رأي

محمد الرحال يكتب: جيش ضد الوطن

ما وراء الشمس
محمد الرحال

هؤلاء الذين قُصفوا في نيالا والجنينة وكرينك ومليط والكومة، لم يكونوا غزاة، كانوا مواطنين طالبوا بالتعليم والدواء والكرامة والحق في الحياة، فردّ الجيش على مطالبهم بالطائرات والقنابل والبراميل الكيميائية..

لم يكن الجيش السوداني جيشًا للوطن منذ تأسيسه على يد المستعمر، هذه حقيقة مؤلمة، ولم تعد قابلة للإنكار.. ما نراه اليوم ومنذ عقود هو مؤسسة مسلحة مشبعة بالعنصرية، غارقة في الامتياز الطبقي، ترى دون مجتمعاتها التي توصي عليها بالاحتكار والتوريث سوى أعداء يستحقون القصف، لا المواطنين الذين من واجبها حمايتهم..

منذ بداية الحرب، تصرّف الجيش وكعادته كأنه جيش عائلة، لا دولة.. جيش أقلية مترفة درّبت أبناءها على أحدث تقنيات الحرب، ودفعتهم إلى المعركة من داخل غرف مبردة، لا من أجل السيادة أو حماية المدنيين، بل من أجل استعادة امتيازات نخبوية كانت على وشك الانهيار.. هم لم يقاتلوا لحماية الوطن، بل قاتلوا لمنع ولادة وطن جديد، أكثر عدلًا ومساواة.

هؤلاء الذين قُصفوا في نيالا والجنينة وكرينك ومليط والكومة، لم يكونوا غزاة، كانوا مواطنين طالبوا بالتعليم والدواء والكرامة والحق في الحياة، فردّ الجيش على مطالبهم بالطائرات والقنابل والبراميل الكيميائية.. واليوم.. حين انهارت خطوطه الأمامية أمام “رعاة”، لا يجد ما يقوله سوى التهديد والاتهام بالخيانة، كأن الخيانة وُلدت في غير ثكناته!

من المخزي أن الجيش الذي عجز عن صد انقلاب، ولم يطلق رصاصة على أي محتل خارجي، أطلق آلاف القذائف على أحياء أم درمان، وسوق ليبيا، ومخيمات النازحين.. ومن المخزي أكثر أن نرى ضباطًا تخرّجوا من كليات عسكرية راقية يهربون من المعارك، بينما يقود “الرعاة” طائرات مسيّرة الصنع لقلب المعادلة..

الحقيقة الصادمة: الهامش الذي احتُقر لعقود، علّم نفسه القتال، وانتصر.. والجيش الذي ظنّ أنه فوق المساءلة، سقط في الحفرة التي حفرها بيده..

المتتبع لأحداث حرب الجنوب التي استمرت لعقود.. يجد أن انتصارات الجيش في الصيف وبذلك سمو عشرات “المتحركات العسكرية” بسابقة الصيف ولاحقة الحسم مثل متحرك “الصيف الحاسم”.. والمتتبع لهزائمه يجدها في بداية موسم هطول الأمطار بادعاء وفيات الجنود من تفشي الحميات.. والحقيقة دون ذلك.. حيث يجتهد الرعاة لاقتطاع وتأمين جزء من السافنا الغنية في “رحلة الصعيد” أو “المصايف” بغرض الرعي والرجوع شمالًا في “رحلة النشوق” ببداية هطول الأمطار، وبذلك يستغل الجيش هذا النشاط الموسمي لتحقيق انتصارات تصورها كاميرته على أنها فتح مبين..

الجيش الذي كان يستغل حركة أقدام الأبقار يشبه تمامًا تطفل طير “الرحو” الذي يعيش على نشاط الحركة الطبيعي وبين أرجل الأبقار، ولن يعيش معتمدًا على نشاط مستقل إلا بالبحث عن “مراح أبقار” ولو كان من يقودها عجل، لا يملك من القوة سوى جسدًا له خوار، طالما يصفر مع الريح ويُكبر مهللًا..

الجيش في صورته الحالية ليس درعًا للوطن، بل سيفًا مسمومًا في ظهره.. والحديث عن تصور إصلاحه قد ولى زمانه.. اليوم وجب تفكيكه وبناء جيش وطني..
فمنذ متى كان الجيش يُقاس بكمية الرتب، لا بعدد القرى التي حماها؟ ومنذ متى كانت الوطنية تُثبت بالهتاف لا بالأفعال ؟!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى