تحقيق : الجماهير
منذ اندلاع الحرب السودانية بين قوات الدعم السريع والجيش في أبريل 2023م، لجأ الأخير إلى استخدام مليشيات محلية ومرتزقة من دول أجنبية لترجيح كفته في الصراع الجاري حتى اليوم، وقد استعان الجيش بمرتزقة من قوات جبهة تحرير شعب تغراي الإثيوبية للمشاركة معه في الحرب الجارية.
سياق دخول التقراي في السودان
منذ اندلاع الحرب في إثيوبيا بين الحكومة المركزية وقوات جبهة تحرير شعب تغراي في نوفمبر 2020م، لجأ أكثر من 60 ألف شخص من إثيوبيا إلى السودان، وتركزت مخيمات اللاجئين في ولايات القضارف وكسلا والنيل الأزرق. كما دخلت البلاد فصائل مسلحة مثل «الجيش 70»، وهو فصيل يتبع لقوات الجبهة.
اتهامات وأدلة على الأرض
في 29 أبريل 2026م، قال تحالف السودان التأسيسي، في بيان صادر عن الناطق الرسمي باسمه، إن قواتهم اعتقلت أسرى يتبعون لمرتزقة من (التغراي) تقاتل في صفوف الجيش، وما سماه بـ«الجماعات الإرهابية التي تقاتل معه».
في هذا السياق، يأتي هذا التقرير للتحقق من صحة الادعاءات التي صدرت عن تحالف السودان التأسيسي ووزارة الخارجية الإثيوبية، القائلة باستعانة الجيش السوداني بـ(مرتزقة) من جبهة تحرير شعب تيغراي. قمنا بإجراء بحث في المصادر المفتوحة، تتبعنا فيه خارطة النزاع والسيطرة بين الطرفين في ولايات (سنار، الجزيرة، القضارف، النيل الأزرق). تحصلنا على مقاطع فيديو وصور منشورة، وقمنا بالتحقق من الصور والفيديوهات، كما تواصل فريقنا مع مصادر من الأرض، واستمعنا إلى إفادات من شهود عيان، وتوصلنا إلى نتائج تؤكد صحة مشاركة مرتزقة من التغراي في الحرب السودانية لصالح الجيش السوداني.
وسط السودان ميدان المشاركة الأولى لمرتزقة التغراي
في 17 ديسمبر 2023م، سيطرت قوات الدعم السريع على ولاية الجزيرة وعاصمتها ود مدني، وفي يوليو 2024م، توسعت رقعة السيطرة لتشمل ولاية سنار وعاصمتها سنجة، وامتدت مساحة سيطرتها حتى تخوم ولايتي القضارف والنيل الأزرق.
في نوفمبر 2024م، أعلن الجيش استعادة السيطرة على مدينة «سنجة»، وفي أكتوبر من العام نفسه استعاد الجيش السيطرة على منطقة جبل موية، ومحلية الدندر وكافة أراضي ولاية سنار. وفي يناير 2025م، استعاد الجيش السيطرة على ولاية الجزيرة وعاصمتها ود مدني، ليعلن في مايو 2025م استعادة السيطرة على كامل ولاية الخرطوم، ليكون بذلك قد استعاد سيطرته على معظم أراضي وسط السودان. وخلال تتبع الصراع في هذه الفترات، تحصل فريقنا على مقاطع فيديو منشورة على وسائل التواصل الاجتماعي تؤكد استعانة الجيش بمرتزقة من قوات جبهة تحرير تغراي الإثيوبية للقتال في صفوفه.
الفاو محطة أولى
بعد اشتداد القتال في الخرطوم، نزحت أنا وأسرتي إلى ولاية القضارف، محلية الفاو، وقد ذهبنا هناك بحكم وجود أقارب لنا في المنطقة، وكذلك لأن الجامعة أعلنت أنها ستقيم الامتحانات في مركز بمباني جامعة الجزيرة. كان ذلك في أغسطس 2023م، أي قبل سيطرة قوات الدعم السريع على الولاية. وبعد أن سيطرت الأخيرة، امتد نطاق العمليات إلى تخوم محلية الفاو، وكانت المنطقة بمثابة مقدمة لقوات الجيش. توقف التعليم، ولا توجد فرص عمل. كنت في ذلك الوقت أقضي معظم وقتي مع الوالد، حيث أصحبه بالسيارة إلى مكان عمله وأنتظره حتى ينتهي لنعود إلى المنزل.
وفي أحد الأيام، طلب مني أن نزور قريبًا لنا في منطقة تقع بالقرب من مدينة الفاو. وفي طريق ذهابنا، كنا نمر بارتكازات القوات المسلحة والقوات المساندة لها، وفي إحدى الارتكازات أوقفنا جنود لا يجيدون التحدث باللهجة السودانية بطلاقة، وتشبه ملامحهم «الحبش». قال لي والدي: هؤلاء من التغري يقاتلون مع الجيش. وفي وقت لاحق، داخل سوق مدينة الفاو، وجدت ثلاثة جنود يتحدثون لغة (أجنبية)، جاءوا للتبضع وشرب القهوة. تحدثنا معهم باللغة العربية، فقالوا لنا: نحن من التغري وشغالين مع الجيش. هكذا أفاد عمر أبكر (اسم مستعار).
الدندر محطة ثانية
بعد أن استعاد الجيش والمليشيات المتحالفة معه محلية الدندر التابعة لولاية سنار، قامت قواته ومليشيات مناصرة له بعمليات تهجير لسكان من قرى غرب الدندر، متهمة إياهم بالولاء لقوات الدعم السريع والتعاون معها.
يقول عبدالله محمد (اسم مستعار) إنه وأثنين من زملائه من أهل قريته التي تقع بالقرب من محلية الدندر، كانوا في (الوادي) يرعون ماشيتهم، وسمعوا أصوات إطلاق نار كثيف باتجاه القرية. كان ذلك في مساء 25 أكتوبر 2024م، ويضيف: «بعد أن اشتد صوت الرصاص، ركضنا هاربين دون وجهة محددة، وكان الرصاص نتيجة الهجوم الذي شنه الجيش السوداني والمليشيات التي تقاتل معه على القرية، وقد ركضنا عدة ساعات محاولين النجاة، ثم بعد ذلك وجدنا مجموعة من الجنود يتمركزون بالقرب من نهر الدندر، كان معهم حوالي 7 سيارات دفع رباعي مسلحة، يرتدون زي القوات المسلحة السودانية. أوقفونا من بعيد و”عمرو فينا السلاح”، وقال أحدهم بصوت عالٍ: أثبت. حينها توقفنا وتقدم باتجاهنا أحد الجنود، وقال لي بلهجة (مكسرة): أنتو منو؟ وماشين وين؟ وتابعين الجيش ولا دعم سريع؟ أجبته: نحن مواطنون رعاة من قرية الوادي الكبير (اسم مستعار)، حدثت اشتباكات في قريتنا ونحن ذاهبون إلى مدينة الدندر».
وأضاف عبدالله أن الجنود أنزلوا سلاحهم وقالوا لنا: تعالوا. وبعد أن وصلنا إلى ارتكازهم، علمنا أنهم «حبش» (إثيوبيون). قال لنا الرجل الذي قدم لنا الماء: «نحن إخوانكم من التغري، ما تخافوا». شربنا، ثم تركونا وقالوا: اذهبوا من هذا الاتجاه.
وبالعودة إلى تاريخ سابق، تحصلنا على مقاطع فيديو نشرتها قوات الدعم السريع على منصتها الرسمية على تليجرام، تظهر قبض القوات على أسرى من مجموعات التغري ترتدي زي الجيش السوداني وتقاتل في صفوفه.
الدعم السريع تقبض على مرتزقة تغراي في الدندر (فيديو).
مشاركة مرتزقة التقراي في معارك ولاية الجزيرة
في ولاية الجزيرة، لم تقتصر مشاركة (مرتزقة) التقراي على المعارك وحسب، بل كانوا يقيمون نقاط تفتيش، ويتاجرون، كما منحهم الجيش مقر كلية جامعية لاستخدامه ثكنات عسكرية.
بالبحث في المصادر المفتوحة، توصل فريقنا إلى مقطع فيديو نشره ناشطون على فيسبوك، يظهر في الفيديو تسعة أشخاص يرتدون زي الجيش السوداني، بينهم أشخاص من مرتزقة (التيغراي) وضابط بالجيش السوداني يبدو أنه يتحدث إلى مجموعة من المواطنين. استمعنا إلى حديث الضابط، يقول: «نطمن الشعب السوداني وأهل الجزيرة، نقول لهم تعالوا راجعين، القوات المسلحة موجودة، وإخواننا من دول الجوار التقراي الآن جوا – من داخل – الجزيرة».
قمنا بالتحقق من مقطع الفيديو، حيث إن أقدم تاريخ نشر توصلنا إليه كان في 15 يناير 2025م، أي بعد خمسة أيام من استعادة الجيش السيطرة على ولاية الجزيرة.
رغم أن مقطع الفيديو لا يظهر معالم واضحة لتحديد موقعه بدقة، ومع ذلك، تحققنا من أن الفيديو والصوت سليمان، ولم يتم تركيبهما أو التلاعب بهما.
وعبر تعمقنا في البحث أكثر، قمنا بمقارنة تاريخ نشر الفيديو مع تاريخ استعادة الجيش لولاية الجزيرة، وتوصلنا إلى أن أقدم تاريخ نشر للفيديو كان في 15 يناير 2025م، أي بعد خمسة أيام من استعادة الجيش لمدينة ود مدني.
النيل الأزرق
أما في إقليم النيل الأزرق، الذي لا تزال المعارك جارية فيه بين الطرفين، فتحصل فريقنا على مقاطع فيديو نشرها ناشطون على وسائل التواصل الاجتماعي، تظهر أسرى ينتمون إلى مجموعات التغري يرتدون زي الجيش، وكانوا يقاتلون معه في الجبهة المشتعلة. وقال الإعلامي الحربي «الصديق الرجبابي» إن قوات تحالف السودان التأسيسي أسرت مجموعة من المرتزقة من جبهة تحرير تغراي تقاتل في صفوف الجيش.
كما تواصل فريقنا مع مصادر محلية من المنطقة، وأكدوا مشاهدتهم لمقاتلين إثيوبيين يقاتلون لصالح الجيش السوداني. وقالت (أم الخير)، اسم مستعار، إنها كانت تسكن في منطقة الكرمك، وفي اليوم الذي دخل فيه الجيش إلى هذه المنطقة، قبل أن تستعيدها قوات تأسيس لاحقًا، رأت مقاتلين إثيوبيين في صفوف الجيش، وأردفت: «أنا ما عارفة هم تغراي أو لا، لكنهم حبش». وأكد مصدر عسكري في قوات تأسيس أنهم أسروا مجموعة من مقاتلين ينتمون إلى جبهة تحرير تغراي كانوا يقاتلون في صفوف الجيش السوداني.
الجيش 70: تدريبات ودعم لوجستي
بالمزيد من البحث، تحصل فريقنا على مقطع فيديو تم نشره بتاريخ 13 أبريل 2026م، يظهر تخريج مجموعة من قوات جبهة تحرير شعب تقراي، أو ما يعرف بـ(الجيش 70)، وهو فصيل يتبع لقوات الجبهة. وعبر مطابقة المعالم الظاهرة في المقطع مع صور الأقمار الصناعية، توصلنا إلى أن الموقع الذي تم تصوير الفيديو منه يقع داخل الحدود السودانية في ولاية القضارف، منطقة (بركات). وبالبحث في المنطقة، توصلنا إلى أنها معسكر اللاجئين الإثيوبيين في السودان. موقع تصوير الفيديو: «14.15012, 36.47839».
وبمزيد من البحث، توصلنا إلى تقارير إعلامية أفادت بأن السودان استضاف معسكرات تدريب للجيش 70، ووفر السلاح والعتاد للأخير، كما أن دولتي مصر وإريتريا قدمتا الدعم لهذا الجيش. وذهبت التقارير إلى أن الجيش استعان بهؤلاء المقاتلين في الحرب الجارية بينه وقوات تأسيس، وأنه استعان بهؤلاء المقاتلين لنقص عنصر المشاة عنده، مستندًا إلى سياسته القديمة في حروب الوكالة عبر استخدام المليشيات المحلية والمرتزقة الأجانب.
مخالفة القوانين الإقليمية
على الرغم من أن السودان مُلزم باتفاقية القضاء على المرتزقة في أفريقيا (التي اعتمدتها منظمة الوحدة الأفريقية سابقًا، الاتحاد الأفريقي حاليًا)، وهي اتفاقية إقليمية تُجرّم الارتزاق وتعتبره جريمة ضد أمن الدولة، فإن الجيش استخدم المرتزقة الأجانب في الحرب الجارية.
الخلاصة
استنادًا إلى الأدلة وبيانات المصادر المفتوحة التي توصل إليها فريقنا، والشهادات التي تحصلنا عليها من مصادر محلية مدنية وعسكرية، وبالبحث في التقارير الصحفية المنشورة، توصلنا إلى أن الجيش السوداني استعان بمرتزقة من قوات جبهة تحرير شعب تغراي الإثيوبية للقتال في صفوفه خلال الحرب الجارية في السودان بينه وقوات تحالف تأسيس منذ أبريل 2023م.





