رأي

مرتضي فج النور يكتب: صباح الخير يا وطن .. 

ها هي هجليج تعود اليوم كما تعود الروح إلى الجسد، عودة تشبه صرخة ميلاد في ليلٍ طويل، وتشبه انكسار القيود حين تتعب من قبضة الظلم. لم تعد هجليج مجرد رقعة أرض أو بئر نفط، بل ستصير رمزًا لنهضة وطنٍ أنهكته النخب المتسلطة، ورمزًا لثورة الأرض حين تنتفض على من ظنوا أن خيرات الشعب ملكٌ خاص لهم. عادت هجليج لأنها تعرف أصحابها، تعرف أصوات خطواتهم، وعرق جباههم، وتعرف أن الأرض لا تخون إذا خانها البشر.

وفي لحظة عودتها، بدا وكأن رائحة البترول تختلط برائحة الدم ، وكأن الآبار تنفجر ليس بالنفط بل بالحقيقة التي حُجبت لسنوات: أن هذه الأرض لم تُخلق ليحكمها الفساد، ولا لتُنهب تحت ستار المركز والنخبة، بل خُلقت ليكون لأهلها نصيب من ثروتها، ليقفوا عليها مرفوعي الرأس، ويبنوا منها وطنًا يليق بتعبهم الطويل.

وفي دارفور، حيث الرمال تحفظ أسماء الشهداء، وحيث الريح تجري كأنها تحمل رسائل من زمنٍ مضى، تمتد الحقول صامتة مثل جبالها، تنتظر اليوم الذي تُدار فيه ثرواتها بعقلٍ حر ويدٍ وطنية. وفي كردفان، حيث الأرض تنفتح كصدر أمٍ حنون، تنتشر حقول البترول كنجوم على أرضٍ صلبة، من هجليج إلى بليلة ودفرة والنمر، كلها شاهدة على أن هذه البقاع لم تُخلق هامشًا، ولم تكن يومًا على حافة التاريخ، بل كانت القلب الذي ينبض في الظل.

هذه الحقول كلها، في دارفور وكردفان، ليست مجرد آبار أو خزائن تحت الأرض، بل هي وعدٌ ببلاد جديدة، وعدٌ بأن يعود الخير لأهله، وأن تستيقظ القرى التي طالها التعب، وأن تُبنى المدارس والمستشفيات من خيرات كانت تُحمل بعيدًا دون أن تترك أثرًا. هي وعدٌ بأن المجتمعات التي عاشت على صبر الأرض ستعيش يومًا على ثمراتها.

والناس هناك يعرفون أن السودان الجديد لا يُكتب في المكاتب الباردة، ولا يُصاغ في البيانات، بل يولد في الأرض، في سهول كردفان، في وديان دارفور، في هجليج حين تعود من قبضة الظلم. يولد حين تقف المجتمعات كتفًا إلى كتف، لا يفرقها المركز ولا تسكتها النخب، حين تقول بصوت واحد إن الثروة يجب أن تعود إلى الأرض التي جاءت منها، وإن الإنسان هو بداية كل مشروع ونهايته.

إن هجليج اليوم ليست مجرد حقل عاد، بل قصة وطن يعود إلى نفسه، تعود فيه الأراضي إلى أهلها، وتعود الثروة إلى الذين سُلبت منهم، ويعود الأمل إلى الذين ظنوا أن الوطن لن ينهض من جديد. هجليج اليوم قصيدة، ودارفور وكردفان أبياتها، والسودان الجديد هو المعنى الذي ينمو بين السطور، وطن يولد من الرماد، ويكبر على ضوء الحقيقة، ويقف على أرض صلبة تعرف أسماء أهلها واحدًا واحدًا

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى