رأي

محمد صالح البشر تريكو يكتب : مرمطة الجيش على أيدي قادته

كثيراً ما سخرت قيادة الجيش من عناصر قوات الدعم لكونها لم تتلقَّ أي تدريب عسكري في معسكر لتعلُّم العسكرية، في حين إن عصارة إنتاج المدرِّب تعليمك صفًّا وانتباهًا، وكيف تمشي (معتدل مارش).

لو في قيادة الجيش رجل رشيد، لكان أدرك أن العسكرية القديمة لا تفيد المقاتل، أو لم يتعبوا في تدريب المستنفرين شهورًا يعلمونهم صفًّا وانتباهًا واستخدام الساتر؛ لأن صفًّا وانتباهًا لم يفد الجنرالات الكبار، فكيف يفيد الصبايا من فتيات جهاد النكاح؟ بالمقابل، يرى أصغر جندي في قوات الدعم السريع أن استخدام الساتر هو الخوف بنفسه، والانسحاب هو اسم الدلع لـ(الفزيز). روى الشهيد موسى جادين، عليه الرحمة والمغفرة، للكاتب حكاية حدثت في الكلية الحربية عندما قال مدربها لتلاميذه -معظمهم دعامة كانوا في دورة تدريبية متقدمة-: إذا تعرض أحد طاقم المدفع إلى الإصابة، فعلى زملائه الانسحاب. عندها انتفض كل المجندين احتجاجًا على تعليمهم الخوف. لم تخمد ثورتهم إلا بعد اتفاق أن يدربوهم على فك وتركيب واستخدام الأسلحة الثقيلة فقط، دون التطرق للانسحابات ومعتدل مارش.

كثير من قوات الدعم السريع في وقت سابق شاركوا في القتال في صف الجيش تحت مسميات عدة، نذكر منها (دفاع شعبي، شرطة ظاعنة، وشرطة شعبية) في حروب الجنوب وحروب دارفور. من واقع المعرفة للجيش، تنامت الحُقرة في ذهنية أي عنصر منهم، لكون ضباط الصف يعيشون في وضع مادي يقارب مستوى الفقر المدقع، بينما يعيش الضباط في وضع مادي يقارب البرجوازية. في المعركة، يُقاد عناصر الجيش إلى ساحتها مرغمين، بعد الطلقة الأولى ينسحبون بدافع تقدير ظرفي للمعركة.

حماس الجندي للقتال ضعيف، لا يمكن أن يضحي بنفسه مقابل مرتب لا يكفي إعاشة أسرته لمدة أسبوع.

للقوانين الصارمة في المرتب الحربي الذي يُمنح للجندي، لا يستطيع استخدام الذخيرة لكي يتعلم القنص، فنجد مائة من عناصر الجيش لا يستطيعون إصابة هدف بحجم الفيل، فيما مائة من الدعامة باستطاعتهم إصابة الهدف بدقة متناهية مهما صغر حجمه.

لكل ما سبق، عزف الشباب لسنوات عن الانضمام إلى معسكرات الجيش التي يُعلن عنها في كل مدينة. بعد ما نشبت الحرب، لوحظ أن عناصر الجيش أعمارهم متقدمة، بالمقابل، أعمار قوات الدعم السريع في سن الشباب، تؤهلهم على الحركة بسرعة أكثر، بمقدور أربعة منهم امتطاء دراجة نارية (موتر)، فيما تعجز الدراجة ذاتها عن الحركة إذا ركبها حضرة صول ذو كرش.

تلك الحقائق كانت غائبة عن قادة الجيش، بدليل حديثهم المتكرر عن استطاعتهم هزيمة قوات الدعم السريع في أربع ساعات فقط. بالقراءة الخاطئة للواقع، دخلوا في حرب وضعت جيشهم في مرمطة أمام الدعم السريع.

انتصر الدعم السريع في كل المعارك التي دارت في صباح يوم السبت 15 أبريل 2023م، بل سيق ضباط بجميع الرتب كالقطيع أمام عدد قليل من الدعم السريع، مرددين، أي الضباط، «باع باع» في وضع مخزٍ.

علاوة على ما سبق، مارست قوات الدعم السريع سخرية لاذعة للجيش، بدءًا من مسمى «أبلدة» و«دمع مزايدة»، في النبز بقولهم: «أبلدة أم القاش، اليد في الكوجا والعين في الفراش»، أي أثناء تناول الوجبة يفكر في الرقاد.

الحقيقة، هنالك اختلاف كبير بين القوتين، نجد الدعامي ذا قوام رشيق وصحة في البدن، لا يعاني من زيادة وزن أو مرض مزمن (ضغط أو سكري)، حسب إفادة طبيب للكاتب.

يمتاز عناصر الدعم السريع بحماس منقطع النظير للقتال. ففي أيام معارك نيالا حول السيطرة على الفرقة 16 مشاة، وقفت على عساكر وضباط دعم سريع مصابين، مع إصابتهم يشاركون في المعركة يوميًا. من هؤلاء أحد معارفي، أُصيب قبل أسبوع بكسر في اليد لم يتعالج منه تمامًا، ليصاب بعد أسبوع من ذلك بطلقة أصابت جزءًا كبيرًا من أذنه. بروح معنوية عالية، شارك في معركة تحرير الفرقة 16 مشاة بنيالا في العام 2024، بينما يتمنى عناصر الجيش أدنى إصابة تمكنه من مغادرة ساحة الوغى، لذلك يخشى قادة الجيش من هروب جنودهم حال استخراجهم من معسكر القيادة المحاط بسور والمحروس.

إذا انتهت هذه الحرب، فستكون هنالك مشكلة كبيرة في ترغيب الشباب في الانضمام إلى القوات المسلحة، لما انطبع على أذهان الناس من سخريات، وخاصة وسط القبائل التي تعتبر الرافد الأول للجيش بالرجال في كردفان ودارفور، فما من شخص يتمنى أن ينضم إلى مؤسسة تعرضت لإذلال وإهانة مثل هذا الجيش.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى