تقرير – الجماهير
عاد «عوض الكريم أحمد» إلى الخرطوم، حاملاً أشواق ثلاثة أعوام إلى منزله وحيّه وجيرانه، ووصل إلى «الصحافة» شرق الخرطوم ليلاً. لم يتفاجأ كثيراً بما فقده من أثاث وأجهزة كهربائية، لكنه لم يكن مستعداً لتقبّل حقيقة انعدام الخدمات من مياه وكهرباء وصحة.
في الوهلة الأولى، ظن أن الظلام مؤقت، وأن التيار الكهربائي قد يعود في أي وقت، كما كان يحدث قبل الحرب. لكن في صبيحة اليوم التالي، اكتشف أنه سيعيش بلا كهرباء إلى أجل غير مسمى، كما أخبره بعض جيرانه.
تجرع عوض صدمة الواقع المرير، لكنه لم يكن يعلم أنه عاد من جحيم اللجوء إلى جحيم أكثر قسوة، جحيم الظلام والعطش والأمراض وغلاء المعيشة.
ويروي عوض لـ«الجماهير» أنه قرر العودة بعد لجوء امتد ثلاث سنوات، بناء على ما كان يبثه الإعلام الحكومي الكاذب ، من أن الخرطوم استعادت عافيتها، وأن الحياة أصبحت رغدة لمن يتمكن من إنشاء مشروع صغير. إلا أنه عاد ليصطدم بما وصفه بـ”أكاذيب المروجين”، حيث لا حياة ولا خدمات، فيما تحلّق الأسعار عالياً، الأمر الذي اضطره إلى العودة إلى «مصر» واصفاً الحياة هناك بأنها أكثر سهولة من السودان.
بداية معاناة جديدة
لم تكن العودة إلى الخرطوم بالنسبة لملايين السودانيين نهاية رحلة النزوح، بقدر ما تحولت لدى كثيرين إلى بداية جديدة لمعاناة مختلفة. فبعد سنوات من اللجوء والانتظار، عاد مواطنون من مصر وأوغندا ودول أخرى، محملين بأشواق استعادة حياتهم وبيوتهم، ليجد بعضهم مدينة مثقلة بالدمار، وخدمات أساسية متعثرة، وأسعارا أنهكت القدرة الشرائية وامراض مستشرية ومهدده للحياة.
الجنيه يتراجع.. والأسواق تعيد تسعير الحياة
وتزامنت عودة الآلاف إلى السودان مع استمرار تراجع قيمة الجنيه السوداني أمام الدولار، الذي سجل في سبتمبر مستويات تجاوزت 7,000 جنيه للدولار، ولامست في بعض التعاملات 8,000 إلى 9,000 جنيه للدولار في السوق الموازية، الأمر الذي انعكس على تكلفة النقل والسلع المستوردة ومدخلات الإنتاج.
وباتت الأسواق تعيش حالة من التسعير المتحرك، إذ يمكن أن يتغير سعر السلعة خلال أيام قليلة، بينما يفضّل بعض التجار الاحتفاظ بالبضائع انتظاراً لتحرك سعر الصرف.
مواجهة وضع معقد
ويواجه العائدون وضعاً معيشياً بالغ التعقيد، بعد ارتفاع سعر جوال السكر زنة 50 كيلوغراماً إلى نحو 290,000 جنيه سوداني، فيما بلغ سعر جوال الدقيق زنة 50 كيلوغراماً نحو 140,000 جنيه سوداني.
وسجل سعر جوال العدس زنة 20 كيلوغراماً نحو 200,000 جنيه سوداني، بينما بلغ سعر جوال الفول المصري زنة 20 كيلوغراماً نحو 310,000 جنيه سوداني.
وارتفع سعر لتر زيت الطعام إلى نحو 21,000 جنيه سوداني، فيما سجل سعر كيلوغرام اللبن البودرة نحو 40,000 جنيه سوداني.
أما المياه، فقد بلغ سعر برميل المياه نحو 15,000 جنيه سوداني في بعض مناطق الخرطوم التي تعاني من انعدام الكهرباء وتعطل محطات المياه.
مدينة بلا روح
ويروي «حسين فتح الرحمن» وهو موظف بمرفق حكومي، أنه هرب من الحرب إلى مصر برفقة أسرته، لكنه قرر العودة إلى منزله في الشهر الثاني من خروج الدعم السريع من الخرطوم، بعدما سئم قسوة اللجوء، بحسب ما يروي لـ”الجماهير”.
ويمضي «حسين» قائلاً إنه عند عودته إلى الخرطوم وجد الوضع مختلفاً تماماً عما روج له في وسائل التواصل الاجتماعي. فقد وجد الظلام يخيم على أغلب أنحاء المدينة، قبل أن تعود الكهرباء بعد عام من عودته.
ويقول إن التأقلم مع الوضع المعيشي أصبح صعباً للغاية، وإن العائدين يواجهون معاناة تفوق، في بعض جوانبها، ما عانوه في دول اللجوء، من صعوبة بالغة في الحصول على عمل، وعدم توفر مدارس في مناطق قريبة من مساكنهم، ما يضيف أعباءً جديدة على الأسر العائدة من اللجوء.
خدمات غائبة وأسعار صادمة
ويواجه العائدون واقعاً خدمياً هشاً، مع انقطاعات متكررة للكهرباء والمياه، الأمر الذي يضاعف معاناة الأسر، خصوصاً المرضى الذين يحتاجون إلى حفظ أدوية حساسة في ظروف مناسبة.
كما أصبحت العودة بالنسبة إلى كثيرين أشبه بالبدء من الصفر، منزل يحتاج إلى إعادة تأهيل، ومستلزمات معيشية يتعذر تعويضها، ودخل لا يواكب ارتفاع أسعار السلع والخدمات.
عودة تنتهي بنزوح جديد
وتكشف قصة «ميساء عبد الرحمن» جانباً آخر من المعاناة. فبعد ثلاثة أشهر فقط من عودتها إلى الخرطوم، اضطرت إلى مغادرة البلاد مجدداً برفقة أسرتها، متجهة إلى الإمارات، بسبب تدهور الخدمات الصحية وصعوبة الحصول على العلاج والأدوية.
وتقول ميساء لـ « الجماهير» إنها كانت تنتظر لحظة العودة إلى بيتها بكل لهفة وشوق، لكنها اصطدمت عند عودتها ومعايشتها للواقع بصدمة دفعتها إلى اتخاذ قرار العودة إلى الإمارات.
وتضيف” تكلفة الإعاشة في السودان أعلى بضعفين من الإمارات، إلى جانب شح وغياب الخدمات الأساسية وانقطاع التيار الكهربائي” . وتتابع ” إلى جانب صعوبة المعيشة وارتفاع الأسعار، وجدنا صعوبة في الحصول على مدارس لأبنائنا”
وهكذا تحولت عودة ميساء، التي كان يفترض أن تكون خاتمة للنزوح، إلى “نزوح عكسي” فرضته ظروف المعيشة والعلاج والمدارس والخدمات.
التعليم العالي في مواجهة واقع الحرب
وألزمت السلطات مؤسسات التعليم العالي بالعودة إلى مقارها الأصلية وإيقاف أنظمة ومراكز التعليم البديلة، في خطوة تستهدف استعادة النشاط الأكاديمي. غير أن الجامعات تدخل هذه المرحلة وهي تعاني أضراراً في البنية التحتية ونقصاً في الكوادر والموارد، فيما يجد آلاف الطلاب أنفسهم أمام تحديات جديدة تتعلق بالسكن والتنقل وتوفير الاحتياجات اليومية.
ولم يسلم طلاب المدارس من تداعيات العودة. فقد وجد طلاب وأسر أنفسهم أمام ضرورة قطع عشرات الكيلومترات للوصول الى مدراسهم في احياء بعيدة ، في وقت لا تزال فيه ظروف العاصمة غير مستقرة.
وتشتكي أسر عديدة من ارتفاع تكلفة استمرار أبنائها في المدارس، فضلاً عن بُعدها عن مناطق السكن، خصوصاً في أحياء شرق الخرطوم، حيث لا تزال مئات المدارس متوقفة عن الدراسة، ما يضطر الأسر إلى البحث عن مدارس بعيدة عن مساكنها.
العودة وحدها لا تكفي
ويرى اقتصاديون أن استعادة السيطرة على المدن لا تعني تلقائياً استعادة الحياة الطبيعية. فالمواطن الذي يعود يحتاج إلى منزل صالح للسكن، ومياه وكهرباء، وعلاج وتعليم، وأسواق قادرة على توفير الاحتياجات بأسعار يمكن تحملها.
عودة عشوائية
ويقول الخبير الاقتصادي د. «الحاج إبراهيم» إنه مع تدفق أعداد كبيرة من السودانيين إلى الخرطوم، تبرز الحاجة إلى ربط ملف العودة ببرامج فعلية للتعافي وإعادة الإعمار، حتى لا تتحول العودة الطوعية إلى محطة جديدة في رحلة المعاناة.
ويمضي إبراهيم في حديثه لـ”الجماهير” قائلاً إن آلاف العائدين من اللجوء كانوا يتمتعون بفرص عمل في دول اللجوء، توفر لهم ما يغطي احتياجاتهم من السكن والغذاء والتعليم، وبالتالي كان هناك استقرار نسبي، لكن عودتهم أفقدتهم تلك الميزة، وفوجئوا بعدم توفر فرص عمل في السودان، بالتزامن مع ارتفاع أسعار السلع والخدمات، ما اضطر بعضهم إلى العودة مرة أخرى إلى بلدان اللجوء.
فالعودة إلى الوطن قد تنهي الغربة، لكنها لا تنهي النزوح فعلياً ما لم يجد العائد وطناً يستطيع أن يعيش فيه.





