تقارير وتحقيقات

هل يَخرُجُ منها، تاج السر الحبر: “رجــلٌ في عـين العاصـفة”

تقرير:  سفيان نورين

استجابة لوساطاتٍ عديدة، أعلن نادي أعضاء النيابة العامة، يوم الأحد، عن ما أسماها هدنة مع النائب العام، مولانا تاج السر الحبر، وأوضح في بيانٍ أن تنفيذ الهدنة يأتي استجابة لمبادرة الأخوة بنادي القضاة وقادة النيابة العامة، وليس ارتدادًا عن الأهداف المُعلن عنها.

مؤتمر صحفي لنادي اعضاء النيابة العامة – ارشيف

وأعلن النادي رفع الإضراب مؤقتًا، لكنه ترك ميدان المعركة مفتوحًا، وذلك بتهديده بالعودة مُجدَّدًا للتصعيد حال تمَّت محاولات للالتفاف أو إقصاء أعضائه، مؤكّدًا استعداده لجميع الاحتمالات.

الحبر والعواصف

منذ لحظة أدائه القسم في الثالث عشر من أكتوبر، العام الماضي، نائبًا عامًّا للسودان، بات مولانا  تاج السر علي الحبر، على مرمى منتقديه، لكن حمى تلك الانتقادات ظلَّت تستعرُ على نحوٍ متسارعٍ، حتى بلغت بعد عامٍ على حلول الرجل بالمنصب، اتهامه بالضعف والفساد، بل والمطالبة بإقالته. ولم تقتصر تلك الاتهامات على الوجه العام أو السياسي، ولكنها ارتدت ثوب القانون، فهو الآن في مواجهة نادي النيابة العامة، وجمعية محامين ضدَّ التمييز، وقانونيين آخرين، ما يفتح الباب أمام كثير من التساؤلات الموضوعية.

تسييس العدالة

حالة الصراع والجدل القانوني التي يواجهها النائب العام لجمهورية السودان، تاج السر الحبر، لم تقتصر على أعضاء نادي النيابة العامة، وجمعية محاميين ضدَّ التمييز من جهة، ولكن شملت كذلك هيئة الدفاع عن متهمي حزب المؤتمر الشعبي، في انقلاب 89 من جهة أخرى، وتتهم تلك المكونات الحبر، بتسييس العدالة وارتكاب عددٍ من المخالفات والتجاوزات القانونية. وتفاقمت حِدَّةُ الصراع لحَدٍّ دفع أعضاءُ نادي النيابة العامة، بمذكرة إلى مجلس السيادة، تُطالب بإقالة النائب العام من منصبه، لما أسمته عجزه عن تحقيق العدالة.

أبو بكر عبد الرازق- رئيس هيئة الدفاع عن متهمي المؤتمر الشعبي في انقلاب 1989

الصراع بين نادي النيابة العامة، والنائب العام برز في يونيو الماضي، بتعيين الأخير، المحامي مأمون فاروق، في منصب مساعد أول للنائب العام، الأمر الذي أغضب أعضاء نادي النيابة العامة، وفَجَّر بركان الخلافات لجهة تعيين شخصٍ خارج دائرة النيابة العامة، واتهم أعضاء النادي النائب العام بتسييس العدالة والنكوص عن وعوده بتعيين مساعدٍ له من داخل النيابة العامة.

مُطالبة بالإقالة

وتوسَّعت رقعة الخلافات بين أعضاء النيابة العامة، بصورة متسارعة خلال الأيام الفائتة، بدخول رؤساء ووكلاء نياباتٍ في العاصمة والولايات في إضراب عن العمل دعت له النيابة العامة. فيما بلغت الصراعات ذروتها بدفع أعضاء المكتب التنفيذي لنادي النيابة العامة، بمذكرةٍ لمجلس السيادة طالبت بإقالة النائب العام، متهمةً إيَّاه بارتكاب مخالفاتٍ وتجاوزاتٍ في كثير من ملفات البلاغات، إلى جانب تدخله في عمل لجنة التحقيق.

قلَّة خبرة

بالمقابل، كانت ردة فعل النائب العام بتكوين لجنة محاسبة لعددٍ من أعضاء نادي النيابة، مُحذرًا من الاستمرار في العمل غير المؤسسي ومحاولة تنظيم العمل كتنظيم سياسي، مطالبًا أعضاء النادي بتحمل وزر تصرفاتهم. ونوَّه إلى أنَّ أعضاء النادي من تعيينات العام 2014، مما يعكس قلَّة الخبرة لديهم، مؤكّدًا أنَّه يترفع عن مجاراتهم في “الأسافير”، نافيًا مزاعم الخروقات التي اُتُهم بارتكابها، ومن بينها إطلاق متهم متورط في قضايا فساد وتضارب المصالح.

 هل يَخرُجُ منها، تاج السر الحبر: "رجــلٌ في عـين العاصـفة".
النائب العام السوداني – تاج السر الحبر

تصعيد قانوني

إلى ذلك، اصطدم النائب العام منذ تقديمه خُطبة الدفاع أمام محكمة مدبري انقلاب 1989، بموجة جديدة من التجاذبات مع هيئة الدفاع عن منسوبي حزب المؤتمر الشعبي، المتهمين في القضية؛ ووصفته الهيئة بغير المؤهل لهذا المنصب وأنَّه يُمارس العمل السياسي داخل محكمة مرتكبي الانقلاب، بدلًا من تقديم ترافعٍ قانوني.

وأعلنت الهيئة في مؤتمر صحفي عقدته حينها استنفار جميع قواعد الحزب في اتجاه التصعيد القانوني والإعلامي، ضدَّ المحكمة والنائب العام بمشاركة عشرات محامي الحزب الضلعين في العمل القانوني والعدلي.

منعطف آخر

وفي منعطف آخر، لما يواجهه الحبر، قالت لجنة وساطة من جمعية محامين ضدَّ التمييز والفساد، في نوفمبر الماضي، إنّ النائب العام تاج السر علي الحبر، أقرَّ بكل الاتهامات التي وردت في مذكرةٍ وجّهها له نادي أعضاء النيابة، بحقه والمتعلقة بتجاوزاتٍ ومخالفاتٍ في كثير من ملفات البلاغات.

لكن لم تمضي على تصريحات اللجنة سوى ساعاتٍ حتى أصدر النائب العام بيانًا في الأول من ديسمبر الحالي،  قال فيه إنَّ محاميين ضدَّ التمييز، ليست جهة منوط بها أخذ الإقرارات والتحقيق مع النائب العام أو وكلاء النيابة أو أية جهة رسمية، مبينًا أنَّه رفض تدخل هذه الجمعية في شئون النيابة العامة، مؤكّدًا أنَّ ما يدور من تصريحات هذه المجموعة عارٍ من الصحة، وأنَّه قد اتخذ إجراءاتٍ قانونية ضدَّ المجموعة.

صراع تيارات

بحسب المحامي البارز د. علي أحمد السيد، فإنَّه يصعب معرفة الحقيقة التامَّة للصراع الدائر بين النائب العام تاج السر الحبر من جهة، وأعضاء نادي النيابة وجمعية محاميين ضدَّ التمييز، من جهة أخرى، لجهة وجود جهاتٍ تشير إلى أنَّ أعضاء النادي من بقايا رموز النظام البائد، ويسعون لإبعاد النائب العام من منصبه، بينما تيار آخر – حسب السيد – يرى أنَّهم عناصر شيوعية، تُطالب أن يكون منصب النائب العام لقيادات الحزب.

هل يَخرُجُ منها، تاج السر الحبر: "رجــلٌ في عـين العاصـفة".
د. على السيد – قانوني سوداني

بيد أنَّ علي السيد، عاد وقال في حديثه لـ(الجماهير)، إنَّ أساس الصراع هو مطالب أعضاء نادي النيابة العامة، أن يكون منصب النائب العام من بين عضويتهم، وأنَّه جيء به للمنصب من خارج منظومة النيابة العامة، لافتًا إلى عصبيةٍ مهنية بين الأجهزة العدلية، بالتمسك بتعيين أشخاصها في المناصب. وزاد “كل طرفٍ منها يرى أنَّه أفضل من الآخر، لكنَّه من المفترض اتباع التراتيبية الوظيفية”.

إفساح المجال

ومضى السيد مشددًّا: “كان على النائب العام تاج السر الحبر، التنازل عن منصبه ويفسح المجال لغيره”، مؤكّدًا أنَّ المذكرة التي قدمها أعضاء نادي النيابة العامة، فيها تجاوزٌ للنائب العام. إلَّا أنَّه أقرَّ بقانونية مجلس السيادة الانتقالي في إقالة النائب العام.

تحريك الدعاوى

ويمثل النائب العام أو المدعي العام رأس الهرم في جهاز النيابة العامة، التي هي شُعبة من شعب القضاء أو السلطة التنفيذية حسب الدولة، وهذا الجهاز عادةً يتكون من محاميين عموميين ورؤساء نيابة ومساعدين ومعاونين، يُمارس جميعهم وظائف تتعلق بتحريك الدعاوى.

ضعف مقدرات

هل يَخرُجُ منها، تاج السر الحبر: "رجــلٌ في عـين العاصـفة".
د. شيخ الدين شدو – استاذ جامعي وخبير قانوني

أما الخبير القانوني د. شيخ الدين شدو، فأرجع جميع الصراعات التى يواجهها النائب العام، سواء داخل النيابة أو خارجها، إلى ضعف مقدراته وشخصيته، مؤكّدًا أنَّه لا يعرف له داخل المجال القانوني تاريخ نضاليأ ليتقلد المنصب من قبل حكومة الثورة، بينما الذين رُشحوا كانوا أكثر كفاءة وإرث نضالي مشهود. على حدِّ قوله.

سيرة الحبر

ولد النائب العام تاج السر الحبر، العام 1948 في قرية الخليلة شمال بحري، وتخرج في جامعة الخرطوم، بمرتبة الشرف الثانية، والتحق بديوان النائب العام، ثم عمل في مجلس النيابة العامة ولجنة القوانين، وانتقل للمحاماة في مكتبي المحامي عبد الحليم الطاهر، وفوزي التوم، ليؤسس بعدها مكتبه الخاص. وكان من ضمن الذين عملوا بنقابة المحامين، إبَّان انتفاضة أبريل التي أطاحت بجعفر نميري.

اخفاقات الحكومة

واعتبر شدو، في حديثه لـ(الجماهير)، تجاوزات النائب العام وفشله في إدارة ملفات محاكمات رموز النظام البائد، وأحداث فضّ الاعتصام (شكلت له لجنة مستقلة) وعددٍ من القضايا الأخرى، نتيجة لحالة الفشل والإخفاقات العامة لحكومة الفترة الانتقالية، مطالبًا النائب العام باتخاذ إجراءات قانونية تجاه أعضاء نادي النيابة حال إثبات بطلان اتهامه.

خلاف سياسي

بدوره، عدَّ المحامي وأستاذ القانون الدستوري الصادق حسن الدابي، كل الصراعات التي تدور حول النائب تاج السر الحبر، خلافًا سياسيًّا لا صلة له بالشأن القانوني والعدلي، منوّها أنَّ سبب خلافات جمعية محاميين ضد التميز والفساد، هو شعورهم أنَّ النيابة العامة، أصبحت “درقة” للتجاوزات وتمرير بعض القضايا، في ظلّ التغيير وحكومة الثورة التي من أهم أولوياتها تحقيق العدالة، أحد شعارات الثورة.

وتابع الدابي، في حديثه لـ(الجماهير)، “هذا صراع سياسي ذو طابعٍ قانوني، وما تم من تجاذبات بين النائب العام وهيئة الدفاع عن مرتكبي انقلاب 89،  محاولة من الأخيرة التقليل من شأن النائب تاج السر الحبر، أمام الرأي العام، والطعن في مهنيته. مؤكّدًا أنَّ هذه الهيئة تُمارس دفوعاتٍ سياسية لكسب عاطفة الشارع السوداني، وليس تقديم مرافعاتٍ قانونية تتعلَّق بسير المحكمة.

هل يَخرُجُ منها، تاج السر الحبر: "رجــلٌ في عـين العاصـفة".
مباني المحكمة الدستورية

اختصاص الدستورية

وتوقع الدابي، إصدار قراراتٍ من شأنها أن تجمّد الصراع الدائر في أروقة النيابة العامة، واستبعد أن تشمل القرارات اعفاء النائب العام من منصبه، لافتًا إلى أنَّه من أكبر الأخطاء التي دفعت أعضاء نادي النيابة العامة، تقديم مذكرةٍ لعضو مجلس السيادة محمد حسن التعايشي، هو غياب المحكمة الدستورية، التي من اختصاصها الفصل في هذه القرارات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى