تقرير – الجماهير
حذر اساتذة جامعيين تحدثوا لـ ” الجماهير ” من مغبة الانحدار المتسارع لمؤسسات الدولة الاكاديمية ، جراء استمرار الحرب التي افرزت واقعاً اقتصاديا واداريا هشاً ، وتمضي بالبلاد نحو الهاوية والانقسام السياسي والاجتماعي، على خلفية استقالة اكثر من 97% من هيئة التدريس بكلية الطب جامعة الخرطوم نهاية اغسطس المنصرم لاسباب ادارية وتعنت الادارة في مواقفها الرافضة للحلول .
وطبقا لاستاذ جامعي طلب حجب اسمه ان أزمة كلية الطب بجامعة الخرطوم التي ادت الى اعلان الاساتذة استقالاتهم ، ليس مجرد خلاف إداري عابر حول عقود أو حضور وانصراف، بل تحولت إلى واحدة من أخطر الأزمات التي تهدد مستقبل التعليم الطبي في السودان، بعد أن أبدى نحو 97% من أعضاء هيئة التدريس موافقتهم على الاستقالة، في تصعيد غير مسبوق ينذر بشلل العملية الأكاديمية وتعطيل الامتحانات وتأخير تخرج الطلاب.
ويقول لـ” الجماهير” إن ما يحدث يمثل نتيجة مباشرة لتراكم قرارات إدارية لم تراعِ، من وجهة نظرهم، واقع الحرب والنزوح وتشتت أعضاء هيئة التدريس، محذرين من أن الإصرار على تطبيق إجراءات العمل التقليدية في ظروف استثنائية قد يقود إلى تفريغ الكلية من كوادرها بدلاً من إنقاذها.
ويرى أن وصول الأزمة إلى مرحلة الاستقالة الجماعية ليس هدفاً في حد ذاته _ حسب تقديره _ ، وإنما رسالة إلى إدارة الجامعة بأن استمرار الوضع الحالي أصبح غير قابل للتحمل.
97%.. رقم يكشف عمق الأزمة
نسبة الموافقة المرتفعة على الاستقالة لا تبدو، بحسب الأساتذة الذين تحدثوا لـ ” الجماهير” ، مجرد احتجاج محدود داخل الكلية، وإنما تعكس اتساع الفجوة بين الإدارة والكادر الأكاديمي.
ويقول أحد أعضاء هيئة التدريس ايضا طلب حجب هويته لـ ” الجماهير” إن «وصول النسبة إلى هذا المستوى يعني أن المشكلة تجاوزت خلافاً بين أفراد أو مجموعة من الأساتذة، وأصبحت أزمة مؤسسية.
ويضيف أن الأستاذ الجامعي الذي ظل يؤدي دوره في ظل الحرب والنزوح والتدهور الاقتصادي لا يمكن التعامل معه وكأنه يعمل في ظروف طبيعية، مشيراً إلى أن جزءاً من أعضاء هيئة التدريس اضطروا إلى مغادرة الخرطوم أو البلاد، بينما واصل بعضهم أداء مهامه الأكاديمية بالوسائل المتاحة.
وبحسب الأساتذة، فإن تجاهل هذه الظروف يعني عملياً وضع الكلية أمام خيارين إما الاستجابة للواقع الاستثنائي، أو خسارة جزء كبير من كوادرها.
“المشاهرة”.. قرار يهدد بإفراغ الكلية
وطبقا لبيان الاساتذة حول اسباب تقديم استقالاتهم ان ادارة الجامعة رفضت تجديد عقود المشاهرة بعد انتهاء عدد منها في 30 يونيو 2026 تسبب في فراغ أكاديمي متزايد.
ويؤكد أعضاء هيئة التدريس أن بعض هؤلاء الأساتذة يمتلكون خبرات طويلة في التدريس والتدريب السريري، وأن الاستغناء عنهم في ظل النقص الحاد في الكادر يمثل مخاطرة أكاديمية كبيرة.
ويقول أستاذ بكلية الطب “لا يمكن ادارة كلية الطب اتخاذ قرارات إدارية منفصلة عن واقع العملية التعليمية. وتابع ” عندما تفقد أستاذاً يمتلك سنوات من الخبرة، فأنت لا تفقد موظفاً فقط، وإنما تفقد خبرة يصعب تعويضها ” فلذا الامر لا يمكن احتماله
الحضور الإلزامي.. عقوبة في زمن الحرب؟
بينما احد اسباب الخلاف بين الادارة وهيئة التدريس يتعلق باشتراط الحضور المكاني ومباشرة العمل حضورياً حسب احد الاساتذة
ويقول لـ”الجماهير “إن تطبيق هذا الشرط في الظروف الحالية يتجاهل حقيقة أن الحرب دفعت آلاف السودانيين إلى النزوح داخل البلاد واللجوء خارجها، وأن بعض أعضاء هيئة التدريس لا يستطيعون العودة إلى الخرطوم بسهولة.
ويصف الإصرار على الحضور المكاني بأنه تعامل مع الواقع وكأن الحرب انتهت بالنسبة إلى كل العاملين.
ويضيف ” إذا كانت الجامعة تريد استمرار العملية التعليمية، فلماذا لا تستفيد من التعليم الإلكتروني والعمل الهجين؟ لماذا يصبح الحضور الجسدي شرطاً مطلقاً في وقت يمكن فيه إنجاز جزء كبير من المهام الأكاديمية عن بُعد؟».
ويرى الأساتذة أن القضية لا ينبغي أن تتحول إلى معركة حول التوقيع والحضور، بينما المحك الحقيقي والتحدي هو كيف نحافظ على استمرار كلية الطب في زمن الحرب؟
الامتحانات.. أول ضحايا المواجهة
ويقول احدهم ان الطلاب اول ضحايا القرارات الادارية الصادرة من ادارة الجامعة واضاف ” أخطر ما في الأزمة أن تداعياتها بدأت تقترب من الطلاب.
واستطرد ” الامتحانات الطبية تحتاج إلى لجان وممتحنين وأساتذة في تخصصات دقيقة، كما تتطلب الامتحانات السريرية وجود كوادر مؤهلة للتقييم المباشر.
ويمضي إن استمرار الاستقالات أو غياب الكادر الكافي سيجعل تنظيم الامتحانات أمراً بالغ الصعوبة، وقد يدفع إلى تأجيلها إلى أجل غير معلوم.
وهنا تبرز المفارقة الأكثر خطورة طلاب كلية الطب الذين دفعوا ثمناً باهظاً بسبب الحرب قد يجدون أنفسهم يدفعون ثمناً جديداً بسبب الأزمة الإدارية.
ويقول ” الطالب لم يختر الحرب، ولم يختر النزوح، ولم يصنع الأزمة بين الإدارة والأساتذة. وليس من العدل أن يكون هو الضحية الثالثة لهذا الصراع” .
أين تقف إدارة الجامعة؟
في المقابل، تتمسك إدارة جامعة الخرطوم، وفق ما ينقله الأساتذة عن مواقفها، بالضوابط الإدارية المتعلقة بمباشرة العمل والحضور، في إطار مساعيها لإعادة المؤسسات الجامعية إلى العمل بصورة منتظمة.
لكن الأساتذة يرون أن العودة إلى «الوضع الطبيعي» قبل توفير الظروف الطبيعية نفسها أمر غير واقعي.
ويقول أحدهم “لا يمكن استعادة جامعة الخرطوم بقرارات إدارية فقط. الجامعة ليست مباني، وإنما أساتذة وطلاب ومناهج ومعامل ومستشفيات تدريب” .
ويضيف أن الإدارة مطالبة بالتعامل مع الحرب باعتبارها ظرفاً استثنائياً يستدعي حلولاً استثنائية، بدلاً من تطبيق إجراءات قد تؤدي إلى فقدان الكادر الأكاديمي.
الطلاب يحاولون إنقاذ ما يمكن إنقاذه
مع اتساع الأزمة، تحرك طلاب كلية الطب في محاولة لفتح قناة للحوار مع إدارة الجامعة، أملاً في منع الوصول إلى نقطة اللاعودة طبقا لمصادر بهيئة التدريس ولكن مساعيهم لم تجد استجابة من ادارة الجامعة كأن الأمر اشبه بالانتقام .
ويحذر أساتذة من أن استمرار المواجهة قد يحول الأزمة من خلاف يمكن احتواؤه بالتفاوض إلى نزيف أكاديمي يصعب وقفه.
ويقول أحدهم “نحن لا نريد إسقاط الجامعة ولا تعطيلها. نريد أن نعمل. لكننا نريد إدارة تستمع إلى الأساتذة وتتعامل مع ظروف الحرب بواقعية”.





