تقارير وتحقيقات

حرب المسيّرات في السودان.. هل تعيد رسم خريطة النفوذ الميداني؟

تقرير – الجماهير

لم تعد الحرب في السودان تدور على الأرض وحدها، إذ تحولت الطائرات المسيّرة خلال أكثر من ثلاثة أعوام من أداة محدودة للاستطلاع والاستهداف إلى عنصر رئيسي في العمليات العسكرية، مع توسع استخدامها في ضرب المواقع العسكرية ومستودعات الإمداد وخطوط الحركة، وامتداد الهجمات إلى مناطق بعيدة عن خطوط المواجهة.

وبدأ القتال بين الجيش وقوات الدعم السريع في 15 أبريل 2023 بوسائل تقليدية إلى حد كبير؛ إذ اعتمد الجيش على الدبابات والمدرعات، فيما استفادت قوات الدعم السريع من قدراتها في حرب المشاة، واستخدمت أسلحة مضادة للدروع ومدافع محمولة على سيارات الدفع الرباعي، بينها «الدوشكا» و«23».

لكن مسار الحرب تغير تدريجياً مع دخول الطائرات المسيّرة إلى ميدان القتال، قبل أن يتطور استخدامها إلى طائرات أكثر تقدماً، بينها «بيرقدار» و«أكانجي» التركية، إلى جانب مسيّرات استراتيجية صينية الصنع، لتصبح التكنولوجيا الجوية عاملاً مؤثراً في عمليات الاستطلاع والاستهداف والمناورة.

من المسيّرات البدائية إلى حرب العمق

في الأشهر الأولى للحرب، استخدمت طائرات مسيّرة صغيرة ومعدلة لأغراض الاستطلاع والاستهداف المحدود. ويقول الخبير العسكري العميد طلحة موسى إن بعض المسيّرات المستخدمة آنذاك كانت في الأصل مخصصة للتصوير، قبل تعديلها لحمل قذائف واستخدامها ضد أهداف عسكرية، إلا أن تأثيرها ظل محدوداً ولم يكن كافياً لتغيير مسار العمليات.

ومع تصاعد الحرب، اتجه الجيش إلى تطوير قدراته في مجال المسيّرات، قبل أن تدخل الطائرات التركية الأكثر تطوراً إلى العمليات بصورة أوسع اعتباراً من أغسطس 2024، بحسب موسى.

ويقول الخبير العسكري العميد «طلحة موسى» إن هذه المسيّرات أسهمت في تغيير المعادلة الميدانية، خصوصاً خلال العمليات التي استعاد خلالها الجيش مناطق في ولايتي الجزيرة وسنار، ثم أجزاء واسعة من العاصمة الخرطوم، مشيراً إلى أن استخدامها أتاح تنفيذ ضربات دقيقة ضد تجمعات ومواقع تابعة لقوات الدعم السريع.

في المقابل، عملت قوات الدعم السريع على تطوير قدراتها في مجال المسيّرات، واتجهت، وفق مصادر عسكرية، إلى استخدام طائرات استراتيجية بعيدة المدى، ما نقل المواجهة إلى مرحلة جديدة لم تعد فيها الهجمات الجوية مرتبطة بالضرورة بخطوط التماس.

المسيّرات تعيد تشكيل موازين القوة

ويرى الخبير الأمني والاستراتيجي د. محمد علي جابر أن تصاعد استخدام المسيّرات يمكن أن يؤثر بصورة مباشرة في موازين القوة وخريطة النفوذ الميداني، لكنه لا يعني بالضرورة تغيير السيطرة على الأرض بصورة فورية.

وأوضح، في حديث لـ«الجماهير»، أن أهمية المسيّرات لا تقتصر على إيقاع الخسائر المباشرة، وإنما تمتد إلى تعطيل الإمدادات وإرباك التحركات وإجبار القوات على إعادة الانتشار.

وأشار إلى أن الطرف القادر على تحقيق تفوق في الاستطلاع والاستهداف، بالتوازي مع حماية قواته من هجمات المسيّرات المعادية، يستطيع فرض ضغوط أكبر على خصمه، إلا أن التفوق الجوي وحده لا يكفي لتثبيت السيطرة على الأرض.

ويؤكد جابر أن النفوذ الميداني يظل مرتبطاً بقدرة القوات البرية على تثبيت المواقع وتأمين خطوط الإمداد والسيطرة على المدن والطرق والممرات الاستراتيجية، مبيناً أن المسيّرات يمكن أن تستنزف الخصم وتعطل حركته، لكنها لا تحل محل القوات البرية في تحويل التفوق العسكري إلى سيطرة جغرافية مستقرة.

ويتفق الخبير الأمني والاستراتيجي د. الفاتح عثمان محجوب مع هذا الطرح، لكنه يرى أن المسيّرات أصبحت علامة فارقة في الحرب السودانية، مشيراً إلى أن طرفي القتال اتجها إلى تطوير قدراتهما في هذا المجال، وأن التكنولوجيا الجوية باتت عاملاً مؤثراً في المناورة والاستهداف وتحقيق التفوق الميداني.

حرب بلا خطوط تماس

ومع اتساع مدى المسيّرات، أخذت الحرب في السودان منحى جديداً، إذ لم تعد العمليات العسكرية محصورة في مناطق الاشتباك المباشر.

ويقول د. مصعب فضل المرجي إن الحرب دخلت مرحلة لم تعد فيها خطوط المواجهة البرية وحدها تحدد شكل المعركة، مشيراً إلى أن المسيّرات أصبحت حاضرة بصورة خاصة في كردفان ودارفور، مع امتداد الهجمات إلى مناطق أخرى بينها الخرطوم والنيل الأزرق.

ويحذر المرجي من أن اتساع نطاق الهجمات جعل الابتعاد عن خطوط الجبهة أقل ضماناً للأمان، مشيراً إلى أن الهجمات يمكن أن تصل إلى مدن بعيدة عن مناطق القتال، وتستهدف أسواقاً ومرافق صحية ومناطق سكنية ومنشآت خدمية.

ويستشهد المرجي بتقارير أممية قال إنها وثقت مقتل أكثر من ألف مدني جراء ضربات المسيّرات بين يناير ومايو 2026، إلى جانب استهداف 16 مرفقاً صحياً و33 سوقاً خلال الفترة نفسها.

كما أشار إلى ضربة استهدفت مستشفى الضعين التعليمي في مارس الماضي، وقال إن إفادات أممية أفادت بأنها أخرجت المستشفى من الخدمة وأوقعت عشرات القتلى المدنيين، فيما امتدت الهجمات في كردفان إلى الأسواق والمرافق الصحية والمناطق السكنية.

ويقول المرجي: «السودان يواجه الآن حرباً بلا خطوط تماس واضحة؛ فالمعركة يمكن أن تصل إلى مدينة بعيدة عن الجبهة، وإلى سوق أو مستشفى أو محطة كهرباء، ولذلك فإن كلفة الحرب أصبحت تُدفع في تفاصيل الحياة اليومية للمدنيين».

من الضغط الجوي إلى تعطيل الإمداد

ولا تقتصر أهمية المسيّرات على استهداف القوات والمواقع العسكرية، إذ أصبحت تستخدم بصورة متزايدة لضرب مستودعات الوقود ومراكز الإمداد ومواقع القيادة، وهو ما يفتح جبهة أخرى في الحرب تتعلق بقدرة كل طرف على تحريك قواته وإمدادها.

وبحسب الخبير طلحة موسى، فإن قوات الدعم السريع تحاول الاستفادة من المسيّرات الاستراتيجية في تنفيذ ضربات داخل المناطق الخاضعة لسيطرة الجيش، في وقت يسعى فيه الجيش إلى الحفاظ على قدرته على استخدام المسيّرات التركية في استهداف قوات الدعم السريع ومواقعها.

ويشير موسى إلى أن امتلاك المسيّرات القادرة على العمل لمسافات أبعد وتجاوز بعض وسائل التشويش يمكن أن يمنح مستخدمها قدرة أكبر على الوصول إلى أهداف داخل عمق مناطق الخصم.

وفي المقابل، يلفت خبراء إلى أن فعالية المسيّرات تظل مرتبطة بقدرة الطرف الآخر على تطوير وسائل التشويش والدفاع الجوي والتخفي وتغيير مواقع القوات والمعدات، فضلاً عن القدرة على تعويض الخسائر في الطائرات ووسائل التحكم والمشغلين.

كردفان والنيل الأزرق.. ساحات اختبار جديدة

ومع انتقال ثقل العمليات إلى مناطق جديدة، أصبحت كردفان والنيل الأزرق من أبرز ساحات استخدام المسيّرات.

ويقول مصدر عسكري من قوات الدعم السريع لـ«الجماهير» إن تقدم الجيش في محور غرب بارا لن يستمر، كاشفاً عن ترتيبات قال إنها تجري على الأرض تمهيداً لهجوم بري واسع تحت غطاء عشرات المسيّرات، بهدف استعادة مناطق في شمال كردفان والتقدم نحو أم درمان.

وأضاف المصدر أن قوات الدعم السريع تستعد، وفق تقديره، لهجوم يستهدف الفرقة الخامسة مشاة بمدينة الأبيض.

وتأتي هذه التصريحات في وقت يعلن فيه الطرفان عن عمليات عسكرية وهجمات بالمسيّرات في محاور مختلفة، بينما تتباين الروايات بشأن حجم الخسائر والسيطرة على المواقع.

وفي النيل الأزرق، برز استخدام المسيّرات في العمليات الهجومية والدفاعية، مع إعلان قوات الدعم السريع عن تنفيذ ضربات واستهداف مواقع عسكرية، بالتزامن مع محاولات الجيش الحفاظ على مواقعه باستخدام الطائرات والمسيّرات.

ويقول طلحة موسى إن قوات الدعم السريع يمكن أن تستفيد من قدرات المسيّرات الاستراتيجية في محاولة استعادة مواقع جديدة في عدد من محاور القتال، مشيراً إلى أن إسقاط المسيّرات التركية أو تعطيلها يمكن أن يحد من قدرة الجيش على استخدام التفوق الجوي التكتيكي.

هل تستطيع المسيّرات حسم الحرب؟

ويرى الخبير الاستراتيجي د. الهادي محمد الفضل أن المسيّرات أصبحت من أهم وسائل القتال في الحروب الحديثة، مشيراً إلى صعوبة منعها بصورة كاملة من الوصول إلى عمق أراضي الخصم.

ويستشهد الفضل بالحرب الروسية الأوكرانية باعتبارها نموذجاً على قدرة المسيّرات على تجاوز المسافات والوصول إلى مناطق بعيدة عن خطوط القتال.

لكن خبراء آخرين يرون أن المسيّرات، رغم قدرتها على إحداث خسائر وتعطيل الإمدادات وإرباك القوات، لا تستطيع بمفردها حسم حرب بهذا الحجم، لأن السيطرة العسكرية النهائية تظل مرتبطة بالقوات الموجودة على الأرض وقدرتها على الاحتفاظ بالمواقع وإدارة خطوط الإمداد.

وبحلول 2025 و2026، أصبح استخدام المسيّرات يأخذ منحى أكثر اتساعاً، مع انتقالها من مرحلة دعم العمليات البرية إلى تنفيذ هجمات بعيدة المدى، وهو ما بات يوصف بـ«حرب العمق».

معركة التكنولوجيا وخريطة النفوذ

وتشير التطورات الميدانية إلى أن الحرب في السودان دخلت مرحلة تتداخل فيها القوة البرية مع التفوق التقني، وأصبحت قدرة كل طرف على امتلاك المسيّرات وتشغيلها وحمايتها من التشويش والإسقاط عاملاً مؤثراً في حركة القوات.

غير أن السؤال الأهم لا يتعلق فقط بعدد المسيّرات أو أنواعها، بل بمدى قدرة كل طرف على تحويل التفوق الجوي المؤقت إلى مكاسب ميدانية مستقرة.

فالمسيّرات تستطيع فتح الطريق أمام القوات البرية، وتعطيل الإمدادات، وإجبار الخصم على تغيير خططه، واستهداف مواقع بعيدة عن خطوط التماس، لكنها لا تستطيع وحدها الاحتفاظ بمدينة أو تأمين طريق أو إدارة منطقة واسعة.

وعليه، فإن حرب المسيّرات قد تعيد توزيع النفوذ الميداني وتغير شكل المعارك، لكنها لا ترسم وحدها خريطة السيطرة النهائية. فهذه الخريطة ستظل رهينة التفاعل بين القوة الجوية، والقوات البرية، وخطوط الإمداد، والقدرة على الاحتفاظ بالمواقع، إلى جانب التطورات السياسية والعسكرية التي قد تحدد اتجاه الحرب خلال المرحلة المقبلة.

وفي ظل استمرار القتال، يبدو أن السودان يتجه أكثر نحو حرب تعتمد على «العمق» بدلاً من خطوط التماس التقليدية، حيث يمكن لهجوم ينطلق من مسافة بعيدة أن يؤثر في معركة تدور مئات الكيلومترات عنه، لتصبح السماء جزءاً أساسياً من معادلة السيطرة على الأرض.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى