رأي

محمد الرحال يكتب : سقوط الدعاية التركية في سهول دارفور

لوقت طويل، قدّمت تركيا طائراتها المسيّرة كأيقونة النصر السريع والحرب النظيفة، وروّجت لها كالسلاح الذي يغيّر موازين القوى ويضمن الحسم بلا خسائر.. وبذلك رفعت من سقف طموحاتها التقنية والعسكرية حتى ظنّت أنها بلغت مقام “صناعة النصر”..

كانت البيرقدار، بكل ما تحمله من رمزية، أكثر من مجرد سلاح طائر، بل صارت رمزًا لهيبة عسكرية تركية جديدة، تسوّقها الدولة على أنها اليد الطويلة التي تحسم المعارك من الجو بلا تكلفة بشرية، ولا هزيمة .. فصنعت تركيا لنفسها صورة القائد العالمي في حروب المسيّرات، وروّجت لسلاحها الذي غيّر المعادلات من القوقاز إلى شمال إفريقيا، وفرض نفسه في أسواق السلاح الدولية.. ارتفعت أسهمها، واصطف خلفها طابور طويل من المشترين، وشركات العلاقات العامة التي تتقن إعادة إنتاج الأساطير في هيئة بيانات عسكرية..

لكن سهول دارفور كتبت فصلًا جديدًا في هذه القصة المصنّعة بعناية.. هنا، لم تنفع تلك الدعاية التي صُممت لتبيع أسلحة الموت، ولا تلك الثقة الزائدة بقدرة التكنولوجيا على إخضاع خصم يمتلك العزيمة .

سقطت أكثر من مسيّرة تركية على يد قوات الدعم السريع، بأسلحة بسيطة وعربات خفيفة.. كان الأمر صادمًا لدرجة أن أنقرة نفسها رفضت التصديق، وإتهمت ضباط الجيش السوداني بسوء الاستخدام، وبالعجز عن فهم التقنية الحديثة.. بدا المشهد مهينًا، فكيف لطائرة كانت تحسم معارك بين دول، أن تسقط في رمال دارفور على يد “شتات” كما يسميهم البعض؟ كيف تُهزم هندسة معقدة صُممت لحروب الجيل الخامس على يد مقاتلين يتحركون في عربات دفع رباعي وعلى ظهور خيول أحياناً ؟

لم تكتفِ تركيا بالتبرير، بل أرسلت مهندسيها وخبراءها إلى أرض المعركة، لقيادة الطائرات المسيّرة بأنفسهم، ولترميم صورة صناعتها الحربية.. ولتعيد فرض هيبتها، وأن تبرهن للعالم بأن مسيراتها ما تزال قادرة على كسب المعارك.. لم يكن الأمر فقط محاولة لإثبات الجودة، بل كان رهانًا استثماريًا وسياسيًا وأخلاقيًا: تركيا التي تبيع السلاح للعالم أرادت أن تحقّق نصرًا تسويقيًا جديدًا فوق جثث السودانيين ..

لكن المفارقة أن السقوط تكرّر، وهذه المرة تحت أيدي خبراء المصنع نفسه.. وتحطمت الدعاية التركية على أرض دارفور.. لم يكن الأمر خللًا في الأزرار ولا نقصًا في التدريب.. بل كان ثبات المقاتلين وصبرهم وإبداعهم في صد الهجمات هو الذي كسر هذه “المسلمات” المصنوعة في غرف التسويق الحربي ..

في دارفور، انهارت جدران الخرافة. سقطت “ملكة السماء”، وتهشّمت صورة الطائرة التي كانت تباع على أنها “القاتل الذكي”. ولم تنفعها دعاية إسطنبول، ولا ذكاء مهندسيها.. سقطت في الأرض التي لم تكن تُعطي خصمها فرصة لإعادة الحسابات.. فهذا السقوط لا يخص تركيا وحدها.. بل هو رسالة لكل من يظن أن الحرب تُحسم بالأزرار والكاميرات الحرارية فقط..

في مواجهة الإرادة الشعبية والمقاومة الأرضية، لا مكان لأسطورة السلاح المعصوم ..سقطت الطائرات، لكن ارتفعت الحقيقة: لا شيء فوق الإنسان حين يقاتل لأجل أرضه، حتى لو كانت السماء نفسها ضده..

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى