فنون ومنوعات

شيخ الدين محمد علي : أمثال دارفور: مرآة الكرم والإنسانية

منوعات : الجماهير

​في مجتمعات تتنفس الفطرة وتتشابك فيها تفاصيل الحياة اليومية مع قسوة الطبيعة ولطفها لم تكن الأمثال الشعبية مجرد كلمات تُقال عابرة بل كانت دستوراً أخلاقياً غير مكتوب وخلاصة تجارب أجيال تعاملت مع الأرض والمجتمع ففي دارفور تشكل الأمثال وثيقة حية تجسد قيم الكرم والتكافل والإنسانية وتدعو إلى حماية الضعيف وإغاثة الملهوف وإكرام الضيف كأركان أساسية للوجود الإنساني.

​يعكس الكرم في دارفور مظهراً من مظاهر النخوة والشهامة فالبيت المفتوح للضيوف والعابرين هو عنوان شرف للقبيلة والعائلة ومن أشهر الأمثال المعبرة عن ذلك قولهم البيت

” الم فيهو ضيف زي الخلاء الما فيهو طيف حيث يُضرب “

هذا المثل للحث على البشاشة وإكبار قدر الضيف ففي مجالس دارفور التقليدية يُعتبر دخول الضيف إلى الراكوبة أو الفريق بركة رزق وتحكي القصص الشعبية أن الأجداد كانوا يوقدون النار ليلاً في المرتفعات لتكون دليلاً ومرشداً للغريب والمسافر في الصحراء والوديان ليقصد ديارهم وإلى جانب ذلك يأتي

مثل” زاد القليل يُقنع والبخيل ما شبع “

ليعبر عن بركة المبادرة في الإطعام مهما كانت الموارد محددة حيث يروى أن المسافرين في رحلات الظعن والتنقل كانوا يجمعون مؤنهم القليلة في مائدة واحدة تُعرف بالبرش ليأكل الجميع سوية محتفظين بذلك بمعاني المشاركة والتعاضد على قلة الإمكانات.

​التكافل في دارفور ليس مجرد فعل اختياري بل هو نظام اجتماعي صارم يُعرف بالفزعة أو النفير حيث يتداعى الجميع لنجدة الفرد أو الأسرة في أوقات الشدة والحرائق والمواسم الزراعية ومن أبرز تجليات هذا التكاثف مثل

“الإيد الواحدة ما بتصفق”

وهو من أشهر الأمثال الدارفورية والسودانية عامة ويُستحضر دائماً أثناء تنظيم النفير حين يحين موسم الحصاد أو بناء منزل لأحد أفراد الفريق فيجتمع الرجال والنساء لإنهاء العمل في يوم واحد عاكسين فلسفة اجتماعية مفادها أن القوة والأمان في الجماعة ويتسق مع ذلك مثل

“حِمل الجماعة خفيف “

الذي يُقال لتخفيف الأثقال والمصائب عن كاهل الفرد ففي العرف الدارفوري إذا ألمّت ببيت جائحة أو فقدان للمواشي يتكاتف أهل الحلة لجمع الدية أو إعادة بناء القطاطي والمزارع ليثبتوا أن المصيبة إذا توزعت على الجماعة أصبحت خفيفة ومقدور عليها.

​تتلى الإنسانية في الثقافة الدارفورية لتتجلى في إحساس القوي بالضعيف وفي صون كرامة الجار والغريب ومن ذلك مثل

“الجار قبل الدار والصديق قبل الطريق”

الذي يُبرز الأهمية القصوى لمراعاة الجار وححسن التعايش ففي القصص الموروثة عن الحكامات والهدايين تُحاك قصص ومناحات تعير من ينام شبعان وجاره جائع أو من يستغل حاجة الغريب فالإنسانية تقتضي الوقوف مع الجار في سرائه وضراءه ومثلما يتجلى ذلك يظهر أيضاً في مثل

” الما عنده كبير يفتش ليهو كبير”

الذي يدعو إلى احترام الحكمة وتوقير الكبار والرجوع إلى العقلاء من الإدارة الأهلية والأجاويد لحل الخلافات بروح الإنسانية والعدل حمايةً للدماء وحفاظاً على النسيج الاجتماعي.

​مع تغير نمط الحياة والتحولات العصرية باتت هذه الحكم الموروثة والقصص المرافقة لها مهددة بالنسيان حيث إن غياب مجالس الحكامات والهدايين وندرة جلسات السرد الشفهي يُفقد الأجيال الجديدة فرصة التعرف على هذه المنظومة الأخلاقية القيمة غير أن التوثيق الشفهي للأمثال الدارفورية وما يرتبط بها من قصص الكرم والتكافل والإنسانية ليس مجرد نشاط توثيقي للماضي بل هو استدعاء لنية تعايش حية نحن بأشد الحاجة إليها اليوم لضمان بقاء الهوية الأصيلة حية في وجدان الأجيال القادمة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى