
إن العديد من الازمات البين-مجتمعية التى تعيشها اجزاء واسعة من دولة جنوب السودان ، ناتجة عن مشكلات متداخلة العناصر و الاسباب، الا أن الحكومة ظلت تتعامل معها من واقع تصورات الحلول النابعة من المجموعات نفسها ، من غير ان تضع من واقع مسئولياتها الدستورية ، تصورها القومى للحل ، لذلك تجد الحديث عن الاستجابة لرغبة المجتمعات المحلية ، وهذا منهج ترضية مجرب على ايام الدولة السودانية الموحدة فى تعامل الحكومات المتعاقبة مع مطالب القبائل و المجتمعات ومرفوض لانه لاينتج حلولا جوهرية للمشكلات ، وانما يعمق بؤر التوتر و يفضى الى مزيد من الصراعات بين الجمعات المتجاورة التى تربطها العديد من المصالح المشتركة. ان واقع التوتر المستمر فى العلاقات بين مجتمع ولاية بوما الجديدة التى كانت تابعة لولاية جونقلى ، ومجموعات دينكا بور تحديدا المقيمة فى ولاية (جونقلى) الجديدة ، والتى يحاول الكثيرين تصويرها بانها ازمات تنحصر فقط فى غارات نهب الابقار واختطاف الاطفال من قبل مجموعات المورلى ، لهو تشخيص قاصر لطبيعة المشكلة وواقعها جعلها تتفاقم لتصل الى مرحلة تاسيس حركة تمرد بقيادة ديفيد ياوياو للمطالبة بحقوق مجتمع منطقة بيبور الكبرى ، لتتحول القضية من كونها مشكلة مرتبطة بالسلوك الثقافى الى قضية سياسية ، وقد اعتقدت الحكومة ايضا خلال تفاوضها مع مجموعة الكوبرا بقيادة ديفيد ياوياو ان الحل يتمثل فى منح المنطقة حكم شبه ذاتى وتكوين ادارية بيبور الكبرى التى تحولت فيما بعد الى ولاية بوما ، وقد اثبتت الايام ان اتفاق السلام الموقع بين الحكومة و حركة كوبرا لم يؤدى الى وقف غارات نهب الابقار و الاطفال ولم يزل التوتر فى العلاقات بين الولايتين المتجاورتين. ان فشل محاولة حل الازمة مركزيا ، سيقود ايضا الى تعطيل المحاولات التى تبزلها حاليا الحكومات المحلية على مستوى الولايتين (بوماوجونقلى) ، مهما انعقدت مؤتمرات الصلح وقطعت العهود باهمية فرض السلام والاستقرار فان ذلك صعب التحقق على المدى القريب والدليل على ذلك هى التوترات الحالية التى تشهدها المنطقتين ودعوة التهدئة الاخيرة التى اطلقها حاكمى الولايتين للشباب من المنطقتين بوقف اعمال العنف وشن الغارات بعد ان قام شباب ولاية جونقلى المسلحين بدخول اراضى بوما لاستعادة الابقار التى تم نهبها قبل اسبوعين ، لذلك فان الحلول المفقودة لتلك المشكلة هى ازمة التشخيص السليم او الاستهانة بتبعاتها المستقبلية وتاثيرها العلاقات بين شعبى الولايتين المتجاورتين ومنطقة جونقلى كاقليم تعيش فيه مجموعات تعتمد فى حياتها على رعى الابقار و النزاع على الموارد البسيطة. لن يشهد شريط بوما جونقلى اى نوع من الاستقرار مالم تضع الحكومة المركزية فى جوبا وبمساعدة من الجهات البحثية الوطنية و منظمات المجتمع المدنى بوضع استراتيجية تنموية حقيقية للمناطق الريفية ، استراتيجية تقوم على تغيير نمط الحياة و الانتاج عبر المشروعات المشتركة و توطين التعليم المجانى فى المناطق الحدودية بين المجتمعات المتداخلة ، فان بناء المدارس المشتركة و انشاء مشاريع زراعية مشتركة بجانب فتح مراكز للتنمية الاجتماعية تشارك فيها تلك الجماعاتالمتنازعة بسبب غياب التنمية وسيطرة الثقافى التقليدية وغياب اطر الحوار المجتمعى ، هى التى اسهمت بدرجة كبيرة فى خلق صورة نمطية عن الاخر لدى تلك الجماعات التى يجب ان تدرك بشكل عملى ان مصلحتها الاستراتيجة هى فى العيش المشترك و ليس الصراع و الثأر ، ففى كثير من الاحيان تتطلب الازمات المتداخلة خطط متكاملة لفرض السلام و التعايش.





