فى الحروب تختبر القوي السياسية صدق شعاراتها، كما تختبر النخب قدرتها على التمييز بين إنتاج سؤال، لماذا الدولة السودانية لما بعد الإستعمار، هي دولة فاشلة ومعادية لشعوبها، ولم تحقق أي مستوي من الإستقرار الوطني، المؤسس على المواطنة والعدالة وعدم التمييز، وبين مفهومها للوطنية، الذي ظلت تقدمه برؤية غائمة عمدا، بحيث يتحول بإستمرار الى رداء مثقوب لمواراة عجز النخب وعدم إتساقها البائن مع ما ترفعه من شعارات دعائية غير متجذرة فى مشروع وطني ما، لأن هذه النخب الصفوية وطوال تاريخها، لم تنتج مشروعا وطنيا سودانيا، مقرا بأن هنالك فشل ذريع.
وهنا تكمن الكارثة، عندما يتصدي بعض النشاء لإنتاج وتبني خطاب مضلل من شاكلة، نحن نقف موقفا يدعو الى المحافظة على الدولة السودانية وإصلاح مؤسساتها، دون الاقرار بضرروة التسائل المشروع:
هل كان هنالك مشروع دولة أصلا ولها مؤسسات تعاني بعض المشكلات، تستوجب الإتفاق على إصلاحها؟
إنها لغة التغبيش وتشتيت الوعي العام بخطاب تضليلي متعمد، فهذه الدولة، أي دولة ما بعد الإستعمار، ليست دولة سودانية بمفهوم الوطنية، أي لم تنشأ بإرادة ورؤية الشعوب السودانية، إنما كانت مشروعا موروثا من المستعمر الذي أقام مؤسساتها وفق رؤية تخدم مصالحه الإستعمارية، متحالفا مع نخب صنعها هو وملكها ذمام الأمور فى السودان، لأنه، أى المستعمر، خصوصا بعد الحرب العالمية الثانية وهبة الشعوب المستعمرة، مطالبة بالحرية، كان يدرك بأنه سيرحل من المستعمرات، لذلك أعد نخبا من السودانيين يتبنون رؤية لاتختلف عن رؤيته الإستعمارية، مسربلة بثياب وطنية مدعاة للتضليل وجعل عورة المذي تبدو وكأنها مقدسات.
هذه كانت بداية خلق وهم الوطنية المصنوع والغش والتدليس السياسي، الذي استخدمته النخب وريثة المستعمر للسيطرة على الشأن الوطني وموارده فى إطار ضيق يتمحور حولها، لا يعترف بحقوق الشعوب السودانية ويقر دولة المواطنة، ولا يعترف بالتنوع السوداني، بل وأكثر من ذلك، عملوا بإستمرار على فرض إرادتهم وسيطرتهم بالقوة الغاشمة، متحالفين مع المؤسسة العسكرية التى صنعها المستعمر، فلم يعد هنالك خيار للشعوب السودانية، سوى أن تقاتل من أجل حقوقها الوطنية ومن أجل إنسانيتها وحماية نفسها من بطش النخب المتمركزة فى مركزها المفروض ظلما وعنفا، مع إدراك هذه الشعوب بأن النضال بلا سلاح هو خير، لكن النخب سلبتها هذا الخيار.
كشفت الحرب الجارية الآن عن إنحيازات مضللة ومغطاة برداء إدعاءات الوطنية المضلل، الذي تدعيه النخب القديمة وتوابعها، دون تعريف لمفهوم الوطنية ومتطلباته، لأنها هي النخب صاحبة مشروع الدولة الغاشمة، الفاشلة و المعادية للشعوب السودانية، حتي بتنا نري نخب مثل تلك التى تنتمي الى المجتمع المدني وتتغطي بالدفاع عن حقوق الإنسان، حيث تظهر المفارقة المحزنة، كيف لشخص يدعي الدفاع عن حقوق الإنسان، ثم يضع حقوق الإنسان نفسها فى مرتبة ثانية، عندما يتعلق الأمر بالطرف الذي يمثل دولته التى تمنحه إمتياز السيطرة والفرص…
الوطنية لا تقاس بالصراخ التضليلي حول سيادة الدولة والحفاظ على مؤسساتها التى لا تعبر عن الشعوب السودانية، إنما معيارها هو طرح سؤال، لماذا دولة ما بعد الإستعمار الانجليزي فى السودان ظلت تقتل الشعوب السودانية وتقصيها ولا تعترف بالمواطنة والحقوق وتصر نخبها على إحتكار الدولة وشعارات الوطنية بصورة مطلقة؟
ولماذا ظل الناس يحملون السلاح في الهامش، هل لانهم لا يعرفون كيف يتحدثون بلسانهم، أم أنهم مجبرون على ذلك، لأن النخب المضللة التى صممت مع المستعمر هذه الدولة الغاشمة، لا تسمع ولا ترغب فى سماع صوت ألسنتهم متعدد اللغات والقادر على التعبير.
الوطنية ليست قناع أيها السادة نخب دولة المستعمر، وأصعب أشكالها هو رفض التحول الى ترس فى ماكينة الكراهية والعنصرية البغيضة والتبرير لها، بدعاوي ما عادت و بعد أكثر من سبعين عاما من الأسي، تنطلي على أحد، فمصالح الشعوب السودانية هي الإستقرار وإنهاء الحروب ودولة المواطنة وإدارة التنوع وتفكيك دولة المستعمر المختلة والجلوس لتأسيس سودان جديد، خالي من جينات بقايا الإستعمار ومؤسساته التى خلفها وأذياله المضللة، فالدول لاتبني بإرادة موروثة من جلادها الذي إستعمرها، إنما تبني بالتحرر من ربقته وتفكيك ما خلفه من مشروع سياسي مختل، وهذا يتطلب الإقرار بذلك والإعتراف بأنه عين الفشل وسبب الحروبات وعلى النخب والنشطاء المضللين، الذين يتدثرون بدعاوي وطنية إنتقائية، أن يدركوا بأن مواقفهم هذه، ليست إلا إمتدادا لمشروع مدمر وبائس لا يخدم الشعوب السودانية مطلقا، حيث ما عادت هذه الشعوب تنظر إليه أصلا، لأنها إكتفت من أغبرة الغش والمتاجرة بقضاياها وحقوقها وإنسانيتها.





