رغم الدماء التي سالت، والخراب الذي حل، والإبادة التي تُرتكب بصمت مريب، ما زال بعض الأطراف الإقليمية والدولية يتعاملون مع السودان كغنيمة جغرافية، لا كوطنٍ حيّ لشعبٍ اختار حريته، وثار مرات، وقدم أرواح شبابه قرابين على مذبح الكرامة.
ما يُعرف بـ”الجهود الدولية والإقليمية” لحل الأزمة السودانية لم تعد سوى غطاء لمؤامرات مكشوفة، تخنق إرادة السودانيين وتمنح الغلبة لمن حملوا السلاح ضد المدنيين، لا من وقفوا يحلمون بدولة الحرية والسلام والعدالة.
رمطان لعمامرة… عرّاب التسويات الملتوية
لعل أخطر ما تواجهه قضية السودان اليوم، هو ما تمارسه بعض الشخصيات المبعوثة باسم الأمم المتحدة، والتي فشلت تمامًا في إخفاء انحيازها لطرف عسكري دمّر الدولة. رمطان لعمامرة، المبعوث الأممي الذي حوّل مهمته من “مساعٍ حميدة” إلى تأمين دعم الجزائر الكامل لجيش انقلابي يقصف شعبه ويشرد الملايين، قد سقطت عنه ورقة التوت.
لعمامرة لم يكن يوماً وسيطًا نزيهًا. بل كان طرفًا في معادلة إقليمية تحاول أن تفرض موازين قوى جديدة في السودان، تحمي نفوذ جنرالات الحرب وتغلق الباب أمام أي مشروع ديمقراطي حقيقي.
أبو الغيط… صوت القاهرة في ثوب عربي
أما الأمين العام للجامعة العربية، أحمد أبو الغيط، فلا يخفي ولاءه المطلق للنظام المصري. مواقفه المتكررة من الأزمة السودانية تؤكد أنه مجرد ناطق باسم الرئيس السيسي، لا يعبر عن الشعوب العربية ولا عن موقف جامع مشترك. مصر، التي تحتل حلايب وتخشى من ديمقراطية سودانية حرة على حدودها، لم تكن يومًا صديقًا لنهضة السودان أو لوحدته، بل تسعى دائمًا لتحريك أدوات داخلية تخدم مصالحها الأمنية والاقتصادية على حساب الشعب السوداني.
رؤساء بالاسم… دُمى في أيدي المصالح
لا يخفى على أحد أن بعض رؤساء الاتحاد الإفريقي الحاليين – خصوصًا الرئيس الجيبوتي – لا يملكون من أمرهم شيئًا، بل تحولوا إلى أدوات في أيدي التحالفات الإقليمية الإسلامية والمالية، ولا صوت لهم إلا ما يُملى عليهم. جيبوتي، رغم موقعها الإستراتيجي، أصبحت واحدة من أسوأ النماذج في تضييع الموقف الإفريقي المشترك، ودورها في ملف السودان كان دورًا هزيلًا، عاجزًا، ومخجلًا.
الشعب قال كلمته… ولا شرعية إلا للمدنية
شعب السودان لم يخرج منذ ديسمبر 2018 إلا ليقول: “نريد دولة مدنية ديمقراطية”، لا دولة عسكرية ولا مجالس حرب ولا انقلابات مقننة. وما يحدث الآن من محاولات لإعادة تدوير الانقلابيين أو فرضهم كشركاء في التسوية، هو اغتصاب صريح لإرادة الملايين.
تحالف تأسيس… الخيار الوحيد لبناء الدولة المدنية
في مقابل هذا التواطؤ، يبرز تحالف تأسيس كصوت صادق من رحم الشارع، يطرح مشروعًا وطنيًا واضحًا: لا تفاوض، لا شراكة، لا شرعية للعسكر. تحالف يؤمن أن السودان لن يتحرر إلا بسيطرة شعبه على قراره، بتحرير مؤسساته من التبعية، وقطع يد التدخل المصري الإماراتي وغيره في مستقبلنا.
السودان ليس حديقة خلفية لمصر
مصر، التي تصدر أزمتها الاقتصادية على حساب السودان، وتحاول السيطرة على موارده، لا يحق لها أن تملي علينا كيف نُحكم. السودان بلد حرّ، وشعبه لا يريد أن يكون تابعًا في محور يخدم أنظمة قمعية فاشلة.
اليوم، مطلوب من كل القوى الحية أن تلتف حول مشروع وطني صادق، ينقذ السودان من أن يكون ضيعة بيد العسكر أو دمية بيد الخارج. ولا صوت يعلو فوق صوت الشارع.
لا عودة إلا للمسار المدني الكامل، ولا شرعية إلا للثوار والثائرات الذين صمدوا رغم الرصاص والقصف والمجازر.
السودان بلدنا، ولن يُحكم إلا بإرادتنا.





