البلد ما بلدنا… البلد بلد منو؟”
هكذا تصرخ الفاشر، عروس دارفور التي تئن تحت وطأة الألم والمعاناة، بعد أن مزقتها سكاكين السياسة، وداستها أقدام المتحاربين بلا رحمة. كتائب هنا وهناك… أسماء تتغيّر، لكن الموت واحد، والحصار واحد، والوجع لا يتجزأ.
الفاشر اليوم ليست ساحة معركة، بل لوحة من وجع الوطن….
بين “البراءون” وممارسات الجيش وكتائب المشتركة، يقف المواطن حائرًا، ممنوعًا من المغادرة، محاصرًا بالجوع والخوف، بينما “الدعامة” يمدون يد العون للمحتاجين… والناس، كما يقول المثل: “الزول البختّك في الضلمة ما بخاف عليك من العقرب”. فهل أصبح أهل الفاشر وقودًا لصراع من لا يخشون الله ولا يعرفون الرحمة؟
الفتنة الكبرى، كما صوّرها إعلام “الطرف الثالث”، جعلت من الفاشر عدوًا وهميًا، وزرعت داخل النفوس شكًا وخوفًا، في مخطط “فرّق تسد” القديم الجديد. تغييب الوعي، وخلط الحق بالباطل، هو سلاح النخبة التي عجزت عن بناء وطن، فأشعلت النار لتحكم من تحت الرماد… وبان للناس أن الحرب لم تكن كرامة… بل كراسي.
وعامان من التيه والضياع، وبلادنا تموت واقفة. يقول المثل: “الفي قلبو رحمة ما بضرب أم ضناها بالنار”، فكيف نصدق أن هؤلاء يقاتلون من أجل الوطن، وأمهات الفاشر يدفنّ أبناءهن في صمت؟!
اليوم… لا مخرج إلا بالسلام، ولا خيار إلا بالحوار.
لابد من دعوة صريحة لوضع حد لهذه الحرب المجنونة. على القوى السياسية – من حركات دارفور وكتائب المصالح – أن يدركوا أن السودان أكبر من مشروعهم، وأن الدم لا يكتب مستقبلًا، بل لعنة.
لقد فقدنا الثقة، وتاه الوطن على مفترق الطرق. لكن ما زالت في القلوب بقية أمل… ما زال فينا من يؤمن أن جنح السلام ليس ضعفًا، بل شجاعة. “الدم ما بيغسل بالدم، والسيف ما بصقل غيرو العقل”.
أيها الساسة… الوطن ينادي، والفاشر تبكي، والسودان ينهار. كفى صمتًا… كفى موتًا.





