في مشاهد تكررت عبر التاريخ، كان المدنيون دومًا أول ضحايا الحروب، لكن ما يحدث في مدينة الفاشر اليوم يتجاوز مجرد ضرر جانبي، ليصل حد تحويل الإنسان نفسه إلى ورقة ضغط، ورهينة سياسية، ودرع بشري .
منذ أن بدأت عمليات الإجلاء الآمن من مناطق الإشتباك، تدفقت شاحنات الإغاثة من قوات الدعم السريع نحو الفارين من جحيم الحرب، وقد وجد من خرج سبيلًا إلى الأمن والغذاء والمسكن .. بعدما أُطعم من جوع وأُمِن من خوف .. أما من بقي، فقد حال تحالف البرهان ومناوي دون خروجه ..
رفضهم فتح المعابر الإنسانية لخروج المدنيين، لم يكن حبًا في المدينة، بل خوفًا من فقدانها كورقة تفاوض، ولإبقاء المدنيين بين فكي كماشة نيرانهم، واتخاذهم دروعًا بشرية ..
بداية : الفاشر لم تكن هدفًا في بداية الحرب ..
قائد قوات الدعم السريع أعلن استثناءها، احترامًا لظروفها كمدينة منكوبة ومأوى للنازحين من ولايات دارفور الأخرى.. رغم علمه بنشاط استخبارات البرهان داخلها، قدَّم الكفة الإنسانية على الحسم العسكري ..
لكن مناوي إختار الحرب بجانب الجيش .. وإختار الميدان ..
حشد جيوش أربع ولايات، ورفع لافتة “الحياد” بعد أن أرسل الشاحنات محملة بالسلاح تحت غطاء “العمل الإنساني”. ولم يكن إعلانه القتال بجانب الجيش نصرة لوطن، بل كان طمعًا في كرسي سُلطة، على حساب ملايين المدنيين المحاصرين داخل المدينة ..
فبدأ الحرب، ورصاصه يتطاير من بين النازحين، لا من معسكر بعيد ..
الذي يُحمد لقوات الدعم السريع أنها لم تنتظر كثيرًا، فتحت المعابر، وأخرجت الغالب من الرهائن .. ووفرت لهم الأمن، والإيواء، والإغاثة ..
وانطلقت القوافل بالنساء والأطفال إلى مناطق آمنة، حيث ينتظرهم الدخن والمسكن والماء بلا مقابل ..
في المقابل، اليوم داخل الفاشر، بلغ جوال الدخن ستة ملايين جنيه .. ورهائن مناوي يأكلون “الأمباز”، بينما من نجا يزرع الآن في الخريف، ينتظر حصاده، وينتظر من تركهم خلفه ..
فالفرق صار واضحًا بين من يحتجز الناس ليبيع جوعهم، ومن يفتح لهم الطريق أمناً وحرية في انتظار معونة أو زراعة ..
الفاشر الآن مدينةٌ جريحة ..
لكن جرحها لن يندمل إلا بتحريرها الكامل من قبضة التحالف الذي حوّلها إلى سوق للموت، وتجارة بالجوع، ومعرض للدموع ..
الجوع في الفاشر لم يأتِ قَدَرًا، بل صناعة، وتُراد له سوق جديدة، يتاجر فيها مناوي والبرهان بعظام الناس، بعد أن فسدت كل بضاعة سابقة من شعارات وطنية زائفة ومبررات مهترئة ..
وصيتنا لأهلنا داخل المدينة :
إن استطعتم الخروج، فاخرجوا، فإن حياتكم أغلى من مخازن السلاح، وأقدس من كراسي المناصب، فالحياة داخل المدينة لم تعد إلا تجارة بجوعكم وموتكم، ومَن ينجُ من نار الحرب، قد يُساق إلى سوقٍ يُباع فيه كضحية جديدة في مزاد الانتهاكات .




