رأي

شيخ الدين محمد علي يكتب : أم دورور  شريان الاقتصاد والحياة في شرق دارفور

مع أول شعاع ينبثق من شمس الصباح عند الساعة السادسة يفتح حب الدين باب منزله متوجها نحو عمله في التجارة ليس متوجها إلى متجر ثابت أو سوق خرساني بل هو على موعد مع رحلة أسبوعية بين أسواق شرق دارفور ضمن مظاهرة اقتصادية واجتماعية ضخمة تعرف شعبيا بـ أم دورور

تشتق تسمية أم دورور من الدوران والترحال وهي شبكة تضم عشرات الأسواق الأسبوعية الموزعة على قرى ومدن دارفور حيث ينتقل التجار والتبضع بين أكثر من ثلاثين سوقا دوريا في الولاية كل يوم من أيام الأسبوع هو موعد لمكان محدد فهذا اليوم لسوق الضعين وغدا لـ عسلاية وبعده لـ عديلة ثم الفردوس وأبو كارنكا تعتمد هذه الحركة اليومية على سيارات الدفع الرباعي واللواري الكبيرة مثل السفنجة والنيسان التي تقطع الرقع الرملية والوديان والقيزان الوعرة لتربط أطراف الإقليم بشبكة تجارية موحدة لا تهدأ

بالنسبة لحب الدين وأهل المنطقة ليست أم دورور نشاطا تجاريا لجلب الرزق وجمع استهلاك الأسبوع من الغذاء فحسب بل هي قلب دارفور النابض الذي يتجلى فيه التنوع والثقافة هنا ينزل المزارع بإنتاجه من الذرة والدخن والفول السوداني والسمسم ليتقاطع مع الراعي القادم بمنتجات الألبان والسمن والماشية في ملتقى يجمع بين قطبي الإنتاج بالمنطقة ويشكل جسرا حيويا للتواصل بين الريف والمدينة وتتم صفقات البيع والشراء بآلية التراضي والشفافية التقليدية حيث يخضع تحديد السعر لقوانين العرض والطلب المباشرة ودون وسطاء معقدين

تتجاوز أم دورور كونها مجرد تبادل للسلع إلى كونها منصة للتضامن الشعبي حيث تبرز الجويد كنموذج أصيل للعمل الجماعي والفزعة التقليدية يتكتل فيها الأهالي والتجار لإغاثة المحتاج وتسهيل حركة التجارة ودعم القادمين إلى السوق من مناطق نائية بعيدة وعلى هامش البيع يتحول المكان إلى برلمان اجتماعي مفتوح تحت ظلال أشجار اللالوب والرواكيب تحت هذه الظلال تحل النزاعات العشائرية والأهلية عبر حكم الأجاويد وتعقد صفقات الزواج وتتبادل أخبار الأمطار ومواسم الحصاد مما يدعم السلم الأهلي والتعايش السلمي في الإقليم.

تنتشر البضائع المعروضة بعناية على الأرض فوق المفارش والحصر التقليدية حيث تبسط بلمسات أنامل البائعين الجائلين الذين تقاطروا من كل حدب وصوب تتراصف صفوف الشباشة تجار الملابس الجاهزة والأحذية بجوار بائعي المحاصيل والمنتجات اليدوية والتوابل وأدوات الزينة والحدادين لتشكل المشاهد لوحة بصرية غنية تعكس ثراء المنطقة وتنوعها

وتشهد ساحات الماشية المعروفة محليا بـ الزريبة أو الدخولية حركة دؤوبة لا تتوقف تعرض الإبل والمواشي والضأن والماعز في مساحات واسعة وتدار فيها عمليات المساومة بالأساليب التقليدية القائمة على الخبرة والأمانة وميثاق الشرف بين التجار والرعاة وتعد تجارة الماشية في أم دورور المحرك الأساسي لضخ السيولة النقدية في السوق ومصدرا رئيسا لتأمين الاستهلاك المحلي والمدد الخاص بأسواق التصدير القومية والحدودية

وعلى الصعيد المالي تشكل هذه الأسواق شريانا اقتصاديا يضمن للجميع منفعة متوازنة للمنتجين والتجار توفير سوق أسبوعي مؤكد لإنعاش الحركة التجارية وتحقيق هامش ربح يضمن الاستمرارية وللمستهلكين فرصة للحصول على المنتجات بأسعار مناسبة تقل عن الأسواق الثابتة نتيجة انخفاض التكاليف التشغيلية للمتجر وللسلطات المحلية والحكومة توفير دخل منتظم عبر تحصيل رسوم الدخولية وضريبة الأسواق والخدمات مما يرفد خزانة المحليات بالسيولة اللازمة لتقديم الخدمات الأساسية للمواطنين.

لا تكتمل الصورة إلا بالبعد الثقافي والإنساني إذ تفوح في أرجاء السوق روائح القهوة السودانية الجبنة ويجتمع الناس حول موائد الطعام الغنية باللحوم الشائطة والمناصيص في جلسات تضامن تجسد كرم الضيافة الدارفوري الأصيل وفي الوقت نفسه تتداخل أصوات الباعة مع ألحان الحكامات والأغاني الشعبية التي تروي تاريخ المنطقة وأمجادها ليتحول اليوم التسوقي من مجرد نشاط تجاري إلى مهرجان مفتوح يحتفي بالحياة

عندما تغرب الشمس ويستعد حب الدين لحزم بضاعته والعودة إلى بيته لا يعود فقط بمكاسبه المالية وحاجيات أسرته للأسبوع القادم بل يعود محملا بأخبار الأهل ودفء اللقاء ويقين بأن أم دورور ستظل دائما شريان الصمود الاجتماعي والاقتصادي الذي يربط بين أطراف دارفور مهما تغيرت الظروف وتوالت التحديات

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى