رأي

عمار سعيد يكتب: قراءة في تعيين كامل إدريس رئيسًا لوزراء حكومة الانقلاب في بورتسودان

الفاسد لا يختار إلا فاسدًا مثله

في كل تجارب التاريخ، لا يُعرف عن الأنظمة الفاسدة أنها تستعين بالشرفاء أو تتبنى الكفاءات النزيهة، لأن هؤلاء يُشكلون خطرًا وجوديًا على منظومة تقوم على الكذب والنهب والبطش. لذا، ليس غريبًا أن يعين عبد الفتاح البرهان، قائد انقلاب 25 أكتوبر، الدكتور كامل إدريس رئيسًا لما يُسمى بـ “حكومة تصريف الأعمال” في بورتسودان، في محاولة يائسة لإضفاء شرعية زائفة على سلطته المنهارة.

كامل إدريس، الذي كان في يوم من الأيام أحد الأسماء اللامعة في المنظمة العالمية للملكية الفكرية (WIPO)، لا يُخفى على أحد تاريخ التحقيقات التي طالت سجله الأكاديمي وتورطه في قضايا فساد أدت إلى إقالته من منصبه. وقد ثبت بالأدلة تورطه في تقديم معلومات مغلوطة حول مؤهلاته الأكاديمية، وتورط في ملفات إدارية ومالية أدت إلى فصله من المنظمة. ومع ذلك، لا يرى فيه البرهان سوى مرشح مثالي ليكون واجهته الجديدة، ليس بسبب كفاءته، بل بسبب ماضيه الذي يجعله مطيعًا ومؤهلاً للعب أدوار سياسية رمادية تحت الطلب.

هذا التعيين ليس بريئًا ولا معزولًا، بل هو جزء من وصفة سياسية مصرية تم إعدادها بعناية في دهاليز المخابرات المصرية، هدفها تجميل وجه سلطة عسكرية فقدت كل رصيدها الأخلاقي والسياسي، عبر الدفع بوجوه “مدنية” تُحسب على التيار القومي أو المستقل، مع محاولة إخفاء الشخصيات الإخوانية والعناصر المحسوبة على نظام البشير مؤقتًا عن المشهد السياسي، إلى حين تثبيت أركان النظام الجديد/القديم.

لكن هذه الوصفة لن تنجح. لقد جُربت من قبل حين حاولت القاهرة صناعة “حكومة مدنية” صورية في بدايات الانقلاب، وفشلت. وجُربت حين دعمت قوى الردة والانقلاب في محاولات فرض تسويات هشة على الشعب السوداني، وفشلت. وستفشل هذه المرة أيضًا، لأن الشعب السوداني بات يدرك أن لا خلاص مع منظومة الفساد والاستبداد، وأن أي وجه يتم فرضه من الخارج لن يحمل له سوى مزيد من الكوارث.

إن تعيين كامل إدريس ليس سوى محاولة جديدة لتدوير الفساد، فالمجرم لا يعين إلا مجرمًا مثله، والفاسد لا يتحالف إلا مع من يضمن صمته وولاءه. أما السودان، فلن ينهض إلا بيد أبنائه النظيفين، الذين لا يبحثون عن شرعية من عواصم الجوار، بل من نبض الشارع وصرخة المقهورين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى