في كل محطة من محطات الحرب، أثبت البرهان أنّه لا يبحث عن السلام بقدر ما يبحث عن الوقت. الوقت بالنسبة له ليس مساحة للتفاوض، بل فرصة لإعادة التموضع، وحشد الحلفاء، وتوسيع دائرة التسليح. رفضه الأخير لمقترح المجموعة الرباعية، واتهامه المباشر لمستشار الرئيس الأمريكي مسعد بولس بالكذب، ليس سوى حلقة جديدة في سلسلة طويلة من المراوغات التي أتقن استخدامها منذ اندلاع الحرب.
منذ اليوم الأول، قدّم البرهان نفسه للمجتمع الدولي كطرف راغب في الحوار، بينما كان في الواقع يستغل كل مبادرة سياسية لشراء مزيد من الأسابيع والأشهر، يرمّم خلالها قواته المنهكة، ويعيد ترتيب خطوط امتداده العسكري. وخلال جولات التفاوض السابقة، ظهر هذا السلوك بوضوح: وعود فضفاضة، توقيعات تُنتهك بعد ساعات، وتعهدات لا تجد طريقها للتطبيق. كل ذلك منحته المنظمات والوسطاء باعتباره “شريكاً ضرورياً”، بينما كان هو ينسج تحالفات جديدة مع جماعات متطرفة وفلول النظام القديم، ويوسّع ترسانته من السلاح التي تتدفّق من منابع متعددة.
تصريحات البرهان الأخيرة تكشف — دون مواربة — انتهاء مرحلة التجميل السياسي وبداية مرحلة المجاهرة. فحين يرفض وساطة دولية بهذا الوزن، ويتهم مبعوثاً أمريكياً بالكذب، فهو عملياً يعلن انسلاخه عن أي التزام أخلاقي أو قانوني، ويفضح استراتيجيته القائمة على إطالة أمد الحرب مهما كان الثمن.
إن هذا العناد، وهذه اللغة العدائية، ليست مجرد موقف عابر؛ إنها القشّة التي قد تقصم ظهر البعير، وتؤكد للعالم أن من يدّعي السعي للسلام هو نفسه من يقتل فرصه، ويغلق آخر أبواب الحل، ويدفع السودان إلى مزيد من الدم والدمار.





