بقلم: إبراهيم مطر
الناظر لتطورات حرب الفلول التي أشعلوها في صبيحة الخامس عشر من أبريل الماضي باستهداف قوات الدعم السريع في معسكرها بالمدينة الرياضية، (يستيقن) أن منحنى العالم الإخلاقي طويل، لكنه يتحرك دوماً باتجاه العدالة. فما الذي أوحى لشيوخ الحركة الإسلامية وصبيتها بإطلاق الرصاصة الأولى، والتي لولاها لظلوا كما (الحسكنيت) يقض مضجع البلاد الرحيمة، ويخدشها بقسوة كلما حاولت الحركة باتجاه الأمام. أو مثل (الحبن) تحت إبط البلاد الكبيرة، يقض مضجع لياليها بالسهر والحُمى. أي خاطر (مبروك) جعلهم يرفضون كافة الحلول السلمية، ويسعون لحتفهم بظلفهم عن طريق إغلاق كافة المنافذ الأخرى أمام الشعب، وأن يتيحوا هذه الفرصة – الذهبية – لإرسالهم مباشرة إلى الجحيم، (وبصورة حرفية هذه المرة)، استنقاذاً للسودان من براثن التنظيم الإجرامي الدولي للإخوان. وأظهر مقاتلي الدعم السريع في هذه الحرب – التي فرضت عليهم وعلى السودانيين – بسالة سيُسجلها التاريخ بلا شك عندما تزول الغُمة، وتعود روح (ديسمبر) لتغمر الشوارع والنفوس، وتلك قصة أخرى.
ظنوها نُزهة، وزين لهم شيطانهم أن ديسمبر قابلة للهزيمة وللنسيان، وأن أشاوس الدعم السريع، يُمكن أن تهزمهم كتائب (البراء بن هالك) الإخوانية، المُثقلة بالجرائم والمال الحرام.
لكن سُرعان ما استبان لهم ما أدخلوا أنفسهم فيه بعد أن صار نعي منسوبيهم من المليشيات المتأسلمة – ومنهم قادة – يملأ وسائط التواصل، يُسعد زُراع الثورة، ويغيظ الكفار من أعداء ديسمبر الميمون. كان آخرهم اللواء أمن (جمال زمقان)، الإرهابي المتهم بتفجير السفارات الأمريكية والمدمرة (كول)، بتعليمات من أسامة بن لادن. كما أنه المُتهم الأبرز، في قضية فض اعتصام القيادة العامة، (ولا يظلم ربك أحدا). ففي يوليو الجاري نعت مليشيا (البراء بن مالك) الإرهابي (حسين جمال)، الذي قُتل أثناء المعارك، ووصفته بأن (عرفته ساحات الجهاد والجامعات).
كما نعت الإرهابي (عمار عبد القادر)، المُلقب بأمير الدبابين، والذي قُتل في معارك (الاحتياطي المركزي) بأُمدرمان. وفي وقت سابق نعت الحركة الإسلامية الإرهابي (علي شيخ العرب). والإرهابي (محمد عبدالله الطيب)، المُنتسب بدوره لكتيبة (البراء بن مالك). وقُتل من قيادات مليشيات الحركة الإسلامية خلال شهر يونيو الماضي (عمر أبو كلام، بابكر أبو حجيل، عمر قاسم، أيمن عمر، محمد الفضل عبد الواحد، حسن محمود الشهير بـ”أربكان”، احمد فتح الرحمن “جاموس”، محمد عبدالله، صهيب مجدي، ادريس عبدالله، يحي، حسن جابر، عمر العجب، ومحمد عثمان الشاعر). كما كان من اللافت نعي رئيس الحركة الإسلامية (علي كرتي) العلني، لنائب امين امانتها للفكر والتأصيل الإرهابي (محمد الفضل عبدالواحد عثمان) في السادس عشر من يونيو الماضي، والذي سبق أن قاتل في صفوف داعش بليبيا.
وجنود قوات الدعم السريع ليسو (قرامطة جدد) ولا مُحتلين. ولم يظهروا فجأة من العدم، كما يحاول أن يصورهم (الإخوانيون). بل ثُوار ذكروا العالم بمقاومة السودانيين لمستعمر خبر شراستهم وصبرهم على القتال، وذكرهم كذلك برموز الإنسانية الأبرز، في الدفاع عن القضايا العادلة. أما من حيث قانونيتها، فيكفي أن نقول أن (حميدتي) هو من وقع عن العسكريين في الوثيقة الدستورية الحاكمة للبلاد حتى هذه اللحظة وليس (البُرهان).
لكن ما حدث هو أن ثورة ديسمبر حررت السودانيين بما فيهم قوات الجيش وقوات الدعم السريع من سيطرة التنظيم الإخواني، ومنحتهم الخيار. فاختارت قيادة الجيش الإرتماء مرة أخرى – وبملء إرادتها – في أحضان النظام البائد، بينما انحازت قوات الدعم السريع لخطاب ديسمبر. فكانت قاصمة ظهر الفلول داخل الحيش وتطلعاتهم للعودة للسُلطة، هي تصريحات قائد قوات الدعم السريع في خطابه الشهير، والذي أدان فيه انقلاب الخامس عشر من أكتوبر، واعتذر عنه.
ووافق بعد ذلك على مسودة (اللجنة التسييرية لنقابة المحامين)، التي انبثق منها الاتفاق الإطاري. ووقع على الاتفاق الإطاري، وعلى تفاهم الخامس عشر من مارس المُسمى بورقة (الإصلاح الأمني والعسكري). وبدلاً من النظر إلى هذا التعاطي الإيجابي مع قضايا الوطن، ذهبوا إلى التقليل من شأن قوات الدعم السريع، ووصفها بأنها (مليشيا)، ووصف مقاتليها ذوي الحسب والنسب السوداني الأصيل بأنهم (أجانب).
استكثر الفلول على مكونات اجتماعية قادمة من أطراف السودان اليقظة والمطالبة بالحقوق، باعتبارها قوى نشأت خارج قوالب الدولة المتعارف عليها من النُخب المُسيطرة (لعقود) على الشأن العام. وللحقيقة فلم تكن الدولة كموضوع تشغل بال هؤلاء لسنوات طويلة ما قبل ديسمبر. فاستنكرت الحركة الاسلامية عليهم طرح أسئلة جديدة، ولجأوا للتبسيط المضلل والسهل، وهو وصفها بأنها قوات (متمردة) على دولة مُترامية الأطراف، بُنيت مؤسساتها وكُتب عقدها الاجتماعي في ظروف تختلف بالكلية عن زمان ما قبل ديسمبر، وتواضعت عليه (قلة) تعاملت مع الآخرين كرعايا لا مواطنين.
ما أفرز الجروب الأهلية متطاولة الأمد، والتي ساهمت الحركة الإسلامية في صب الزيت على نارها عن طريق ضرب المكونات المجتمعية السودانية ببعضها البعض. لكن حانت (لحظة الحقيقة) باندلاع الثورة، والتي طالبت بوضع كل شئ في مكانه الصحيح، ودُفعة واحدة.
تفكيك التمكين في مؤسسة الجيش ماض إلى غاياته بأيدي أشاوس الدعم السريع، الذين قطعوا في ذلك شوطاً بعيداً بالقضاء على عناصر مليشيات الحركة الإسلامية المُقاتلة. أبلغني من أثق فيه أن الفلول في الخرطوم صاروا في (أمراً ضيق)، وأنه لم يعد ثمة مكان لاختباء جواسيس الأمن الإخواني، بعد أن أظهرت استخبارات الدعم السريع كفاءة منقطعة النظير في اصطيادهم.
إن قوات الدعم السريع هي أنياب (ديسمبر) التي اتجهت للكفاح المُسلح بعد أن أثبت الإخوان للجميع أن (وحده الكوز الميت، هو الكوز الجيد)، و(كُلما قُتل أحد الكيزان، تقترب البلاد خطوة نحو الخلاص). وعلى هذا يمضي الحال بعد أن حفرت الحركة الإسلامية قبرها بنفسها حينما تحدت إرادة ديسمبر العصية التي أنقذت الأمة، وكشفت الغُمة، ونادت بمحاسبة المُجرمين.