رأي

عمار سعيد يكتب.. مصر والسودان: من غزوات المرتزقة إلى هندسة الانقلابات

مصر والسودان: من غزوات المرتزقة إلى هندسة الانقلابات.. تاريخ طويل من الهيمنة المقنّعة

منذ غزو محمد علي باشا للسودان عام 1820، لم تكُن علاقة مصر بالسودان متوازنة أو نديّة في يوم من الأيام. ظلت العلاقة مشوبة بشهوة السيطرة من طرف القاهرة، ومحكومة دومًا بنظرة فوقية ترى السودان مجالًا حيويًا لمصر، لا دولة مستقلة ذات سيادة ومصالح متمايزة.

من المرتزقة إلى أبناء السودان: حروب لا يُقاتل فيها المصريون

اللافت في كل الحروب التي خاضتها مصر داخل السودان منذ عهد محمد علي وحتى الاحتلال الثنائي، أنها لم تعتمد على جنود مصريين بصورة مباشرة. كانت دائمًا تحاربنا بجنود من أبناء السودان، تم تجنيدهم قسرًا أو إغراؤهم بالمناصب. سواء عبر قوات الباشا أو عبر وحدات نظامية شكّلت لاحقًا نواة الجيش السوداني، كانت مصر حريصة على أن تخوض حروبها بالنيابة، دون أن تخسر أبناءها في معارك ليست لها.

الحكم الثنائي: السيطرة البريطانية بأيدٍ مصرية

خلال ما يُعرف بـ”الحكم الثنائي” (1899–1956)، كان البريطانيون هم من يحكمون فعليًا، بينما كانت مصر توفر الغطاء الإداري والعسكري وتستفيد من موارد السودان، خاصة في ظل غياب تمثيل سوداني حقيقي. لم يكن الأمر حكمًا مشتركًا بقدر ما كان تقاسمًا للهيمنة، وظلت المؤسسة العسكرية السودانية تتشكل وفق عقيدة تُغذّي التبعية، لا الاستقلال.

الجيش السوداني: الابن غير الشرعي للمؤسسة العسكرية المصرية

مع الاستقلال، ورث السودان جيشًا تم تشكيله وتدريبه بأدوات مصرية، فكان أقرب إلى امتداد وظيفي للمؤسسة العسكرية المصرية. هذه النشأة هي ما جعلت الجيش السوداني أقرب للعسكرية الانقلابية منه للمهنية الوطنية. منذ انقلاب إبراهيم عبود 1958، مرورًا بجعفر نميري 1969، ثم عمر البشير 1989، كان لمصر دورٌ خفي أو معلن في دعم هذه التحركات، خوفًا من أي مشروع ديمقراطي سوداني مستقل.

عبد الله حمدوك: حلم الندّية الذي أزعج القاهرة

حين زار رئيس الوزراء السوداني د. عبد الله حمدوك القاهرة عام 2020، وطرح رؤية لعلاقة “ندّية” بين البلدين تقوم على المصالح المشتركة، لم يُقابل حديثه بترحيب داخل دوائر الحكم في مصر. بل على العكس، استُشعر التهديد من نبرة الرجل الهادئة، فسارعت القاهرة بدعم المؤسسة العسكرية التي كانت تبحث عن لحظة مناسبة للانقضاض على الانتقال الديمقراطي. لم تمضِ أشهر قليلة حتى تكشف ذلك الدعم علنًا عقب انقلاب 25 أكتوبر 2021، وهو ما يشير إلى أن فكرة “الندية” نفسها كانت محرّمة في القاموس السياسي المصري تجاه السودان.

محاولة اغتيال مبارك في أديس أبابا: التوظيف الذكي للأحداث

في عام 1995، وقعت محاولة فاشلة لاغتيال الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا. وُجهت أصابع الاتهام حينها إلى نظام البشير وتنظيم الإخوان المسلمين في السودان. غير أن ما خفي كان أعظم: فالمخابرات المصرية، وفق تقارير غربية ومصادر دبلوماسية، كانت على علم مسبق بالمخطط من خلال اختراقها لتنظيم الإخوان في السودان. وقد تم استثمار الحادثة بمهارة سياسية بالغة: فُرضت عقوبات دولية على السودان، جرى تجميد الكثير من تعاملاته البنكية، وواجه عزلة خانقة، فيما استغلت مصر تلك العزلة لفرض سيطرتها على مثلث حلايب وشلاتين، وللاستحواذ على صادرات السودان بأبخس الأثمان، وبالعملة المحلية أحيانًا، عبر سماسرة وشركات ظلت تهيمن على خطوط التجارة السودانية لعقود.

التدخل العسكري المصري في حرب 2023: إعادة إنتاج الماضي

مع اندلاع الحرب في السودان في أبريل 2023، لم تُخفِ القاهرة دعمها العسكري والاستخباراتي للجيش السوداني بقيادة عبد الفتاح البرهان. بل كان من اللافت وجود طائرات عسكرية مصرية في مطار مروي لحظة اندلاع الصراع، مما يشير إلى علم مصري مسبق، وربما تنسيق ضمني مع جانب من أطراف الحرب. استمر الدعم العسكري المصري بصورة مباشرة وغير مباشرة، عبر المعابر الحدودية الشمالية، وشحنات الذخائر التي تُرسل بذريعة “مساعدة الجيش الوطني”، بينما هي تساهم في إطالة أمد الحرب وتكريس الانقسام.

السودان الديمقراطي خطر على النموذج المصري

أن المشروع المصري في السودان لا يتحمّل وجود سودان ديمقراطي، حر في قراره، مستقل في إرادته، يتحكم في موارده وحدوده وعلاقاته الخارجية. فذلك النموذج يشكل تهديدًا سياسيًا وأيديولوجيًا لمركزية الدولة الأمنية في مصر، ويكشف هشاشة سردية “الاستقرار العسكري” الذي يُسوّق له النظام المصري في الداخل والخارج.

إن ما بين مصر والسودان ليس خلافًا حدوديًا، بل صراعًا على الإرادة الوطنية. وهو صراع لا يمكن تجاوزه إلا بإعادة تعريف العلاقة بين البلدين على أسس جديدة، قائمة على احترام السيادة، والمصالح المتبادلة، لا الوصاية والتبعية والاستغلال.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى