تقرير: محمد صالح البشر تريكو
الشكوى من التهميش في السودان لم تتوقف عند حدود التمثيل السياسي أو التوزيع الاقتصادي للموارد، بل امتدت إلى مؤسسات الدولة المدنية والعسكرية، حيث ظل السودانيون، منذ عقود، يتحدثون عن اختلال واضح في توزيع الوظائف والرتب، وعن تفاوت في فرص الوصول إلى مواقع القيادة داخل مؤسسات الدولة.
وفي الخدمة العامة، ترسخت لدى قطاعات واسعة من السودانيين صورة مفادها أن المناصب القيادية في المؤسسات الحكومية، من مدير المؤسسة إلى رئيس القسم، تذهب في الغالب إلى أبناء مناطق بعينها، بينما تترك الوظائف الدنيا والدرجات العمالية لأبناء مناطق الهامش.
ولم يكن الوضع مختلفاً داخل المؤسسة العسكرية؛ إذ ظل ضباط من مناطق بعينها يتولون مواقع القيادة، بينما تشكل قطاعات كبيرة من الجنود من أبناء دارفور وكردفان وجبال النوبة ومناطق أخرى، الأمر الذي خلق، بحسب منتقدين، فجوة في التمثيل داخل هرم القيادة العسكرية، وأثار على مدى عقود أسئلة حول قومية الجيش وعدالة فرص الالتحاق بالكلية الحربية والترقي إلى الرتب العليا.
*اختلال قديم داخل المؤسسة العسكرية
ويربط مراقبون بين هذه الاختلالات وبين عدد من الاحتجاجات والتمردات التي شهدتها المؤسسة العسكرية منذ عقود.
وتشير روايات تاريخية إلى أن جنوداً من مناطق غرب السودان نفذوا أول عصيان عسكري لهم في مدينة جوبا خلال ستينيات القرن الماضي، احتجاجاً على ما وصفوه بممارسات عنصرية داخل المؤسسة العسكرية، بعد واقعة تعرض أحد زملائهم للإهانة على خلفية انتمائه الجهوي.
وبحسب هذه الروايات، تطورت تداعيات الواقعة إلى احتجاز عدد من الضباط داخل مساكنهم، قبل أن تفضي الأحداث لاحقاً إلى ظهور أول مجموعة مسلحة معارضة للجيش في دارفور، عُرفت باسم حركة سوني، والتي طرحت، ضمن مطالبها، قضية المساواة في فرص الالتحاق بالكلية الحربية أمام أبناء الإقليم.
ويعيد هذا التاريخ إلى الواجهة سؤالاً ظل حاضراً في السودان منذ الاستقلال: هل يمكن بناء جيش قومي في ظل اختلال التمثيل الجغرافي والإثني داخل مؤسسات القيادة العسكرية؟
*الترقية والتأهيل.. عقدة داخل الجيش
يقول العميد معاش صالح بخيت إن المؤسسة العسكرية تعاني من اختلال كبير في مسألتي التأهيل والترقية، مشيراً إلى أن غالبية الضباط ينحدرون من مناطق الشمال والخرطوم، في مقابل وجود أعداد كبيرة من الجنود المنحدرين من مناطق النوبة ودارفور وكردفان.
ويرى بخيت أن استمرار هذا الوضع يخلق تفاوتاً داخل المؤسسة العسكرية، ليس فقط على مستوى الرتب، وإنما أيضاً في فرص الوصول إلى مراكز القرار والقيادة.
ويضيف أن تجاوز الحروب والانقسامات في المستقبل يتطلب التوافق على جيش واحد، يتم اختيار طلاب الكلية الحربية فيه وفق معايير تضمن التمثيل العادل لمختلف أقاليم السودان، بما في ذلك اعتماد نسب تراعي التوزيع الجغرافي والسكاني للمناطق التي ظلت تشكو من ضعف تمثيلها في الكلية الحربية.
*حادثة تعيد الجدل حول التمييز
ويستشهد بخيت بحادثة وقعت داخل القيادة العامة في عام 2008، عندما كان رقيب معاش من قبيلة المسيرية في كردفان يتردد على القيادة للمطالبة باستحقاقاته المالية، لكنه واجه، بحسب روايته، مماطلة من بعض الضباط المسؤولين عن الشؤون المالية.
ويقول إن الرقيب لاحظ في الوقت ذاته صرف مستحقات لأشخاص آخرين، مستفيدين ــ بحسب اعتقاده ــ من وجود أقارب لهم من الضباط داخل المؤسسة العسكرية.
وبعد فشله في الحصول على مستحقاته، أغلق الرقيب المكتب وأشهر سكيناً في مواجهة الضباط، وظل الموقف قائماً لساعات قبل أن تتدخل القيادة لصرف مستحقاته.
ويرى بخيت أن الواقعة أعادت إلى الأذهان حوادث سابقة داخل المؤسسة العسكرية، من بينها ما جرى في جوبا خلال فترة الديمقراطية الثانية، عندما احتج جنود على ما وصفوه بممارسات عنصرية من جانب بعض الضباط.
*هواجس داخل صفوف الضباط
من جانبه، يروي المقدم يحيى موسى آدم، بحسرة، ما يصفها بأنها معاناة يواجهها ضباط من الأقاليم الأخرى داخل المؤسسة العسكرية.
ويقول إن بعض الضباط الأعلى رتبة يتعاملون بحذر مع الضباط الأدنى رتبة المنحدرين من مناطق مهمشة، خشية أن يمتلك هؤلاء شبكة من الأقارب داخل المؤسسة يمكن أن يستعينوا بها في حال نشوب خلاف أو احتكاك بشأن الأوامر والتعليمات العسكرية.
ويرى آدم أن معالجة مثل هذه الإشكالات تتطلب تأسيس جيش قومي يكون الانضمام إليه متاحاً لجميع السودانيين، بعيداً عن النظرة الجهوية أو القبلية، وبما يضمن أن تكون الكفاءة والانضباط والتأهيل هي المعايير الأساسية للتجنيد والترقية وتولي مواقع القيادة.
*ما بعد حرب 15 أبريل
وعلى الرغم من المطالبات المتكررة، منذ استقلال السودان، ببناء جيش قومي موحد، ظلت قضية إعادة هيكلة المؤسسة العسكرية محل خلاف سياسي ومجتمعي واسع.
وأعادت حرب 15 أبريل بين الجيش وقوات الدعم السريع القضية إلى صدارة النقاش من جديد، في ظل مطالبات بإعادة هيكلة المؤسسة العسكرية، وضمان قوميتها على مستوى القيادة العليا والرتب المختلفة.
وكان رئيس هيئة الأركان، الفريق ياسر العطا، قد أشار في تصريحات إعلامية إلى استعداد المؤسسة العسكرية لإجراء هيكلة على أساس قومي، بما في ذلك اعتماد معيار الثقل السكاني في القبول بالكلية الحربية.
لكن الانتقال من التصريحات إلى بناء مؤسسة عسكرية قومية يظل مرتبطاً، في نظر كثيرين، بإصلاحات أوسع تشمل معايير التجنيد والقبول بالكلية الحربية، ونظم الترقية والتأهيل، وتوزيع المناصب القيادية، إلى جانب إخضاع المؤسسة العسكرية لمعايير مهنية وقانونية تضمن عدم تحولها إلى أداة لصالح مجموعة جهوية أو سياسية بعينها.
«تأسيس» يطرح رؤية لجيش وطني جديد
وفي السياق ذاته، أجازت الهيئة القيادية لتحالف السودان التأسيسي «تأسيس»، في اجتماعها المنعقد أمس الثلاثاء بمدينة نيالا، رؤية التحالف لتحقيق السلام العادل والمستدام، ومعالجة جذور الأزمة السودانية والقضايا المصيرية.
وتضمنت الرؤية، بحسب ما أُعلن، مشروع تأسيس جيش وطني جديد، باعتباره أحد الملفات المرتبطة بمعالجة جذور الصراع وبناء الدولة السودانية.
وتضع هذه الرؤية قضية الجيش في قلب النقاش حول مستقبل الدولة، خصوصاً أن تجارب السودان خلال العقود الماضية أظهرت أن غياب التوافق حول شكل المؤسسة العسكرية ودورها وعلاقتها بالسلطة السياسية ظل أحد العوامل التي ساهمت في استمرار الصراعات والانقلابات والحروب.
جيش واحد.. ولكن بأي معايير؟
لا تبدو مهمة بناء جيش وطني واحد في السودان مجرد عملية دمج للقوات الموجودة على الأرض، فالتحدي الأكبر يتمثل في إعادة بناء الثقة داخل المؤسسة العسكرية نفسها.
فالجيش القومي لا يقاس فقط بتوحيد الزي والرتبة والسلاح، وإنما بمدى شعور الجندي والضابط بأن المؤسسة التي ينتمي إليها تمثله، وأن فرصه في التدريب والترقية والوصول إلى مواقع القيادة لا تحددها قبيلته أو منطقته الجغرافية أو صلاته السياسية.
ويحتاج الوصول إلى هذه الغاية إلى اتفاق وطني واضح حول معايير التجنيد والقبول بالكلية الحربية، والتمثيل الجغرافي، والترقي، وتولي المناصب القيادية، إلى جانب ضمان المهنية والحياد السياسي والمساءلة القانونية.
وفي بلد أنهكته الحروب والانقسامات، قد لا يكون السؤال فقط: كيف ندمج الجيوش والقوات المختلفة في مؤسسة واحدة؟ بل أيضاً: كيف نبني مؤسسة يشعر جميع السودانيين بأنها جيشهم، لا جيش منطقة أو قبيلة أو جماعة سياسية؟
فالوصول إلى جيش وطني واحد لن يتحقق بمجرد جمع السلاح تحت قيادة واحدة، وإنما بإعادة تعريف العلاقة بين المؤسسة العسكرية والدولة والمجتمع، على أساس المواطنة المتساوية، والعدالة في الفرص، والمهنية، والتمثيل العادل لجميع أقاليم السودان.





