كرب التوم محطة تاريخية وجغرافية ذات أهمية كبيرة، حيث تقع في قلب الصحراء الكبرى بين مثلثي الحدود: الأول بين ليبيا والسودان ومصر، والثاني بين ليبيا وتشاد والسودان. تكتسب هذه المنطقة أهميتها من موقعها الاستراتيجي ودورها التاريخي كمركز للتجارة الصحراوية، فضلاً عن كونها نقطة تلاقٍ ثقافي واجتماعي بين شعوب المنطقة. يُعد اسم “كرب التوم” رمزاً لتاريخ هذه المنطقة.
وقبل كل شيء، من المهم التعريف بالاسم “كرب التوم” في اللغة الدارجة السودانية، حيث يعني “الكرب” التقييد أو الإعاقة، كما في قول “كربه المرض”، أي قيده وأعاقه. وفقاً للروايات الشعبية، أن التاجر “التوم”، وهو من قبيلة الكبابيش، لقي حتفه في هذه المنطقة بسبب العطش خلال رحلة تجارية عبر الصحراء. ونتيجة لذلك، أطلق التجار والرحالة اسم “كرب التوم” على هذه المحطة تكريماً لذكراه، لتصبح علامة بارزة على طرق القوافل التجارية.
لذلك تأتي أهمية “كرب التوم” في التجارة الصحراوية منذ منتصف القرن العشرين، تحديداً في الخمسينيات والستينيات، برزت كمحطة رئيسية لتجارة الإبل بين ليبيا والسودان. كانت مجتمعات الأبالة من الزيادية والكبابيش والماهرية والمحاميد والدار حامد، وهم فئة التجار، الأكثر نشاطاً في ترحيل الإبل وتجارتها. هؤلاء التجار، الذين اشتهروا بمهارتهم في قطع الصحراء ركوبا على الإبل، وقد اعتمدوا على معرفتهم العميقة بالتضاريس، الطقس، ومواقع المياه يتمتع تجار الإبل عرفوا بخبرة واسعة في علوم الصحراء، تشمل معرفة دقيقة بالتضاريس، مواسم الأمطار، وأنماط الطقس على مدار العام. كما يتقنون تحديد كميات الماء والزاد (الطعام) اللازمة للرحلات الطويلة، ويمتلكون مهارات طبية لعلاج الإبل التي تمرض أو تنهك خلال السفر، والتي يُطلق عليها محلياً “بطلت”. ومن المهم عنده ختيار الإبل القادرة على قطع مسافات طويلة، تصل إلى 40 يوماً عبر الصحراء، كان يتم بعناية فائقة، كانت المحطات تبدأ بدونكي الوخايم والعطرون والنخيل ثم كرب التوم حتى العوينات ثم إلى الكفرة. هذه المحطات تعتبر أساس لرحلات السفر بين دارفور وكردفان في السودان وحتى الكفرة في ليبيا. إضافة إلى ذلك، كان التجار يعتمدون على معرفتهم بفصول السنة، منازل القمر، مواقع النجوم، وحركة الرياح لتحديد الاتجاهات بدقة. هذه المهارات جعلت كرب التوم ليست مجرد محطة تجارية، بل مركزاً لتبادل المعرفة والخبرات بين الرحالة والتجار والخبراء. حتى السبعينيات والثمانينيات، بدأت السيارات الألمانية “المارسيدس” تحل تدريجياً محل الترحيل التقليدي للإبل سيرًا على الأقدام، مما أحدث تحولاً كبيراً في أنماط التجارة، حيث أصبح نقل الإبل عبر الشاحنات أسرع ةكفأ مما قلل المخاطر الناجمة عن الموت بالعطش والخسائر في الأرواح ونفوق الماشية.
تاريخياً، كانت كرب التوم ومناطق العوينات، المثلث، والعطرون تابعة إدارياً لشمال دارفور قبل تعديل الحدود في التسعينيات بواسطة الزبير محمد صالح، نائب رئيس السودان آنذاك. هذا التعديل أعاد ترسيم الحدود بين السودان وليبيا، مما أثر على الوضع الإداري والسياسي للمنطقة، لكن كرب التوم ظلت محافظة على أهميتها كمركز تجاري واستراتيجي.
الأهمية الجيوسياسية والمعاصرةالموقع الاستراتيجي
تقع كرب التوم غرب جبل العوينات، مما يجعلها نقطة وسطى بين المثلثين الحدوديين. هذا الموقع يمنحها أهمية جيوسياسية كبيرة، حيث تتيح مراقبة الحدود بين ليبيا، السودان، وتشاد. منذ عقود، ونظراً لنشاط التهريب، قطاع الطرق، الهجرة غير الشرعية، وتجارة الذهب وغسيل الأموال، تم وضع حماية عسكرية في المنطقة لتعزيز الأمن ومراقبة الحدود. هذه الأنشطة جعلت كرب التوم نقطة مهمة جيوسياسيا تتطلب حماية كبيرة بقوات تمتاز بالخفة والسرعة وتقفي الأثر.
كما أن التواصل الاجتماعي والتبادل الثقافي
تعد فيه كرب التوم مركزاً مهما في التواصل الاجتماعي بين سكان جنوب ليبيا، وسكان الصحراء السودانية، وشمال تشاد. حيث شهدت هجرات متبادلة بين ليبيا والسودان، ومن شمال إفريقيا إلى السودان خاصة في سنوات الجفاف حيث هاجرت مجموعات من موريتانيا إلى الآن موجودة في السودان تعرف بالشناقيط، وكذلك معبر مهم للمعدنين إلى منطقة الساحل الأفربقي.
هذا التداخل الاجتماعي خلق شبكة علاقات قوية بين مجتمعات دارفور وكردفان في السودان، وجنوب وشرق ليبيا، وشمال تشاد.
كرب التوم في سياق الحرب الجارية
في ظل الحرب الأهلية الدائرة في السودان بين قوات برهان وحلفاءه من الحركات وقوات الدعم السريع، شكلت كرب التوم أهمية استراتيجية كبيرة. وتعني سيطرة قوات الدعم السريع على كرب التوم، ومثلث العوينات، والعطرون تؤكد سيطرة قوات الدعم على الحدود الجنوبية الليبية وشمال تشاد، مما يحقق هدفين رئيسيين:
أولا، تأمين خطوط الإمداد: تتيح سيطرتها على تلك المناطق تأمين خطوط إمداد لوجستية وتؤمن حركة تجارية، خاصة بعد فقدان طرق التجارة مع مصر وواردات بورتسودان، مما يعزز قدراتها العسكرية ومد مناطق سيطرتها بالسلع المفقودة.
ثانيا، التحرك والمناورة العسكرية: بفضل خبرت قوات الدعم في الخداع المباغت في التكتيكات العسكرية، تحتاج قوات الدعم السريع إلى مساحات جغرافية واسعة للتخفي والمناورة، توفر كرب التوم هذه الميزة بموقعها الصحراوي الواسع.
في حين حاولت قوات برهان والخركات المتحالفة مع التركيز على جبهة كردفان التي منيوا فيها بهزائم مزلزلة في محوري الخوي والدبيبات.
لذلك فإن سيطرة الدعم السريع على الصحراء الشمالية الغربية فتحت جبهة جديدة. تسعى فيها قوات الدعم السريع للسيطرة على مدن الولاية الشمالية الرئيسية “دنقلا والدبة ومروي” مما قد يهدد مدن ولاية نهر النيل الحيوية (عطبرة، الدامر، وشندي). هذه المدن تُعد معقلاً لقادة النظام، وبالتالي فإن السيطرة عليها ستكون بمثابة ضربة قاصمة، تكشف ظهر جيش برهان وتضعف معاقل مؤيدي الحرب.





