
مافعلته حكومة الجبهة الاسلامية بالسودانيين لم يفعله المستعمر بن وافدة البحار . فالجبهة الاسلامية تعتبر السودان دار استثمار، والشعب السوداني عبارة عن مستهلكين تبيعهم الخدمات الحكومية. وبمتابعة بسيطة لما يحدث اليوم في السودان يمكننا ان نقول ان شعب السودان اصيب بـ”القابلية للاستثمار”. وهي شئ قريب الشبه بالقابلية للاستعمار التي وصفها مالك بن نبي في كتابه شروط النهضة” فالمحتل الذي يحتل أرضا ويسيطر على ترابها مع مرور الزمن يبقى غازيا ومحتل لفرد غير قابل للاستعمار، هنا يتدخل “المعامل الاستعماري” وهو المصطلح الذي جاء به مالك بن نبي أيضا، يتدخل المستعمر من أجل خلق نموذجا من الحياة والفكر والحركة، وبعد أن تتم السيطرة المعنوية والمادية يصبح هذا الفرد قابلا بالحدود التي يرسمها له الاستعمار ويفكر داخلها.
وهذا بالضبط مافعله الاسلاميون باهل السودان، وبنظرة صغيرة يمكنك تبين ذلك ، فالحكومة اقنعتنا جميعا بان الخدمات الصحية، والتعليمية والطرق وغيرها عباره عن استثمارات لاناس بذلوا فيها رؤوس اموال وبالتالي لابد من جني المقابل عبر فرض رسوم على سكان البلاد. وارتقى الاستثماريون درجة حتى اقنعونا ان الخدمات المجانية اقل جودة، فاذا ادرت البصر اليوم تجاه المدارس الحكومية فانك تكاد لاتجد احد من معارفك بها، واذكر المشقة التي كنا نجدها لحشد مناصرين في قضايا بيع المدارس الحكومية التي اضحت خاوية تماما ، ونادرا ماكنا نجد احد يدرس ابنائه بالمدرسة المعروضة في المزاد حتى نعضد به موقفنا، فقد عدل الاستثماريون مفاهيم الناس حتى اصبحوا قابلين للاستثمار دون جهد.
قبل ايام اخبرني احد الاصدقاء ان اكثر المشاريع الاستثمارية رواجا هي المكتبات الاكاديمية والتي يبلغ رسم دخولها 10 جنيهات للفرد ومع ذلك تحظى بعدد مقدر من الرواد، وفكرة المكتبة تتلخص في ان يخرج الطالب من الجامعة الاستثمارية التي ليس بها مكتبة للقراءة” الجميع مقتنع ان توفير المكتب لايقع ضمن واجبات الجامعة الاستثمارية” ليدفع رسوم مثل تذكرة السينما حتى يتمكن من الدخول لمكتبة استثمارية لاستذكار دروسه ، تذكرت المكتبات الجامعية والسكن الطلابي والاعاشة والمواصلات والبعثات المجانية حتى امريكا البعيدة، ومع ذلك كان الطلاب يخرجون في مظاهرات ضد السلطة بحثا عن الافضل.
التحولات التي حدثت للطلاب وذويهم لايمكن فهمها الا من خلال علم الاجتماع والعمل الكبير الذي قام به الاستثماريون لتغيير المفاهيم في المجتمع السوداني.الكرنفالات التي تقيمها رياض الاطفال والحنة والغناء والصرف البذخي لتخريج الاطفال من الروضة، في اي خانة يمكن تصنيفها؟ هذا عبث تجاوز كل حدود المعقول ، ولكن لا احد منا يستطيع اقناع اهل بيته بخطل هذا السلوك، فالمقاومة تاتيك دوما من “ام الاولاد” التي تم غسل دماغها بواسطة الفكر الاستثماري الذي لايقل خطورة عن الفكر الاستعماري.
المستشفيات الاستثمارية هي الافضل، والسكن الطلابي الاستثماري اكثر امنا، والطرق الاستثمارية اقصر واقل كلفة وغيرها من الافكار التي تبث يوميا بواسطة الاعلام الاستثماري الذي ياخذ نصيبه من الحفل الكبير.
الفيديو المسرب لرئيس البلاد وهو يجادل الايطاليين الذين اقاموا مستشفى مجاني لجراحة القلب التي لايستطيع الفقراء دفع رسومها يكشف الراعي الرسمي للفكر الاستثماري. فالرئيس الذي يقع على عاتقه واجب توفير مثل هذه المشافي لابناء شعبه مرعوب من فكرة ان يكون هنالك مشفى يقدم خدمات متميزة باطباء اكثر كفاءة من اطباء المستشفيات الاستثمارية ثم يكون كل ذلك مجانا، انتشار مثل هذه المؤسسات يهدم ركن العملية الاستثمارية برمتها ويوضح للعامة ان هنالك منظمات عالمية يمكن ان تملا الفراغات التي سببها نهب الكيزان حتى تستمر الحياة الي حين استرداد جهاز الدولة واعادته للعمل ليقوم بمهامه الاعتيادية في خدمة الانسان.
تمكن الفكر الاستثماري في حياتنا يجعلنا عجينة طيعة في يد المستثمر، ولو بنى احد المستثمرين مسجدا ووضع رسوما لدخوله لسارع مئات المصلين للمسجد بدعاوي ان الخشوع في الصلاة يتطلب بيئة مريحة ، ومن الافضل ان تخسر مال الدنيا لتحصد حسنات الاخرة، كما لايمكن للمصلي ان يكون خاشعا اذا كان مشغولا بحذائه، وبدون شك فان المسجد الاستثماري يوفر خدمات الامن والتكييف والتعطير. ومثل كل شي سيكون المسجد مكانا طبقيا جديدا لايستطيع ان يؤمه عامة الناس الذين لهم مساجدهم العادية، فالفكر الاستثماري يبني اماكن للعامة واخرى للمتميزين ومن ثم يسعى عبر اجهزته المتعددة لاقناع الجميع بالتميز لذلك كثيرا مانجد اناس لاتتناسب حالتهم المادية مع الفخ الاستثماري الذي وقعوا فيه مثل ادخال الابناء لمدارس برسوم مرتفعة حتى لايدرس الابناء في مدارس العامة، ومتى اتجه الجميع للمدارس الاستثمارية رجع المستثمر للمدارس العامة وحولها لاستثمارية وسط ابتهاج الجميع بالحصول على خدمة متميزة بمقابل، في الوقت الذي تكون فيه هذه الخدمة حق من حقوقهم.
وعليه فان الفكر الاستثماري البغيض يحتاج لمواجهته بالفكر ، ولذا وجب بروز مدارس لدراسة “الفكر الاستثماري”، ومدارس لدراسة “مابعد الاستثمار” والاثر الذي خلفه على نفوسنا.




كويس ان الاستاذ الكاتب وصل نصف المشوار ..
نجر ( البكرة ) ونوصله الاخر ..
التوصيف الصحيح للاخواني : ( محتل ) ..
ومشروعه نوع من انواع ( الاحتلال ) لم يمر في تاريخ وتجربة البشر من قبل ..
اسميه انا : ( الاحتلال الاستحلالي ) :
فهذا النوع من الاحتلال لا يشبه اي احتلال اخر شهده عمر البشر ..
فالمحتل الوافد من البحار ينشد فقط ( مصالحه ) ولن تؤمن هذه المصالح بغير ان يصلح وينمي انسان وارض الشعب المحتل ..
اما الاحتلال الاستحلالي ( الاخواني ) فلا يهمه كل ذلك ..
ويقوده حلم وهم ( خلافة ) ..
وتبدأ مصالحه فقط حين يتحقق ذلك الحلم ..
لذا هو يسابق الزمن ليلحق القطر المحتل ( كاقليم ) في دولته الحلم ( خلافة ) وفي هذا المسير لا يهمه اي شئ ..
وحسب رؤيته ومشروعه فليس له مصالح ( حالة – آنية ) ليتعب نفسه في تنمية انسان وارض القطر المحتل ..
وانما مصلحته في هذه المرحلة واحده فقط ( الحاق الفرع بالاصل ) لكي تتدخل السماء ..
وحينها تنجز له السماء كل ما وعده به ( كتلوج الاخونه ) ويتحقق الحلم ..
لذا يسير اعمى لا يلوى على شئ ..
واثناء هذه الهرولة نحو ( الحلم الوهم ) لا يهمه ان سقط جزأ او اجزاء من القطر ..
ولا يهمه ان فني جزأ من سكان القطر المحتل او ماتوا كلهم ..
فهناك فائض من سكان اخرين تنتظر من اقطار اخرى وصلوا عبيد سالمين الى دولة سلطان الاخوان يمكن استثمارهم ..
للاسف استغرقنا 27 سنه لنفهم اننا دولة محتلة وبعضنا مازال للاسف الى الان منوم ..
وضاع مننا كل هذا الزمن لنفهم ان الاخوان ليسو مننا ..
( فجروا بي جلدنا الشوك ) كما يقول المثل ( جلدا ما جلدك ) ..