رأي

محمد الرحال يكتب: حين تصبح القبيلة دليل إدانة

ما وراء الشمس

في سابقة مأساوية تكشف عورة منظومة العدالة في السودان القديم، صدر حكم بالإعدام شنقًا حتى الموت على أربع فتيات لا لذنب اقترفنه، بل لأن انتماءهن القبلي يزعج ماكينة الحرب التي يقودها الجيش.. تم اعتقالهن من الولاية الشمالية بعد نزوحهن من أم درمان، وتم إيداعهن السجن لما يقارب العامين دون تهمة، ثم أُفرج عنهن بأمر النيابة لعدم كفاية الأدلة.. لكن الاستخبارات العسكرية للجيش تدخلت وأعادت توجيه مصيرهن، فكان حبل المشنقة أقوى من البراءة، وأقوى من صوت النيابة، وأقوى من القانون..

هذه القضية ليست مجرد حادثة فردية في ملف الحرب، بل هي مرآة مُرعبة لما كانت عليه الدولة السودانية؛ حروبها دومًا تتجاوز حدود السياسة لتصل إلى جريمة كاملة ضد المجتمع، حروب تتخلى عن مواجهة الخصوم المسلحين لتستبدلهم بمواطِنين عُزّل، يُقتلون باسم قبائلهم، ويُحاكمون بتهمة الانتماء الجغرافي..

من قبل بداية الصراع بين الجيش وقوات الدعم السريع، برز خطاب في وسائل الإعلام الموالية للجيش، ومنصات الناشطين المحسوبين عليه، بل وحتى على لسان قياداته، وهو خطاب متكرر في كل حرب ومبرر يُروّج لفكرة أن بعض القبائل تمثل “حواضن اجتماعية” للتمرد ويجب إبادتها بالسلاح أو المشانق.. وهنا تبدأ وتتكرر الكارثة.. حين تصبح القبيلة دليل إدانة..

فما كان خطابًا تحريضيًا للجيش وإعلامه أصبح اليوم سياسة أمر واقع: أبناء وبنات هذه القبائل في مناطق سيطرة الجيش يُراقَبون، يُعتقلون، يُحرَمون من الخدمات، وأحيانًا يُعدَمون.. يُعامَلون كأعداء بالقوة لا بالموقف، وكأنهم مجرمون، لا مواطنون لهم ما لغيرهم وعليهم ما على غيرهم..

هل يعي صانعو هذا الخطاب أنهم بهذه الطريقة يضعون أسس إبادة اجتماعية غير معروفة الوجهة (لهم أو عليهم)؟؟ وهل يدرك من يقودون هذا المسار أنهم حين يستبدلون القانون بالهوية، يزرعون بذور حرب أهلية طويلة الأمد لا تهدأ بانتهاء المعارك؟!

في حرب أبريل هذه حتى المنصات الإعلامية التي كانت يومًا ما صوتًا للثورة، تحولت إلى أبواق للجيش وللقبلية.. تبرر الاعتقالات، تروّج الروايات الأمنية، وتصف المحاكمات الجائرة بأنها “نصر للعدالة”.. ولا تطرح سؤال: كيف تُعدم فتاة دون دليل؟؟ بل أصبحت تطرح بدلًا عنه: “من أين هي؟”، وكأن الجغرافيا هي التهمة، والقبيلة هي الجريمة..

دولة ٥٦ التي نقاتلها ونُصِر على هدمها لتأسيس وطن عادل لمواطنيه.. كانت ولا زالت تحاكم خصومها لا بالبينة، بل بالإشتباه.. لا بالقانون، بل بمزاج الضابط.. فمنظومتها العدلية النيابة فيها تأمر بالإفراج، لكن الضابط يأمر بالإعدام.. حتى صار النظام القضائي رهينة للاستخبارات، فاقدًا لأي استقلالية أو مصداقية..

إذا كانت الفتيات الأربع يُعاقبن لأنهن من قبائل “يُشتبه” بتأييدها للدعم السريع، فإن هذا يعني أن الجيش لم يعد يقاتل قوات معادية، بل يُقاتل شعبًا بأكمله، وفق تصنيفات قبلية وجهوية.. ولهذا الشعب الحق في مواجهة ظلم التهديد الوجودي بالتمسك بالحياة تحت ظلال المدفع الذي يحمي من حبل المشنقة وسكين الإرهاب..

بطبيعة حال الجيش وتاريخه ومشروعه الموروث دومًا ما كان يحول الحروب إلى مشروع لمعاقبة المجتمعات، ويضع البلاد أمام جريمة تفكيك منظم للنسيج الاجتماعي، يجعل من مستقبل السودان بعد الحرب أكثر ظلمة من الحرب نفسها.. وكل من يصمت اليوم أمام إعدام الفتيات الأربع، وأمثالهن، سيكون شريكًا في استمرار هذا النموذج المرعب من الحكم بالهوية.. وكل من يُبرر أو يسكت على هذه الجرائم، سيتحمل مسؤولية أخلاقية وتاريخية، لن تمحوها أي راية، ولا أي نصر عسكري مزعوم..

وإن توقفت حرب الجيوش اليوم، فلا سلام بدون عدالة، ولا عدالة مع خطاب إبادة، ولا دولة مع محاكمات تنفذها البنادق لا القوانين.. فإن إنقاذ ما تبقى من الوطن يبدأ من هذه النقطة: وقف تجريم المجتمعات، وحماية أرواح الأبرياء من آلة الكراهية القبلية والسياسية..

وما لم يحدث هذا، فإن المشنقة القادمة لن تُفرّق كثيرًا، فقد يأتي دورك، لا لذنب بل لمجرد الانتماء..

وقبل ذلك سنسعى مع آخرين لقطع الحبل الذي يشنق ونهدم المقاصل ونحرق منصات الإعدام بهدم حصن الجريمة داخل الدولة القديمة.. إلى حينها سيعمل الجيش وإعلامه على أنهم هم الدولة ومن ليس معهم (جغرافيا- ثقافة- عرق- لسان) فهو ضدهم.. والقبيلة دليل إدانة..

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى