رأي

تريكو البشر يكتب: القوة المميتة للزريقات.. لسان حال ياسر العطا (1)

محمد صالح البشر تريكو

العنصرية في السودان القديم أمر شائع، بل موروث ثقافي له جذور عميقة، فنعت “غرابة”، هو لفظ يحمل دلالات تحقيرية حاطة للكرامة، حينما ترد على لسان البحارة، ليت العنصرية وقفت على ثنائية “غرابة وبحارة” لكنها ترتد ككرة في ملعب البحارة أنفسهم، حيث يرى عرب الجعلية والشايقية أن مكانتهم الاجتماعية أفضل من الرطانة من قبائل المحس والدناقلة، بذات القدر لا ننكر وجود عنصرية بين الغرابة بنفس المنوال.

في المرحلة الثانوية آخر التسعينيات، اتيحت لي أول مرة قراءة الصحف اليومية، فقرأت مقالًا في جريدة الرأي العام لكاتب العمود عثمان ميرغني يتحدث عن واقعة حريق شب في فندق ما وكان من بين نزلاء الفندق الأستاذ عثمان والسيد الصادق المهدي، شَبٌه عثمان حالة الهلع والخوف وسط الناس بأنها بروفة ليوم القيامة وأنه حاول يجري مثل الناس ولكن تذكر أنه جعلي، ليعود إلى غرفته منتظر مصيره. عثمان لم يكن مخطئًا لأن آلة الدعاية الإعلامية تُصوّر الجعلي هكذا بأنه أحمق، كما تُصوّر الشايقي بأنه ذكي وفي نفس الوقت تصور الغرابي بالبلادة! بعد الفراغ من قراءة المقال حاولت التوفيق بين تصوير الجعلي في إعلام النخبة المنحدرة من الشمال النيلي وصورته في بيئتنا داخل دار الرزيقات، حيث يعيش جلابة تجار في بعض القرى، اشتهروا بالسلم والابتعاد عن أي مغامرة، قادني التفكير في الصورتين بين جعلي الفندق وجعلي الدكان إلى مشاجرة وقعت بين اثنين من الجعليين في سوق الفردوس بشرق دارفور، كنت شاهدًا شاف أي حاجة، عندما اشتاط أحدهما غضبًا قبل أن ينزع عمامته مهددًا بشج الآخر على رأسه بالعمة، في مشاجرة أخرى أطفأ جعلي سيجارة على ملابس آخر كأقصى فعل عدواني في حالة الغضب، بناءً عليه يُنبز أهلنا الجلابة بـ(حبل القيطان لو لقيتو في الدكان يقول يعني وزيكان، وفي الغابة يقول ليك يابا، أم شليخ حاميهم أكل البطيخ).

مجتمع الرزيقات يشبه مجتمعات كثيرة في السودان، يتكون من ملائكة (يخشون الله في السر والعلن) مثال عمنا دلدوم بخيت في يوم أكل حماره سنبلة دخن من زرع مواطن عندما كانوا في المُنشاق شرق نيالا، من يومها حلف بألا يركب حمارًا، وتكفيرًا عن الذنب أخذ سبعة قناديل دخن من زرعه في قريتنا وقطع مسافة 180 كيلومتر حتى وصل إلى الزرع المأكول راميًا السنابل في جرن صاحب الزرع. قابلت مواقف كثيرة بعد حرب 15 أبريل لأناس من معارفي يرفضون السفر بعربة “دبل بوكو” وهو اسم يطلق على العربات المشفشفة من الخرطوم، في ذات يوم سألتنا امرأة في محطة المواصلات: (يا عيالي العربية جابوها من الخرطوم؟) كان ذلك قبل دفع قيمة تذكرة السفر خشية من أن تسافر بعربة مشفشفة.

لا ننكر وجود شياطين في مجتمعنا يخجل إبليس من أفعالهم. لكن بشكل عام يرفض أهلنا الجرائم مثل السرقة والنهب ويُعامل مرتكبها باحتقار يقارب احتقارهم متعاطي التنباك.

عقب حرب الدعم السريع والجيش، بذلت الآلة الإعلامية مجهودًا لشيطنة كل مجتمع الرزيقات بتصويره بالإجرام وأنه يستحق الإبادة الجماعية، تدرك هذا من تلميحات في وسائل الإعلام الرسمية وعلى مواقع التواصل الاجتماعي حيث تتواصل حملات تأخذ منحى الترويج.

أخطر هذه الحملة ما تسرب من رسائل القيادي الإسلاموي عمار السجاد، التي يُحرض خلالها على قتل جماعي لقبيلتي الحوازمة والمسيرية لكونهما أخطر من الرزيقات وأن القتل يجب أن يشمل الأطفال، لتطبق الكتائب الإسلامية وصية الشيخ عمار السجاد بحذافيرها عند دخول الجيش لمنطقة “الحمادي” بولاية جنوب كردفان.

نواصل..

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى