قالب الدوبيت والمحوبك، ودونوا التحولات الاجتماعية والأخلاقية وعلاقات الجودية والصلح عبر غناء الجراري والردوم ليكونوا بمثابة الأرشيف البشري الذي يحفظ ذاكرة القبائل والمجتمعات.
يُعد «الهداي» في دارفور حارس الملاحم والفروسية، وبدوي الحرف الذي يوثق للبطولات ويثبت أقدام الفرسان في ساحات الوغى ومواسم الكرم.
ومن أبرز هداة البادية يبرز الهداي بخيت إبراهيم (أبو ريشة)، وهو من أشهر هداة البادية في مناطق السافانا الغربية وباديات دارفور، حيث عُرف بقصائد «الدوبيت» و«المحوبك» التي توثق لإغاثة الملهوف وإكرام الضيف، ومما نظمه في الفخر والنجدة:
سيفنا اللما يلمع في العشيات الحزينة
بنكرم الضيفان، وبنفك الكبينة
نحن الساس والساس ما بتزلّه المدينة
فارسنا البشيل هم العشيرة المتينة
إلى جانبه يبرز الهداي آدم حامد (ود البادي)، وهو شاعر هداوة بارز غنى للفروسية وحماية الدار، وكان صوته يجلجل في ساحات الاحتفالات والمفاوضات القبلية التقليدية، ومن قصائده الخالدة في الثبات والصبر عند المحن:
الركايب تتعب وتجيب المفيد
والفارس الصبر ما بكتفه الحديد
الما هابه الموت نال المراد السعيد
وصيتك يا ولد، خليك للإيد الإيد
وفي الجانب المقابل، تمثل «الحكامة» في دارفور البرلمان الشعبي الناطق؛ فهي تحث على الشجاعة وتوبخ التراخي، وحين تنشب الفتن تتحول بقصائدها إلى صانعة سلام وجودية ومن أبرز رموزه التاريخية الحكامة الشهيرة مريم بنت إدريس (مريم الجفل)، التي عُرفت بقوة لسانها وفصاحتها المجلجلة في مجتمعات الرعاة، وكان لشعرها صدى واسع في توجيه الرأي العام القبلي نحو التكاتف، ومن قصائدها الحماسية في الحث على نجدة الحليف:
الليلة الخلايا هِناك شبعت طشاش
وين ركاب العتاق، وين أهل الفراش؟
ما تبقوا البتول الراقدات فوق الفراش
الدار تنخى، ودونها نحر الرعاش
وتقف معها الحكامة زينب النعيم (أم كشوة)، وهي من رواد غناء «الجراري» و«الردوم» في دارفور، حيث لعبت دوراً تاريخياً كبيراً في مجالس الصلح ولجان «الجودية» لحقن الدماء وإيقاف النزاعات، ومن أجمل قصائدها الداعية للسلام والتسامح حين تتراجع لغة السلاح:
يا خوي عاين الدار وكيف هلكت
نار الفتن شبت، والعيال تشتت
خلّو الشنشنة والزعل البجيب الموت
تعالوا نتصافى، والبلد بينا تابت
واليوم، لا تواجه هذه الثقافة الشفهية خطر الفقدان وحدها، بل تواجه طوفان العولمة واجتياح التكنولوجيا ومع رحيل الشيوخ والهدايين الكبار ، يبرز شبح الاندثار ليهدد هذا التراث العظيم دون توثيق مؤسسي.
إن ما نحتاجه اليوم هو إعادة الاعتبار الثقافي لهذه الفنون، والنظر إلى «الحكامة» و«الهداي» باعتبارهما ركيزة أساسية في الاقتصاد الإبداعي وصناعة السلام المحلي. سيبقى الهداي وتظل الحكامة هما صوت الأرض الذي لا ينقطع، والنبض الذي يرفض الموت، ليصنع هذا الشعب من الكلمة وطناً لا يندثر.



