تقارير وتحقيقات

الجيش يخسر خمس مناطق دفعة واحدة: المعارك البرية هي الفيصل

تقرير: الطيب علي حسن

عقب انسحابات كبرى من ثلاث ولايات، هي سنار والجزيرة والخرطوم بوسط السودان، قوات الدعم السريع تستعيد زمام المبادرة في الحرب وتسيطر على خمس مناطق حيوية بإقليم كردفان في يومين فقط؛ الأمر الذي يعده مراقبون منعطفًا جديدًا وخطيرًا في تاريخ الحرب السودانية.

وشنت قوات الدعم السريع، الخميس 29 مايو 2025م، هجومًا بريًا واسعًا في إقليم كردفان الكبرى، أسفر عن تحرير عدة مدن رئيسية من بينها مدينة “الدبيبات” الاستراتيجية بجنوب كردفان، وذلك عقب معارك شرسة ضد الجيش وكتائب البراء والقوة المشتركة التي كانت قد سيطرت على المدينة الأسبوع الماضي.

جرت معارك ضارية تمكنت إثرها قوات الدعم السريع من السيطرة على “الحمادي” بجنوب كردفان

وفي ذات محور المواجهة، واصلت قوات الدعم السريع تقدمها في ذات المسار العملياتي عقب سيطرتها على “الدبيبات”، لتفُرض سيطرتها على مدينة “الحمادي” الاستراتيجية التي تربط ولاية جنوبي كردفان بعاصمة ولاية شمال كردفان الأبيض، التي تبعد عنها نحو 40 كم شمالًا.

وفي محور عسكري آخر بإقليم كردفان، وضمن تحركات متزامنة، فرضت قوات الدعم السريع سيطرتها على محلية “الخوي” غربي كردفان، وذلك عقب معارك طاحنة كبدت فيها كل من الجيش والقوات المشتركة وكتائب البراء بن مالك خسائر فادحة في الأرواح والعتاد؛ لتتراجع القوات المنهزمة إلى منطقة “أم صميمة”.

وعقب تحريرها “الخوي” واصلت قوات الدعم السريع هجومها الواسع، وتقدمت نحو منطقة “أم صميمة” 25 كم شرقي المدينة، لتنجح عقب معارك عنيفة في السيطرة عليها، فيما تراجع على إثرها متحرك “الصياد” والقوة المشتركة وكتائب البراء إلى تخوم مدينة الأبيض.

مركبات قتالية تتبع للدعم السريع في أحد محاور القتال بإقليم كردفان

وأعلن الناطق الرسمي باسم الدعم السريع، المقدم الفاتح قرشي، في بيان اطلعت «الجماهير» على نسخة منه، أن تحرير قواته لمناطق “الدبيبات والحمادي والخوي وأم صميمة” يُعدّ تطورًا استراتيجيًا وإنجازًا ميدانيًا بالغ الأهمية ونقطة حاسمة في سير المعارك.

وكشف قرشي أن معارك كردفان، قد أسفرت عن “خسائر كارثية” في صفوف الجيش وحلفائه، تجاوزت (2300) قتيل، مع الاستيلاء على أكثر من (300) عربة قتالية مكتملة العتاد، ومدرعات ودبابات ومدافع ثقيلة، إضافة إلى كميات ضخمة من الذخائر.

وكان الجيش وحلفائه قد سيطروا على مدينة “الخوي” في 11 مايو الجاري، ثم “الحمادي” بعد يومين من ذلك، و”الدبيبات” في 23 من ذات الشهر، بينما خسرت قواته هذه المناطق خلال أقل من 24 ساعة أمام عناصر الدعم السريع، إلى جانب منطقة “أم صميمة”.

عربة قتالية مصفحة غنمتها قوات الدعم السريع من الجيش وحلفائه أثناء المعارك بكردفان

دلالات سيطرة الدعم السريع على خمس مناطق دفعة واحدة:

وفي سياق دلالات المتغيرات العسكرية الكبرى التي تطرحها معارك كردفان المفصلية، أشار مراقبون إلى أن الانتصارات الأخيرة لقوات الدعم السريع تؤكد تطور وتعاظم القدرات العسكرية لهذه القوات، خاصة وأن الهجوم كان مسبوقًا بضربات دقيقة عبر المسيرات الاستراتيجية.

وفي ذات السياق، قال الباحث والمحلل السياسي، على عثمان جاد الله، لـ«الجماهير»، إن مناطق جنوب الأبيض، الدبيبات، الحمادي، وكازقيل، تُعدّ من المناطق التي يصنفها جيش البرهان على أنها موطن لمجتمعات موالية للدعم السريع، تحديدًا قبائل “الحوازمة”، ومن هنا حرصه على السيطرة عليها.

وتابع، أن ذات التحليل ينطبق على مدينة “الخوي”، وأن أهميتها كمنطقة حيوية تتأتى من أنها تُمثل مدخلًا لمناطق شمال كردفان والشمالية وغرب كردفان، وأهم مورد لتجميع الضأن والإبل.

استولى عناصر الدعم السريع على عدد كبير من المركبات القتالية المصفحة والدبابات والمدرعات

وحدد جاد الله عددًا من الأسباب التي دفعت الدعم السريع إلى استعادة هذه المناطق، حيث أكد أن السيطرة على هذه المدن تهدف إلى تعظيم نطاق المؤيدين، وحماية القيادات والمواطنين الموالين للقوات، وإحكام السيطرة على كردفان ودارفور.

ووفقًا لجاد الله، فإن العملية العسكرية الكبرى بإقليم كردفان تعد بمثابة عودة الدعم السريع لإحكام سيطرته على كردفان ودارفور وتوسيع نطاق السيطرة على “متحرك الصياد” الذي تم تجهيزه لهجوم كردفان ودارفور.

وأوضح جاد الله، أنه، وعقب انسحاب الدعم السريع من عدة مناطق، خاصة سنار والجزيرة والخرطوم، نظرًا لدخول عوامل عسكرية جديدة أهمها استخدام الأسلحة الكيماوية، فإنها اضطرت لاختيار ميدان معركة آخر وهو كردفان.

دبابة تابعة للجيش جرى تدميرها في معارك كردفان

تدمير القوة الصلبة لمتحركات الصياد والقوة المشتركة:

وحول المتغيرات العسكرية، قال القيادي الميداني بقوات الدعم السريع، محمد نور، في تصريح حصري لـ«الجماهير»، إن المعارك الأخيرة بمناطق “الخوي والدبيبات والحمادي وكازقيل وأم صميمة”، كانت مفصلية؛ حيث أسفرت عن القضاء على القوة الصلبة لكل من متحرك “الصياد” بقيادة جودات ومتحرك آخر للقوة المشتركة بقيادة عبد الله جنا.

ووفقًا لنور، فإن قواتهم كانت قد حشدت عدة متحركات نوعية بقيادة كل من علي رزق الله “السافا”، وماكن الصادق، وحسين برشم، والنور القبة، وآخرين، وذلك من أجل القضاء على متحركات “الصياد” والمشتركة التي كانت تحاول الوصول إلى دارفور بغرض فك حصار مدينة الفاشر.

القائد الميداني بالدعم السريع، الجنرال “برشم أب شنب” وسط عناصر من قواته

وكشف النور لـ«الجماهير» أن الهجوم الواسع الذي شنته قوات الدعم السريع في عدة محاور، كان مصحوبًا بتغطية جوية من المسيرات، وهو الأمر الذي سهل كثيرًا من مهمتهم، حيث نجحت المسيرات في تحييد عدد من المدافع والمدرعات التي كانت تعزز دفاعات الجيش المتقدمة.

وأكد نور، أن قواتهم قد غنمت كميات كبيرة من عربات الدفع الرباعي المجهزة بالمدافع المضادة للدروع والدوشكات، وعددًا آخر من الدبابات والمدرعات والمصفحات، وأن المئات من جنود الجيش والحركات قد لقوا حتفهم وآخرين وقعوا أسرى.

وحول خطوتهم القادمة، صرح نور بأن تأمين المدن التي تمت السيطرة عليها هي الأولوية الحالية لهم، وكذلك المزيد من إعادة الترتيب للتجهيز لعمليات عسكرية كبرى، والتي تشمل مدينتي الأبيض وكوستي.

القائد الميداني الجنرال ماكن الصادق

المواجهات البرية هي الفيصل:

ووفقًا لعلي جاد الله، فإن سيطرة الدعم السريع على خمس مناطق دفعة واحدة، تشير إلى أنه وعقب تحييد سلاح طائرات الجيش وضرب مستودعات الوقود وانسحاب الدعم السريع من الخرطوم، أصبحت المواجهة البرية في المناطق المفتوحة هي السبيل الوحيد لحسم المعركة عسكريًا.

ويبرر جاد الله ذلك بأن الملاحظ هو أن جميع التشكيلات العسكرية لجيش البرهان، خاصة مشاته من الكتائب الإسلامية الموالية له والحركات المسلحة، كانت قد ظلت تحشد من كل المناطق في كردفان؛ وذلك ما يؤكد أنهم لا يملكون غير الحسم البري.

ويُحاجج جاد الله على أن ما يثبت أن المواجهات البرية ستكون الفيصل في هذه الحرب، هو أن قوات الدعم السريع والإدارة المدنية التابعة لها، قد أعلنت حالة الاستنفار في عدة ولايات، وبالتالي أصبحت المواجهة العسكرية هي سيدة الموقف.

مصفحة استولى عليها عناصر الدعم السريع

وأشار جاد الله إلى أن قوات الدعم السريع قد جهّزت عدة متحركات تمكنت من خلالها السيطرة على مواقع استراتيجية مهمة حول الأبيض في بضع ساعات.

ووفقًا لحديثه، فإن قوات الدعم السريع باتت تحاصر الآن مدينة الأبيض الاستراتيجية المهمة، حيث ترتكز على بعد 50 كم منها في ثلاثة اتجاهات: الشمال، الجنوب، والغرب، ما عدا منطقة الرهد.

ورجح جاد الله، أنه، وفي حال سيطر الدعم السريع على الرهد، فقد تصبح الأبيض والقوة التي حشدها البرهان في مهب الريح.

معارك كردفان ومستقبل حكومة تحالف “تأسيس”:

أوضح علي جاد الله أن حكومة “تأسيس” تقترب من التحقق يومًا بعد يوم، خاصة بعد عزل حكومة بورتسودان التي تستخدم الأسلحة الكيميائية المحرمة دوليًا، وبعد تدمير المطارات وخروج الموانئ من الملاحة الدولية.

وبحسب رأيه، فإن الخلافات التي تضرب تحالف البرهان والحركات المسلحة والميليشيات القبلية، تجعل إعلان حكومة “تأسيس” وشيكًا، خاصة وأن هناك تأييدًا شعبيًا كبيرًا لها.

إحدى المدرعات التي غنمها عناصر الدعم السريع من الجيش خلال معارك كردفان

وتابع جاد الله، أن ما يؤكد قربها هو أن عدة مظاهرات ومواكب قد خرجت تدعو إلى تشكيل الحكومة وإعلانها، خاصّة وأن المواطنين قد فقدوا الخدمات التي تقدمها الدولة لمدة عامين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى