تقرير – الجماهير
دخلت أزمة المعيشة في السودان مرحلة أكثر خطورة، مع تسجيل أسعار الدقيق قفزة جديدة بنحو 40% خلال 48 ساعة، في وقت تتسارع فيه وتيرة انهيار الجنيه السوداني أمام العملات الأجنبية، وتتزايد المخاوف من انتقال الغلاء إلى الخبز، الغذاء الأكثر اعتماداً عليه بالنسبة لملايين الأسر.
وكشف نائب رئيس اتحاد المخابز، عصام الدين عكاشة، في تصريحات صحفية عن ارتفاع سعر جوال الدقيق من 77 ألف جنيه إلى 108 آلاف جنيه، محذراً من أن الزيادة المفاجئة وضعت المخابز أمام ضغوط تشغيلية قاسية.
وقال عكاشة إن تكلفة «العجنة» الواحدة، التي تستهلك جوالين من الدقيق، ارتفعت بنحو 62 ألف جنيه، بالتزامن مع صعود سعر كرتونة الخميرة من 150 ألفاً إلى 190 ألف جنيه، فضلاً عن الارتفاع المستمر في تكاليف العمالة والنقل والطاقة وبقية مدخلات الإنتاج.
وأشار إلى أن المخابز تدرس كل الخيارات المؤلمة محذراً من اتجاه نحو رفع سعر الخبز وتقليص وزن الرغيف، وصولاً إلى بيع رغيفين مقابل ألف جنيه، بينما توقف عدد من المخابز عن العمل بسبب عجزه عن تحمل الزيادات المتلاحقة.
وتكشف الأسعار المتداولة في بعض المناطق عن اتساع أزمة الخبز، إذ وصلت قيمة الرغيفة في وادي حلفا إلى نحو 400 جنيه، في مؤشر على أن الخبز بات يتأثر مباشرة بتقلبات السوق وتكاليف الإنتاج.
الجنيه يدفع ثمن الانهيار
ويرى الخبير الاقتصادي د. الحاج ابراهيم في حديثه لـ”الجماهير” أن ارتفاع سعر الدقيق والخبز ليس أزمة منفصلة عن انهيار العملة، بل يمثل إحدى النتائج المباشرة لتدهور سعر الصرف.
وأوضح أن السودان يعتمد في جزء كبير من مدخلات الإنتاج، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، على سلع مرتبطة بالعملة الأجنبية، وبالتالي فإن أي انخفاض في قيمة الجنيه يرفع تكلفة الاستيراد والنقل والتشغيل، ثم تنتقل الزيادة تدريجياً إلى المنتج النهائي.
واشار الى إن المشكلة تصبح أكثر تعقيداً عندما يحدث ارتفاع في أسعار الدولار بالتزامن مع ضعف الإنتاج المحلي، معللا ذلك الى أن السوق تواجه في هذه الحالة ارتفاعاً في تكلفة السلع وتراجعاً في المعروض في الوقت نفسه، وهو ما يدفع الأسعار إلى مزيد من الصعود.
وأضاف أن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في وصول الرغيف إلى سعر مرتفع، وإنما في تراجع قدرة المواطن على شراء الغذاء أساساً، محذراً من أن استمرار التضخم وانهيار الدخول قد يدفع شرائح واسعة إلى تقليص استهلاكها من الغذاء، بما يرفع مستويات سوء التغذية وانعدام الأمن الغذائي.
من أزمة خبز إلى خطر مجاعة
وتأتي الزيادة الجديدة في وقت يعاني فيه ملايين السودانيين من تداعيات الحرب والنزوح وتراجع مصادر الدخل وتعطل قطاعات واسعة من الاقتصاد.
ويحذر الخبير الاقتصادي من أن اجتماع ثلاثة عوامل ــ انهيار العملة، ارتفاع أسعار الغذاء، وتراجع القدرة الشرائية ــ يمثل بيئة شديدة الخطورة، خصوصاً في المناطق التي تعاني أصلاً من ضعف الإنتاج أو صعوبة وصول السلع وعدم قدرة مجتمعاتها على توفير احتياجاتهم.
ويرى أن خطر المجاعة لا يرتبط فقط بنقص الغذاء في الأسواق، وإنما أيضاً بقدرة الأسر على الوصول إليه. فقد تكون السلع موجودة، لكن أسعارها تصبح أعلى من قدرة المواطنين على الشراء، فتتحول الأزمة الاقتصادية إلى أزمة غذائية وإنسانية.
احتقان معيشي..
وتتزايد حالة الاحتقان الشعبي مع تصاعد أسعار السلع الأساسية وتآكل الأجور والمدخرات، وسط انتقادات متزايدة للأداء الحكومي وعجز واضح عن كبح موجة الغلاء.




