رأي

محمد الرحال يكتب: «هدنة إنسانية» أم خدعة عسكرية مكشوفة؟

ما يطرحه الجيش السوداني اليوم تحت مسمى «هدنة إنسانية» في الفاشر ليس سوى محاولة واضحة لإعادة تموين قواته المحاصرة تحت غطاء المساعدات، هذه ليست مبادرة إنسانية جادة، بل خطة عسكرية صريحة لتجاوز الحصار وإطالة أمد المواجهات داخل المدينة.

التاريخ القريب يوضح الأسلوب ذاته: في الشهور الأولى للحرب، تم إرسال شاحنات إغاثة من بورتسودان نحو الفاشر، تحمل لافتات المنظمات الإنسانية، لكنها أدخلت معها المسيّرات والذخائر والعتاد الذي مكّن الجيش من التحصن في قلب المدينة.. تلك الشحنات لم تُستخدم لإنقاذ المدنيين بل لتوسيع رقعة الحرب وتأخير سقوط المواقع العسكرية.

اليوم يُعاد السيناريو نفسه.. الجيش يعلن هدنة، لكنه يرفض إخراج المدنيين من مناطق الاشتباك، ويصر على إبقائهم دروعًا بشرية لحماية مواقعه.. في المقابل، قوات الدعم السريع أعلنت أكثر من مرة استعدادها لفتح ممرات آمنة لإخلاء السكان، ودعت المنظمات الدولية للعمل خارج مناطق القتال..

هذه الحقائق تقوّض أي ادعاء عن نوايا إنسانية في هذه الهدنة المعلنة.. إذا كان الهدف حقًا حماية المدنيين، فلماذا منع إجلائهم؟ ولماذا الإصرار على دخول المساعدات عبر خطوط التماس، دون ضمانات أو رقابة مستقلة تمنع تهريب السلاح؟

استخدام الشاحنات الإنسانية لإدخال الإمدادات العسكرية ليس مجرد انتهاك للقانون الدولي، بل جريمة أخلاقية صريحة.. هو توظيف للمعاناة الإنسانية أداة في الحرب، واستغلال لمحنة المدنيين لتحقيق أهداف عسكرية بحتة.

لا يمكن الحديث عن هدنة ذات مصداقية من دون وجود آلية دولية صارمة لتفتيش المساعدات، وفصلها تمامًا عن خطوط الإمداد العسكري.. وأي اتفاق لا يضمن إخلاء المدنيين من مناطق الاشتباك، ويوفر لهم الحماية خارج نطاق القتال، هو في حقيقته مجرد خدعة أخرى..

ما يحدث في الفاشر اليوم ليس خلافًا إنسانيًا على كيفية توزيع المساعدات، إنه صراع واضح بين طرف يريد استمرار الحرب بأي وسيلة، حتى لو كانت على حساب أرواح المدنيين، وطرف يطالب بخروجهم إلى الأمان..

على المجتمع الدولي والمنظمات الإنسانية أن يعلنوا موقفًا واضحًا.. التواطؤ بالصمت، أو التعامل بحياد زائف، يعني المشاركة في إطالة الحرب وتغطية جريمة استخدام المساعدات كسلاح..

فما يحدث الآن هو محاولة مكشوفة لاستغلال المعاناة الإنسانية كوسيلة لإنقاذ مشروع سياسي وعسكري يتآكل.. وإذا لم يكن هناك ضمان دولي كامل لمراقبة حركة الشاحنات وتفتيشها وإبعادها عن خطوط التماس، فلن تكون الهدنة التي يتحدث عنها قائد الجيش سوى “حصان طروادة” جديد، يمرر السلاح تحت غطاء المساعدات..

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى