تقرير اخباري :الجماهير
يمثل افتتاح بنك المستقبل بمدينة الجنينة في ولاية غرب دارفور، بعد سنوات من تعطل جزء كبير من الخدمات المصرفية بسبب الحرب، خطوة تتجاوز مجرد افتتاح مؤسسة مالية جديدة، لتطرح أسئلة أوسع حول مستقبل النشاط الاقتصادي في الولاية، وقدرة القطاع المصرفي على استعادة ثقة المواطنين وتوفير خدمات تتناسب مع طبيعة اقتصاد المنطقة واحتياجاتها.
ويقول المدير العام لبنك المستقبل، الشيخ فقيري الجبوري، إن البنك جاء في وقت يعاني فيه مواطنو غرب دارفور من محدودية الخدمات المصرفية، مشيراً إلى أن البنك يستهدف أمة الهامش”، ويوفر خدمات بالعملة السودانية والدولار، إلى جانب التحويلات الداخلية والخارجية، وخدمات مصرفية إلكترونية عبر تطبيق قال إنه يتمتع بدرجة عالية من الأمان.
ويعمل البنك حالياً عبر سبعة فروع، فيما يخطط للوصول إلى عشرة فروع، مع خطة لافتتاح عشرة فروع إضافية خلال العام المقبل. كما يعتزم التوسع في خدمات تمويل الصادرات والواردات، وهي خدمات يمكن أن تشكل، في حال تنفيذها، عاملاً مهماً في تحريك النشاط التجاري وربط أسواق غرب دارفور بالأسواق المحلية والخارجية.
أزمة التحويلات.. الاختبار الأصعب
ولا ينفصل افتتاح البنك عن واحدة من أكبر المشكلات التي تواجه النشاط التجاري في دارفور، وهي صعوبة التحويلات المالية. ويقول ممثل رجال المال والأعمال، تجاني يوسف، إن التحويلات البنكية تمثل أحد أبرز التحديات أمام التجار ورجال الأعمال، مطالباً بإتاحة التعامل بالفرنك التشادي، باعتبار الارتباط الاقتصادي والتجاري بين ولايات دارفور وتشاد.
وتعكس هذه المطالبة طبيعة الاقتصاد الحدودي في غرب دارفور، حيث ترتبط حركة التجارة والأسواق بالحدود التشادية، ما يجعل توفير خدمات مالية تستوعب هذا الواقع أحد العوامل الأساسية لنجاح أي نشاط مصرفي في المنطقة.
وطالب يوسف كذلك بفتح فروع للبنك في المحليات، حتى لا تظل الخدمات المصرفية محصورة داخل مدينة الجنينة، بينما يرى مراقبون أن الانتشار الجغرافي سيكون أحد الاختبارات العملية لقدرة البنك على خدمة قطاع واسع من المواطنين والتجار.
الحرب أضعفت الثقة في الجهاز المصرفي
ويأتي افتتاح البنك في ظل إرث ثقيل خلفته الحرب على القطاع المصرفي. فقد أشار رئيس المجلس التأسيسي للبنك، عبدالباقي علي حسين، إلى أن البنوك تمثل جزءاً أساسياً من خدمة المجتمع، لكنه لفت إلى ما وصفه بالتدخل في حسابات مواطني الولاية والاستيلاء على أموالهم خلال فترة الحرب.
من جانبه، اتهم رئيس الإدارة المدنية في غرب دارفور، التجاني الطاهر كرشوم، بنك الخرطوم بممارسة “القرصنة” على أموال مواطني دارفور وكردفان، وقال إن الخدمات المصرفية توقفت أو تراجعت بصورة كبيرة منذ اندلاع الحرب.
الإقبال على فتح الحسابات.. مؤشر ثقة أم حاجة ملحة؟
وشهد بنك المستقبل، بحسب القائمين عليه، إقبالاً من المواطنين لفتح حسابات مصرفية خلال الفترة الماضية، في مؤشر على وجود طلب كبير على الخدمات البنكية في المدينة بعد فترة طويلة من الاضطراب المصرفي.
ويرى كرشوم أن افتتاح البنك يمثل إضافة نوعية للاقتصاد والتجارة والاستثمار في الولاية، داعياً المواطنين إلى فتح الحسابات وإيداع أموالهم، ومؤكداً أهمية تأمين الأموال وتوسيع الخدمات وبناء الثقة بين البنك والعملاء.
غير أن حجم الإقبال وحده لا يكفي للحكم على نجاح التجربة. فالتحدي الحقيقي يتمثل في قدرة البنك على المحافظة على أموال العملاء، وتوفير السيولة، وتسهيل التحويلات، وتوسيع شبكة الفروع، وتقديم خدمات تمويلية تساعد التجار وأصحاب الأعمال والمنتجين، بدلاً من الاكتفاء بدور حفظ الأموال وإجراء المعاملات اليومية.
أمام تحديات اقتصاد ما بعد الحرب
ويرى وزير الاستثمار بحكومة السلامة الانتقالية ، آدم الطاهر حسب الله، أن افتتاح البنك يمثل خطوة مهمة في تقديم الخدمات المصرفية وتجسيد رؤية استراتيجية لتوفير تجربة مصرفية متكاملة، لكنه أقر في الوقت نفسه بأن البلاد تواجه تحديات اقتصادية كبيرة.
وبالنسبة لغرب دارفور، فإن نجاح بنك المستقبل سيظل مرتبطاً بقدرته على التعامل مع اقتصاد شديد التعقيد، يتأثر بالحرب والحدود والتجارة العابرة للحدود وتقلبات أسعار العملات وضعف البنية التحتية وتراجع الإنتاج.
ومن هنا، فإن التحدي أمام البنك لا يتمثل فقط في فتح الفروع، وإنما في استعادة الوظيفة الاقتصادية للمصرف: تسهيل حركة الأموال، دعم التجارة، تمويل الإنتاج والصادرات والواردات، وتوفير وسائل دفع آمنة، والوصول بالخدمات إلى المحليات.
وبينما تراهن حكومة الإدارة المدنية على البنك باعتباره جزءاً من عودة الخدمات إلى غرب دارفور، يراهن المواطنون والتجار على أن تتحول الوعود إلى خدمات مصرفية مستقرة وآمنة. وفي نهاية المطاف، ستكون الثقة، والسيولة، والتحويلات، والانتشار الجغرافي، والتمويل هي المعايير التي ستحدد ما إذا كان افتتاح بنك المستقبل يمثل بداية حقيقية لتعافي القطاع المصرفي في الولاية، أم مجرد إضافة مصرفية في سوق لا تزال تكافح آثار الحرب.





