الخرطوم – رؤى الأنصاري
السابع عشر من يناير، يومٌ ليس كغيره، ارتبط في الذاكرة الوجدانية السودانية بحدثين مفجعين، حفظتها ذاكرة التاريخ في خانة الألم والفقد. حدثان عاديان في منظور الموت والغياب، لكنهما لا يشبهان غيرهما في منظور المحبة والانتماء: الحدث الأول هو وفاة الفنان مصطفى سيد أحمد في العام 1997م، والثاني وفاة الفنان محمود عبد العزيز في العام 2013م. وكأنَّها الأيام اتفقت أن تغيبهما في ذات اليوم مع اختلاف السنين، في ترجمة لارتباط الإبداع، وارتباط المحبة، وارتباط الوفاء، وارتباط صدق الانتماء، وارتباط الغياب.
الهم الواحد
ربما لم يقف ذاك الارتباط في حدود الإبداع، وإنما امتد ليشمل ارتباط الهم وارتباط عشق الأرض، هم حملاه في رحلتهما القصيرة والعامرة بحب الناس. هم أن تكون البلاد آمنة سخاء رخاء، وأن يحيا إنسانها بخير. فمصطفى ومحمود غنيا للبلاد والإنسان، غنيا للسلم والمحبة، غنيا للنضال، وغنيا للحبيبة في رمزيتها وفِي حقيقتها. حوى رصيدهما مجموعة من الأغنيات الراسخة والخالدة. تمثلت غالبيتها عند مصطفى سيد أحمد بأغنيات وطنية، مثلت نضالاً ضد أنظمة الحكم والديكتاتوريات. فغنى لشعراء كبار عرفوا بمناهضتهم لذات الأنظمة منهم: حميد، والقدال، وأزهري محمد علي … الخ. وغنى محمود للوحدة والسلام والمحبة، وفِي كل رسالة إنسانية.
تشابه الأقدار
حتى المعاناة لم تختلف عندهما، إذ صارعا المرض طويلاً، ودارت بينهما المعارك في سبيل البقاء. وكانا في كل مرة ينتصران عليه ويعودان يُغنيان للناس برغم الألم، ولكنها رسالة المحبة، لابد من تبليغها. بدأ مصطفى صراعه مع المرض، ورحلة الاستشفاء بين الخرطوم والدوحة، التي كان يقيم في الحفلات بصورة راتبة أثناء العلاج، ويتصل بجمهوره هناك. ولكن القدر قال كلمته بوفاته فيها، في السابع عشر من يناير 1997م. وبدأ محمود ذات الصراع، إلا أنه كان يخفيه ويغني، ولكن الوهن والتعب كانا ظاهرين عليه في الفترة الأخيرة، والتي بدأ فيها طلب العلاج في الخرطوم، ثم غادرإلى الأردن مستشفياً، وشاء ذات القدر أن يرحل إلى دار البقاء فيها في السابع عشر من يناير 2013م.
قاعدة جماهيرية
حوى رصيدها قاعدة جماهيرية عريضة، في شتى أنحاء الوطن.
ظلوا مرابطين في ساحات مطار الخرطوم على امتدادها لساعات طويل، في انتظار جثامينهما، باختلاف أعوام وفاتهما. لكنها ذات اللوحة، وكأنها رسمت بريشة فنان واحد. ذات الحشد الذي استقبل جثمان مصطفى سيد أحمد، وسار معه حتى مسقط رأسه (ود سلفاب) حيث وري جثمانه. وذات الحشد والمشهد المهيب كان في وداع محبوبهم محمود عبد العزيز حتى وري جثمانه بمقابر الصبابي في بحري. تزامن واتفاق مشهد أو تكرار أوجه الفقد، ذات الارتباط الوثيق بين مكونات الإبداع وصلة رحم بين أرواح اتفق عليها حب الناس.وارتباط الأذهان برمزين مهمين ظلا يشكلان الوجدان والذائقة السودانية.
زر الذهاب إلى الأعلى