رأي

شيخ الدين محمد على يكتب : أصالة الجذور وخوارزميات العصر

​في قرى دارفور ومدنها حيث تتقاطع خطوط الذاكرة مع جغرافية الصبر والجمال ظلت الحكاية تُروى تحت ظلال أشجار الهجليج والدوم وتتوارث الأجيال قيم الكرم والشجاعة والشهامة غير أن العالم اليوم لم يعد يُدار بحكايات الجدود حول النار بل بات محكوماً بالخوارزميات تلك الشفرات الرقمية الصامتة التي تقرر ما نراه وما نستهلكه وحتى كيف نشعر وأمام طوفان العولمة الجارف.

والعولمة هي جعل الشيء عالميَ الإنتشار وهي سلاح ذو حدين فهي تتيح فرص التطور والتواصل واكتساب المعرفة، لكنها في الوقت نفسه قد تهدد الخصوصيات الثقافية والهويات المحلية للشعوب إذا لم تُستغل أدواتها بحذر ووعي.

وبنا عليه تقف الثقافة المحلية الدارفورية أمام اختبار وجودي حقيقي إما أن تذوب في قوالب النمذجة الرقمية الموحدة أو أن تستلهم جذورها العميقة لتفرض حضورها في خريطة الإنسانية المعاصرة.

​حين نتأمل حكمة الأجداد في بيئة دارفور يبرز المثل الشعبي الشهير ” الما بعرفك بجهلك”

هذا المثل البسيط في ألفاظه العميق في دلالاته يختصر مأزق الثقافة المحلية في عصر الخوارزميات فعندما تغيب سردياتنا وتراثنا عن المنصات الرقمية الكبرى يتحول أبناء الجيل الجديد إلى مستهلكين لثقافات وافدة لا تشبههم وكأن العالم الرقمي يقول لهم بفجاجة ” نحن لا نعرفك إذن أنت غير موجود “

إن التراث الدارفوري ليس مجرد فلكلور استعراضي يُعرض في المناسبات انما هو منظومة قيم كاملة تتجلى في النحاس الذي يعلن الفزع والنفير للخير وفي طقوس العمل الجماعي التي توثق أواصر التكافل وفي إبداعات الحكامات والشعراء الذين يحفظون تاريخ القبائل وأنسابها ومواقفها هذه الذاكرة الحية تواجه اليوم خطراً مزدوجاً خطر الإهمال المادي بفعل ظروف الحرب والنزوح وخطر التسطيح الرقمي بفعل محتوى الترفيه السريع الذي لا يحترم عمق التاريخ.

​الهوية ليست متحفاً مغلقاً نُغلق عليه الأبواب  هي نار شبتها أجيالنا وعلينا ألا نتركها تنطفئ في مهب ريح الشاشات الخادعة إذ تدفعنا خوارزميات منصات التواصل الاجتماعي نحو ثقافة الاستهلاك السريع حيث تُختصر هوية الشعوب في مقاطع فيديو قصيرة مجردة من سياقها التاريخي والإنساني وفي دارفور حيث تتعدد الثقافات وتتداخل اللغات والأزياء التقليدية الغنية بألوانها ودلالاتها.

نرى محاولات خجولة لتوثيق هذا الجمال لكنها تفتقر إلى الدعم المؤسسي والتقني الذي يحميها من التحريف أو الاندثار وهنا يصدق قول أهلنا “اليد الواحدة ما بتصقّق”

إن حماية الهوية المحلية لا يمكن أن تنهض بها جهود فردية معزولة بل تحتاج إلى تضافر وعي المجتمع بأسره مع أدوات التكنولوجيا الحديثة بدلاً من أن نقف في موقف الضحية أمام العولمة يمكننا تحويل هذه الأدوات الرقمية إلى منصات لنشر قصصنا وتوثيق لهجاتنا وإبراز فنوننا التشكيلية والموسيقية للعالم أجمع.

​إن هذا الطوفان الرقمي يتزامن اليوم مع حركة الشتات والنزوح الواسعة التي فرضتها الأزمات المتلاحقة حيث أصبحت الذاكرة الدارفورية تُحمل في صدور أبنائها المهاجرين كوطن بديل يعبر الحدود والمحيطات لقد تحول الشتات على قسوته إلى أرشيف متجول يمارس فيه الشباب والنساء طقوسهم ويروون حكاياتهم في منافيهم البعيدة مخترقين العزلة ومثبتين أن الهوية ليست جغرافية جغرافية ثابته انما هي جينات ثقافية قادرة على التجذر في كل أرض غير أن هذا التمدد في الفضاءات الرقمية والمهجر يجلب معه تهديداً ناعماً آخر يكمن في مخاطر الاستيلاء الرقمي على التراث حين يُنهب الفن الموسيقي كإيقاعات النحاس والرديف أو تُجرد الأزياء التقليدية من روحها الإنسانية لتُعرض كسلع استهلاكية باهتة تُنسب لغير أصحابها في غياب التوثيق الرقمي لحقوق الملكية الفكرية لحراس هذا التراث الأصليين.

​ولأجل هذا فإن الرد على العولمة لا يكون بالتقوقع والرفض الأعمى بل بتوطين التقنية وتوجيهها نحو أفق المستقبل تماشياً مع الحكمة القائلة القديم “أصلك والجديد لباسك” وهذا يتطلب الشروع في بناء مقاومة رقمية واعية تُترجم من خلال توثيق التراث الشفاهي وأشعار الهدايين وحكم الحكامات في قواعد بيانات ومكتبات صوتية ومرئية مفتوحة إلى جانب تمكين جيل الشباب في المهجر والداخل لصناعة محتوى رقمي حديث من أفلام وثائقية وتصاميم ثلاثية الأبعاد وتقنيات ذكاء اصطناعي تُنعش التاريخ وتفرضه في خوارزميات البحث وتضمن التسويق الإلكتروني الحافظ لكرامة الحرفيين في صناعة الجلود والنحاس والفخار.

​إن خوارزميات العولمة قد تستطيع أن تفرض نمطاً استهلاكياً موحداً على العالم لكنها تعجز عن صناعة روح حقيقية وإن عراقة دارفور بتاريخها النابض وتضاريسها المفعمة بالحياة وأمثالها التي تقطر حكمة قادرة على مقاومة رياح النسيان شريطة أن ندرك جميعاً أن الحفاظ على الهوية وتوثيقها في الشتات والرقميات ليس ترفاً بل هو طوق النجاة الأخير لنعرف من نحن وإلى أين نحن منتمون.

ولعلنا إن أمعنا النظر نجد أن الشتات والنزوح الذي تفرضه قسوة الحرب قد تحول بطريقة ما إلى “بذرة” جديدة تنتشر في مهب الريح لتنبت في كل أرضٍ طيبة؛ فصار أبناء دارفور سفراءً لهويتهم في المهاجر البعيدة. إن حراسة الذاكرة اليوم لم تعد تقف عن حدود حراسة النار في القرى، بل تقتضي تأسيس “متحف افتراضي جماعي” يجمع شتات الحكاية، ويحمي الإيقاع من التحريف، ويثبت للعالم الرقمي أننا هنا.. باقون بأصالتنا، متجددون بروح العصر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى