*سألني أحد أبناء القبيلة…*
وهو يقلّب صفحات التقرير الاستقصائي،
وبعد أن قرأ مقال صديقنا الكاتب الغديني،
ثم تابع الرسائل الأربع وقراءاتها:
*قل لي يا ود سهل…*
*هل الذين يشير إليهم التقرير، وأشار إلى ظلالهم وأفعالهم الخبيثة في ملخصه، دون أن يشير إلى أسمائهم، هل هم أنفسهم من تتداولهم المجالس باسم «الشياطين الـ 13»؟*
نظرت إليه،
وابتسمت بمرارة،
ثم أجبته:
يا أخي، إن *«الشياطين الـ 13»* ليسوا مجرد أرقام تُتداول في المجالس؛
*بل هم كما وصفهم صديقنا عمار الغديني بصدق بليغ:*
*«ليسوا 13 رجلاً…*
*بل 13 شيطاناً بهيئة أبناء عمومة!*
*لا يظهرون في النور لأن النور يحرقهم.*
*ولا يواجهون الرجال لأن المواجهة تفضحهم؛*
*مهنتهم واحدة:*
*يزرعون الفتنة في الصباح،*
*ويصلون العشاء معنا في المساء!»*
*«هم عصبة تتوزع الأدوار بينهم بخبث؛*
*شيطان يكتب التضليل.*
*وشيطان يمول الخراب.*
*وشيطان ينقل الكلام والإحداثيات.*
*وشيطان يحلف كذباً على براءته.*
*وشيطان يبيع ذمته وفاءً للمنصات ببضع “لايكات”!*
*لا يملكون قبيلة فأرادوا أن يهدموها.*
*ولا يملكون تاريخاً فأرادوا تشويهه.*
*ولا شجاعة لهم فاستأجروا ألسنة المغيبين!»*
*لله درك يا صديقي العزيز،*
*فقد هالتني هذه العبارة (لا يملكون قبيلة فأرادوا أن يهدموها) والتي فسرت لي كل ما يحدث، والدوافع له، فهذه فعلاً صفات المنبتين.*
ولكن،
إن كانت مجالسك يا صديقي قد حصرتهم في ثلاثة عشر،
فإن ما وثقته دفاتر التقرير الاستقصائي المضمّخة بالدماء الزكية يشير بوضوح إلى *الشياطين الـ 17.*
*وعلى رأسهم جميعاً الشيطان الرجيم “إبليس اللعين”؛*
*كبيرهم الذي علّمهم السحر.*
يقف يوجّههم منذ هزيع الفجر الأخير ليرسلهم خفافاً وثقالاً يعيثون في “المزروب” فساداً.
*وهؤلاء الـ 17 يعرض التقرير تفاصيل أفعالهم وأدوارهم وتحريضهم.*
ويُترك أمر كشف أسمائهم صراحةً للقضاء العادل لينطق كلمته الناجزة فيهم.
وقد أشار التقرير إلى أن الشر لا يُقاس بعدد أصحابه.
وأن الجريمة لا تبدأ دائماً من اليد التي تضغط الزناد.
قد تبدأ قبل ذلك بكلمة.
بفكرة.
بتحريض.
بمعلومة تنتقل من مجلس إلى مجلس.
أو بضمير يقرر أن يصمت…
في اللحظة التي كان ينبغي أن يتكلم فيها.
ولعل السؤال الأهم ليس: من هم الثلاثة عشر؟
بل: كيف يصبح الشر فكرةً…
ثم خطاباً…
ثم تحريضاً…
ثم فعلاً؟
فعلاً تترتب عليه دماء…
لا يستطيع أصحابها إعادتها إلى عروقها.
وكيف يشارك إنسان في صناعة الكارثة…
ثم يعود إلى حياته كأن شيئاً لم يكن؟
ويظن أن الزمن قادر على محو ما تركته أفعاله؟
*لكنني أعجبتُ بفطنة صاحب التسمية في اختياره للرقم 13.*
*لأن للرقم 13 دلالات كثيرة؛*
ففي الفنادق يتخطونه إلى الرقم التالي لأنه نذير شؤم،
وله رمزية السوء والمكر والخديعة في المجالس.
*
*شؤم الرقم (13) ورمزية المجالس*
لم يكن شؤم الرقم (13) في وجدان الشعوب وتاريخها وليد وهمٍ عابر؛
بل هو امتداد لرمزية غائرة في الذاكرة الإنسانية تتلخص في أبعاد أربعة:
*أولها* أنه الرقم الذي ينكسر عنده التوازن، فالرقم (12) ظلّ رمزاً للكمال والانتظام (في الشهور والساعات والبروج)، بينما يأتي (13) ليعلن الفوضى وخراب النظام المستقر.
*وثانيها* دلالته في الموروث الديني المرتبط بيهوذا، الشخص الثالث عشر في العشاء الأخير، رمز الغدر والوشاية وبيع الذمم.
*وثالثها* الأساطير القديمة التي تجعل من الضيف رقم (13) مقتحماً لمجالس الصلح والنور ليحيلها مأتماً.
*ورابعها* ارتباطه التاريخي في المخيال الشعبي بالتجمعات السرية لعصبة الشر والدسيسة في الظلام.
*
*الشياطين الثلاثة عشر… الاسم الذي سبق الحكاية*
في المجالس…
لا تولد الألقاب من فراغ.
تولد من خوف.
أو من غضب.
أو من حكايات تراكمت…
ولم يجد أصحابها إلا أن يختصروها في اسم واحد.
ثم يشيع الاسم… فيصير أحضر من الحكاية التي أنجبته.
*ومن هنا جاءت تسمية «الشياطين الثلاثة عشر».*
ولهذا لا أعدّهم ثلاثة عشر.
الذين رصدهم التقرير… سبعة عشر.
ولا علم لي بذلك العدد الذي تتداوله المجالس.
فلا يظنّنّ من تسمّيهم المجالس بهذا الاسم… أنني ألمح إليهم.
*ومن تحسّس رأسه… فذلك شأنه مع ضميره.*
لكن الاسم الشعبي…
يكشف حالة المجتمع النفسية…
ولا يغني عن الوثيقة.
واللقب يختصر غضب الناس…
ولا يصلح وحده دليلاً في قضية دم.
بين ما يتداوله الناس وما يُثبت أمام القضاء مسافة…
لا تُردم بالعاطفة… مهما كانت مفهومة ومشروعة.
وليس كل من خاف من اللقب معنياً به.
وليس كل من ابتسم له بريئاً أو مذنباً.
لكن من يعرف ما فعله… إن كان فعل شيئاً…
لا يستطيع أن يجعل من غموض الاسم ستاراً يمحو الوقائع.
الناس قد تختلف في الألقاب.
أما الأفعال… فلها آثار.
والآثار تُفحص.
والوقائع تُراجع.
والمسؤولية يحددها الدليل.
ولهذا لا أبحث عن ثلاثة عشر اسماً أضعها في مواجهة القارئ.
أبحث عن السؤال الذي يجعل كل إنسان يراجع علاقته:
بالفعل الذي ارتكبه.
أو الكلمة التي قالها.
أو المعلومة التي نقلها.
أو الصمت الذي اختاره…
حين كان الكلام واجباً.
*
*مردة الجان وأسماؤهم… حين يتحول الخيال إلى مرآة*
منذ أقدم العهود ظل الناس يتداولون صوراً لحكايات الشر…
أراد الإنسان للشر صورةً يتخيلها.
فظهرت الشياطين…
ومردة الجان…
والعفاريت.
وتعددت أوصافها وأسماؤها باختلاف البيئات والروايات.
وكانت وسيلة لتجسيد ما يخشاه الناس:
قوة خفية.
غواية.
إفساد.
أو خروج على النظام الذي يحفظ حياتهم.
وفي ذاكرتنا السودانية… كما في غيرها…
تتجاور الحكاية الدينية مع الخيال الشعبي.
وأسماء هذه الكائنات ليست قائمةً واحدة متفقاً عليها.
فلا يصح أن نجمع ما تفرق في الروايات… ثم نقدمه حقيقةً ثابتة.
*وهنالك أسماء كثر وردت في الأثر وكتب القصص والمخيال الشعبي، نستعرضها مرايا للطبائع… لا أشخاصاً بعينهم:*
1. *إبليس:* رأس الغواية وكبير الشياطين ومعلّمهم السحر، الذي قال: ﴿لأغوينّهم أجمعين﴾.
2. *زَلَنْبُور:* «صاحب الأسواق» في بعض الروايات، يدخل أول داخل ويخرج آخر خارج، حيث تُباع الذمم وتُشترى، وحيث يُجعل من الدم والخراب سوقاً ومكاسب رخيصة، يحسبون ما يربحونه من قرب السلطة، وما يخسره الناس من أرواحهم وأمنهم لا يدخل في حساب البيع والشراء.
3. *ثَبْر:* «صاحب المصائب» كما يُروى، يُغري بشقّ الجيوب ولطم الخدود ودعوى الجاهلية.
4. *الأعور:* «صاحب الزنا الذي يزيّنه»، باثّ الفواحش وإشاعة الرذيلة وتخريب الروابط الأخلاقية بين المجتمعات، وهو ماهر في أن يُري الباطل في ثوب الحق والقبيح في ثوب الجميل، ويزيّن لهم أنهم يفعلون هذا حفظاً للأمن والوطن، ويدعهم يقولون: «إنما نحن مصلحون»، ولو قيل إن الجرائم تُرتكب باسم الوطن لما وجدت عبارة أكذب وأكثر استعمالاً من هذه.
5. *مَسْوَط (ويُقال: مَبْسُوط):* «صاحب الأخبار الكاذبة والشائعات»، يأتي القوم بالكذبة فيحملونها عنه، ويسمعها الرجل فيزيد عليها ثم يرسلها، فقد ملأ صفحات الناس وهواتفهم بالكذب. سمّى الأعزل مقاتلاً، والمصلح جانياً، وصانع الصلح حليفاً للعدو، ثم نشر ذلك على الملأ حتى صار الكذب «معلومة» يتناقلها الناس بلا فحص.
6. *دَاسِم:* الذي يدخل البيت بلا تسمية فيفرّق بين الأهل والإخوان. فرّق بين ابن العم وابن عمه، وبين الخال وابن أخته، وجعل رابطة الدم تخسر أمام رابطة التنظيم، حتى رأينا من يبكي أخاه الشهيد في العلن ويسير في ركاب من تشير إليهم أصابع الاتهام في السر.
7. *خَنْزَب:* الذي يلبّس على المصلّي صلاته حتى يظن وقوفه خشوعاً وهو غافل، ويقف في الصف الأول للخطابة، ويبكي في أول سرادق للعزاء بخشوع المتصنّعين، وصلّى على الجنائز وفي صدره حسابات لا يعرفها المصلّون جواره.
8. *وَلَهَان:* «صاحب الوسواس» الطاغي في الطهارة والعبادات والنية وسلب الطمأنينة.
9. *مُطَوِّع:* موجّه الخطايا والفتن في ثوب الناصح الأمين والموجّه المرشد.
10. *الخنّاس:* الذي ذكره القرآن: ﴿من شرّ الوسواس الخنّاس﴾، يوسوس بالشر ثم ينسحب إذا ذُكر الله. وهو كل من أشار بالشر ثم توارى، وترك الأيدي الصغيرة في الواجهة تدفع الثمن، وبقي هو في الظل يراقب ما أنجزه وسواسه، فإذا ذُكر الحساب سُمع له همس وغاب عن الصورة.
11. *الأخرس:* في المأثور: الساكت عن الحق شيطان أخرس. وهو كل من علم ولم يقل، وعرف ولم يشهد، وسمع الصرخة وأدار وجهه. لم يطلق رصاصة، لكنه أعان الرصاص بسكوته، ولبس الحياد ثوباً وهو يعلم أن الحياد في مقتل الأبرياء انحياز.
12. *صَعْلُوق:* «مدّعي الإحاطة»؛ كل من زعم أنه أعلم الناس بكل شيء، فألبس الباطلَ ثوب الحجة، وسخّر بيانه لخدمة الجناة وطمس الدماء. والعلم الذي لا يُنصف مظلوماً هو جهل وهو لا يدري.
13. *بت إبليس الكبرى:* وكان بين أولئك الشياطين امرأة لم تشأ أن تبقى في الصفوف الخلفية، فجلست بينهم كأنها ليليث المجلس، توزّع الهمس وتبارك الخراب وتعدّ الضحايا أرقاماً لا لزوم لوجودها. وتزعم بعض الروايات الشعبية أن هذه الشيطانة كانت قرين أم جميل (أروى بنت حرب بن أمية) أخت أبي سفيان، وزوجة أبي لهب (حمّالة الحطب) التي ورد ذكرها في القرآن.
*نعم،*
هذا ما ورد في المخيال الشعبي وفي الأثر: هؤلاء الثلاثة عشر.
وإن لم يكونوا هم أنفسهم من يعنيهم صاحب التسمية،
فلعلّ لكل منهم قريناً من جنسهم، يجري منه مجرى الدم ويأمره فيفعل.
فلكل إنسان قرين من الجن، والمثل يُضرب فيمن لا يفارق صاحب القرار.
وفي صحيح البخاري: «ما بعث الله من نبي ولا استخلف من خليفة إلا كانت له بطانتان: بطانة تأمره بالمعروف وتحضّه عليه، وبطانة تأمره بالشر وتحضّه عليه».
وبطانة السوء هي كل من لازم الكبار ولقّنهم، وزيّن لهم الدم والخراب، وكان هو الأذن التي يسمع بها الحاكم ما يحب لا ما يجب.
وتبقى هذه الأسماء… صحّ بعضها أم لم يصح…
*مرايا لأخلاق… لا لأشخاص، لكن من وجد مقاسه وأراد أن يلبس فليلبس.*
فما احتاج أحدهم أن يكون من الجن ليطير أو ليكون شيطاناً.
قال العليم الخبير: ﴿شياطين الإنس والجن﴾.
وبدأ بالإنس.
بل وقد قال الحق سبحانه وتعالى:
*﴿وَلَقَدْ ذرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ ۖ لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَّا يَسْمَعُونَ بِهَا ۚ أُولَٰئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾*
*وفي المزروب…*
فقد عقدت شياطين الإنس، في تقديرنا، مؤتمراً مع شياطين الجن ودبرت المكيدة ثم نفذت الجريمة.
حيث بقيت أسماء الرجال التسعة عشر شاهدةً على فاجعة السابع عشر من أكتوبر 2025…
فلا غرابة أن أصبح كثير من السودانيين يصفون حزب المؤتمر الوطني بحزب الشيطان.
*
*ما فعلوه بالمزروب*
في هذا المقال،
أنا لا أريد أن أريكم أسماءً مجردة.
فالأسماء شأن القضاء.
أريد أن أُريكم الأعمال…
فهي التي تتحدث عنها الإفادات، وينتظر بعضها التحقق.
وفي القرآن مشهد قديم…
أحبه كلما نظرت في هذه القضية.
كانت الشياطين تقعد من السماء مقاعد للسمع، تسترق الأخبار.
ثم جاء زمن:
﴿فمن يستمع الآن يجد له شهاباً رصداً﴾.
المسترق للسمع… يُرجم بالشهاب.
أما في المزروب…
فقد انقلب المشهد.
وهذا، بحسب ما ترجّحه الإفادات التي يجري التحقق منها:
استرقوا السمع حيث لا يحق لهم.
وأرسلوا الخبر.
وأرسلوا الإحداثيات.
وأرسلوا المواضع.
وكانوا في الظاهر من القوم.
ثم أنزلوا الشهاب.
لا على المسترقين…
بل على قوم كانوا يتلون القرآن… ويُصلحون ذات البين.
*وكانت آخر كلمة قالها كبير القوم…*
دعاءً… أن يُنزل الله السلم والأمن على السودان.
*
*إبليس… كبيرهم، وحين يصبح الإغواء أخطر من الفعل*
في التصور الديني…
لا تقوم قصة إبليس على القوة وحدها.
تقوم على الكبر… والرفض… والإغواء.
هو النموذج الذي يضع الغرور في مواجهة الحق.
ويزين الباطل… حتى يراه الإنسان صواباً.
ويدفعه إلى تبرير ما كان ينبغي أن يرفضه.
وفي هذا المعنى قيمته الرمزية في مقالنا.
إبليس هنا رمز… لا اسم.
*رمز للقائد الكبير… الذي يخطط لهم.*
ويدفعهم.
ويعلّمهم.
يسمعون كلامه… ويحتكمون إليه.
وه وهو قائد العمل… ولو توارى عن الأنظار.
وهو أيضاً صورةٌ للإغواء حين يصبح منهجاً.
وللكبر حين يتحول إلى قرار.
وللشر حين يقنع صاحبه… أن ضميره عبء ينبغي التخلص منه.
فكم من فعل بدأ بفكرة قيل لصاحبها إنها ضرورة؟
وكم من خصومة اتسعت… لأن أحدهم أقنع آخر أن إهانة الخصم انتصار؟
وأن الانتقام وفاء؟
وأن إسكات الصوت المخالف حماية للجماعة؟
وكم من كلمة خرجت من مجلس… وانتقلت إلى مجلس… حتى عادت إلى صاحبها أمراً لا يعرف أحد من أين بدأ؟
لا يحتاج المُغوي دائماً إلى سلاح.
تكفيه كلمة يزرع بها الكراهية.
أو رواية يقدمها على أنها حقيقة.
أو معلومة يمررها في توقيت يعرف أثره.
أو تبرير يجعل الظلم… دفاعاً عن قضية.
وأخطر ما في الإغواء…
أنه لا يقول للإنسان: افعل الشر.
يقول له: أنت لا تفعل شراً.
أنت تحمي جماعتك.
أو تسترد حقك.
أو تنفذ واجباً.
أو تمنع خطراً.
وهكذا يتسلل التبرير إلى الضمير…
حتى يصبح السؤال عن أخلاق الفعل… نوعاً من الخيانة.
لكن الدم لا يقرأ البيانات التي تبرر سفكه.
والضحية لا تستعيد حياتها… لأن أحداً أقنع نفسه أن ما حدث كان ضرورياً.
وما يبدو بطولةً في لحظة التعصب…
قد يظهر بعد انكشاف الحقيقة جريمةً… لا تنفع معها كثرة المبررات.
فحين نستحضر إبليس في المزروب…
نستحضر سؤال الإغواء والمسؤولية:
من الذي أقنع من؟
ومن الذي أرسل؟
ومن الذي وسوس؟
ومن الذي علّم؟
وما الذي قيل؟
وما الذي ثبت؟
وهل كان هناك تحريض أو توجيه أو مشاركة؟
هذه أسئلة لا تجيب عنها الأساطير.
تجيب عنها الوقائع… التي يجري التحقق منها.
*
*أبو رغال وأبرهة… حين يصبح الدليل طريقاً إلى الهدم*
ولا يستقيم حديث عن الخيانة بغير أبي رغال، دليل أبرهة لهدم الكعبة.
فارتبط اسمه في الذاكرة الشعبية:
بالخيانة…
بالدلالة على موضع يريد الآخرون الاعتداء عليه،
حتى أصبح رمزاً للخيانة عندما يشارك في صنع الكارثة…
لكن أبا رغال لم يكن صاحب الحكاية.
كان دليلاً… والدليل لا يمشي إلا أمام من استأجره.
أما صاحب الحكاية… فأبرهة.
جاء أبرهة بجيشه وفيله إلى بيتٍ لم يبنِه، ليهدمه، ويصرف الناس عنه.
ولم يكن ليبلغ الطريق… لولا رجلٌ من القوم يعرف الدروب، ويدلّ على الموضع.
ثم هلك أبو رغال في الطريق…
وظلّ الناس يرجمون قبره جيلاً بعد جيل، علامةً على الخيانة.
وأما أبرهة وجنده، فقال الله فيهم:
﴿ألم يجعل كيدهم في تضليل﴾.
﴿وأرسل عليهم طيراً أبابيل﴾.
﴿فجعلهم كعصف مأكول﴾.
هناك… أُرسل الطير على من جاء يهدم.
وهنا… أُرسل الشهاب من السماء على من جاء يُصلح.
وكذلك في المزروب…
من أراد أن يهدم بيتاً… لا يكفيه السلاح.
يحتاج إلى دليلٍ يعرف الدروب.
وإلى لسانٍ يُلبس الأمر ثوباً غير ثوبه.
وإلى ذمّةٍ تُباع.
وإلى رأسٍ يوزّع الأدوار.
*وهذا الرأس هو الذي نسمّيه: أبرهة.*
وأبرهة عندنا ليس اسماً نذكره.
*إنه اللقب الثاني لكبيرهم الذي سمّيناه في صدر المقال: إبليس اللعين*.
اسمان لوجهٍ واحد:
*إبليس… حين يُغوي ويعلّم ويزيّن.*
*وأبرهة… حين يأمر ويُسيّر ويهدم.*
ولهذا نقولها بوضوح:
ما جرى في المزروب لم يكن أعمالاً متفرقة.
كان بناءً… له أساس… وله أعمدة… وله رأس.
والدليل عمود.
والكذّاب عمود.
والمبرِّر عمود.
وفوقها كلها، في تقديرنا، رأسٌ واحد… يوزّع الأدوار.
ويفتح الأبواب.
ويمنح الإذن.
*هذا الرأس، في تقديرنا، هو ما نسمّيه: أبرهة المزروب.*
*ومن أراد أن يهدم المزروب فهو كأبرهة حين جاء يهدم بيت الله*.
أن يهدم الأصل…
وأن يصرف القلوب عنه…
وأن يُقيم على أنقاضه ما يشاء.
ولن يجد من يمشي أمام جيشه… إلا أدلاء من أهل الدار.
لكن الذي نعلمه… ويعلمه كل من قرأ سورة الفيل:
*أن للبيت ربّاً يحميه.*
مات أبو رغال واندثر جيش الفيل،
وبقيت “الرغالية” مرَضاً يسري في دماء كل من يرشد الطائرات والمسيرات إلى صدور أهله ويبيع دماء القادة والنظار بثمن بخس.
فيا من أرسل الإحداثيات ونقل المواضع، إن كان بينكم من فعل:
تعلّموا من سوء خاتمة أبي رغال…
فالخائن يخسر في الدنيا والآخرة، ولا يربح سوى خزي العار الأبدي.
ولا ينال من خيانته إلا لعنة قومه وأهله ولعنة الله والمسلمين إلى يوم الدين.
ولا نظنه غريباً عن قائمة الشياطين التي استعرضناها.
فهو ابن «دَاسِم»… الذي دخل البيوت بلا تسمية ففرّق بين ابن العم وابن عمه.
وتلميذ «زَلَنْبُور»… الذي جعل من الدم سوقاً.
فهو الوجه الرابع عشر في عدّ المرايا… شيطان الدلالة.
لا لأن اسمه في قائمة الجن… بل لأن عمله عملهم.
فما فعل الشيطان يوماً أكثر من هذا:
دلّ… وزيّن… ثم تبرّأ.
*
*مسيلمة الكذاب*
وحين يتعدد تجار الخيانة والكذب،
فإن الخيانة لا تقف عند حدود الدلالة على الطرق؛
بل يتبعها بهتان عظيم وكذب فاجر يحاول طمس الحقيقة وتزييف وعي الأمة.
وهنا يبرز في مجالسنا وجه “مسيلمة الكذاب” المعاصر؛
ذلك الذي لم يكتفِ بالتواطؤ في العتمة.
بل خرج على الناس في وضح النهار وداخل سرادقات العزاء وأمام جموع المعزين.
ليحاول تغطية قرص الشمس بكفه.
وينفي عمّن تشير إليهم الإفادات مسؤوليتهم.
زاعماً بكل وقاحة ما تنفيه الإفادات والقرائن.
قبل أن يلقمه الشرفاء حجراً ويدحضوا بهتانه.
ويكشفوا زيف دعواه.
ومسيلمة هذا ليس صامتاً في المجتمع.
هو فاعل… له منبر… وله مجلس… وله من يصدّق عنه ويردّد.
وهذا ما يجعله أخطر من كذّابٍ عابر.
فالكذبة التي تخرج من فمٍ لا يسمعه أحد… لا تقتل.
أما الكذبة التي تخرج من منبرٍ يصدّقه الناس… فقد تُغلق على الحقيقة باب التحقيق.
وكذلك كان مسيلمة الأول:
ادّعى ما ليس له… فتبعه قوم… وسُفكت بسببه دماء كثيرة.
فيا من تجمعون بين:
“أبي رغال” في خيانة الأهل.
و”مسيلمة” في الكذب الفاجر على دماء الشهداء:
تعلّموا أن التاريخ لا ينسى.
وأن الكذب والتستر على الجاني في واقعة الموت هو أبشع أنواع الشراكة في الجريمة.
وليس هذا قياساً بعيداً.
فقد قال العليم الخبير:
*﴿وكذلك جعلنا لكل نبي عدواً شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً﴾.*
يوحي بعضهم إلى بعض… زخرف القول.
وهذا مسيلمة:
زخرف القول… ينفي به ما تشير إليه الإفادات من مسؤوليات.
وهو «مَسْوَط» الذي ملأ الصفحات بالكذب.
وهو «الأعور» الذي زيّن الباطل في ثوب الحق.
فهو الوجه الخامس عشر في عدّ المرايا… شيطان الكذب.
وبه تكتمل عدّة المرايا:
ثلاثة عشر في القائمة…
وأبو رغال… الرابع عشر.
ومسيلمة الكذاب… الخامس عشر.
خمسة عشر وجهاً من وجوه الشر… لا خمسة عشر شخصاً.
ومن فوقهم كلهم كبيرهم… الذي سمّيناه إبليس… وسمّيناه أبرهة.
دليلٌ يدلّ.
وكذّابٌ يكذب.
وصعلوقٌ يُجمّل بالحجة ما لا يجمّله عقل.
ورأسٌ يأمر.
وهكذا… يُبنى كل خراب.
*
*الشر الذي يرتدي ثياب الولاء*
هنا نغادر الأسطورة…
إلى أكثر مناطق الحكاية حساسية:
علاقة الإنسان بالجماعة التي ينتمي إليها.
والحزب الذي يؤيده.
والقيادة التي يثق بها.
والمصلحة التي يخشى فقدانها.
فالانتماء في أصله ليس جريمة.
والانتماءات السياسية والتنظيمية حق… ما دامت تمارس في إطار القانون.
والقبيلة الواحدة تتسع لأحزاب وتيارات ورؤى مختلفة.
دون أن يتحول الاختلاف إلى خصومة في الدم… أو إلى محكمة جماعية تُدان فيها الأسماء قبل الأفعال.
لكن الولاء يصبح خطراً حين:
يطلب من الإنسان أن يعطل ضميره.
أو يتحول الدفاع عن التنظيم إلى تبرير لكل ما يصدر عن بعض أفراده.
أو يُقدَّم الصمت عن الظلم باعتباره وفاءً… وتُقدَّم مساءلة المسؤول باعتبارها خيانة.
وأخطر الأقنعة…
ليس القناع الذي يخفي الوجه.
بل القناع الذي يخدع صاحبه أولاً.
حين يقتنع أن مصلحة جماعته أعلى من حق الآخرين في الحياة.
أو أن خصمه لا يستحق الحياة التي يستحقها سائر البشر.
فقد بدأ رحلةً خطرة… قبل أن يرتكب أي فعل يستوجب المساءلة.
عرض التقرير معلومات ومواد وجداول…
تطرح أسئلةً عن أدوار تستحق الفحص.
لكن وجود اسم في جدول لا يساوي إدانة.
ووجود انتماء لا يثبت فعلاً.
والتقاطع بين شخص وواقعة لا يكفي وحده لإثبات المسؤولية.
المطلوب:
أن تُفحص كل واقعة في سياقها.
وأن يُمنح كل طرف حقه في الرد والدفاع.
وأن تكون النتيجة بيد القضاء.
وفي المقابل…
هذا الحرص على عدم التعميم لا ينبغي أن يصير ستاراً يحجب الأسئلة المشروعة.
فكما لا يجوز اتهام بريء بلا دليل… لا يجوز تعطيل التحقيق في واقعة جدية… لمجرد أن السؤال عنها يزعج بعض الناس.
وليس الولاء الحقيقي أن تحمي المخطئ من السؤال.
الولاء الحقيقي:
أن تحمي الجماعة من أن تتحول إلى غطاء للخطأ.
وأن تمنع جريمة فرد… من أن تصبح وصمةً على مجتمع كامل.
*
*المزروب… حين يصير السؤال أكبر من الأسماء*
في السابع عشر من أكتوبر 2025…
فقدت قبيلة المجانين تسعة عشر رجلاً…
في ضربة المسيّرة التي استهدفت مكان اجتماعهم… بحسب ما يوثقه التقرير.
ولم تكن الخسارة أسماءً تُضاف إلى سجل الموتى.
كانت بيوتاً فقدت رجالها.
وأسراً دخلت زمناً جديداً من الحزن.
ومجتمعاً فقد قياداتٍ كانت تؤدي أدواراً أهلية… في مرحلة تمزقت فيها مؤسسات الدولة بفعل الحرب.
وبعد الفاجعة…
كان يمكن أن يبقى المشهد أسير الصدمة الأولى:
غضب يطلب جواباً سريعاً.
وحزن يبحث عن وجه يحمّله كل شيء.
وشائعات تتكاثر في غياب المعلومات الكاملة.
لكن مسار التوثيق يفرض طريقاً آخر.
أصعب من الانفعال… وأطول من الصرخة:
جمع الوقائع.
وحفظ الإفادات.
وفحص التسجيلات.
ومراجعة الصور والوثائق.
وربط كل معلومة بمصدرها.
ثم تقديم ما يصلح منها إلى الجهات القانونية المختصة.
ومن هنا جاءت الرسائل الأربع… ثم التقرير… ثم القراءتان.
لننقل القضية من مساحة الصدمة… إلى مساحة التوثيق.
فالتقرير ليس محكمة.
والمقال ليس حكماً قضائياً.
والرمز الأدبي ليس دليلاً.
لكن التقرير يضع مواد أمام الرأي العام.
ويحدد أسئلة ينبغي ألا تُهمل.
ويساعد الجهات المختصة على معرفة ما يستحق الفحص…
إذا كانت كل معلومة فيه قابلةً للتحقق… وكل استنتاج منسوباً إلى أساسه.
ومن الأسئلة التي تطرحها القضية:
ما الذي جرى قبل الضربة؟
وما المعلومات التي كانت متاحة لمن اتخذ القرار أو نفّذه؟
وما حقيقة الأدوار التي يتحدث عنها التقرير؟
وهل توجد أدلة على تحريض… أو نقل معلومات… أو مشاركة في قرارات ذات صلة؟
وما الذي يمكن إثباته من التسجيلات والإفادات والمواد الأخرى؟
أما الشهداء التسعة عشر…
فلا يحتاجون أن نحولهم إلى رموز غاضبة كي نحفظ مكانتهم.
تكفي أسماؤهم.
وتكفي حياتهم التي انقطعت.
وتكفي حقوق أسرهم… التي لا يجوز أن تضيع بين الصمت والتجاذب السياسي والاجتماعي.
وأبلغ وفاء لهم:
ليس أن نرفع أصواتنا فوق كل صوت.
بل أن نرفع مستوى الدقة في كل كلمة.
وأن نصون ما توفّر من أدلة.
وأن نرفض الانتقام… كما نرفض التستر.
وأن نطالب بالعدالة… دون أن نمارس ظلماً جديداً.
*
*المساءلة التي يخشاها الظالم… وما يقوله إبليس في النهاية*
هنا نصل إلى المساءلة.
الميزان الذي حضر في الذاكرة الإنسانية أداةً للحساب.
وصار في المخيال الشعبي صورةً ليوم الحساب… التي ينتظرها من يظن الناس أنه أفلت من الحساب.
لكنني لا أستحضرها تهديداً لأحد.
ولا حكماً أصدره على شخص لم يقل القضاء كلمته فيه.
أستحضرها رمزاً لعاقبة الفعل حين تنكشف حقيقته.
وللخوف الذي يولده احتمال المساءلة… عند من يعرف أن وراءه وقائع لم تعد في مأمن من السؤال.
فليس كل من ارتبك مذنباً.
وليس كل من خاف من الاتهام مداناً.
قد يخشى البريء ظلماً لا يستحقه.
وقد يخشى صاحب الفعل أن تظهر الحقيقة.
ولهذا لا تصلح ملامح الوجوه… ولا الهمسات… ولا الألقاب… أحكاماً.
ما يصلح هو الدليل… وما ينتج عن التحقيق العادل.
لكن ثمة فرقاً:
بين الخوف من الظلم…
والخوف من انكشاف الحقيقة.
الأول: خوف إنسان يريد أن يُنصف.
والثاني: إن ثبت ارتباطه بفعل غير مشروع.
خوف من أن يواجه صاحبه ما حاول الإفلات منه.
ولا نستطيع أن نحدد أيهما ينطبق على شخص بعينه… دون معرفة الوقائع والتحقق منها.
فالمساءلة في هذا المقال…
ليست نهايةً نتمناها لأحد.
بل صورة للنتيجة التي يخشاها كل من يظن أنه يستطيع الإفلات من عاقبة فعله.
أما نحن فلا نملك أن نقرر العقوبة.
ولا أن نستبدل بالقضاء رغبتنا في الإنصاف.
نملك أن نوثق.
وأن نسأل.
وأن نحفظ الحقوق.
وأن نتابع الطريق… حتى تبلغ الأدلة الجهة التي تستطيع الفصل فيها.
لم يذكر ملخص التقرير اسماً واحداً.
وهذا ما حيّر كثيرين.
فأصبحوا يتحسسون رؤوسهم.
وكأن كل واحد منهم… يسمع اسمه في كل صفحة.
وسرّ ذلك قاله القرآن قبل أن نقوله.
في مشهد لا يحتاج إلى شرح.
يقف إبليس يوم الحساب… ويقول لأتباعه:
﴿وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي﴾.
﴿فلا تلوموني ولوموا أنفسكم﴾.
وهذا هو المعنى كله.
كبيرهم في المزروب…
مهما ظنّ نفسه محصّناً بالنفوذ والعلاقات…
سيتبرأ منهم عند أول مساءلة.
سيقول: ما أمرتُ.
وسيقول: ما خططتُ.
وسيقول: كنتُ أؤدي واجبي.
وهم… سيبقون وحدهم.
في مواجهة ما فعلوا.
فمن لم يعرف هل ورد اسمه في التقرير…
فليسأل نفسه: لماذا يتحسس رأسه إذن؟
الجواب ليس عندي… ولا في التقرير.
هو في ضميره.
حيث يُكتب الاسم… بحبر لا يُُمحى.
لقد فقدت المزروب في السابع عشر من أكتوبر 2025 تسعة عشر رجلاً طاهراً.
ولن تضيع دماؤهم هدراً.
إننا لا نحاكم باللقب ولا ندين بالنسب.
بل نحتكم إلى الوثيقة والدليل والتحقيق الجاد.
وكما قال صديقنا عمار بملء الفم:
«القبيلة باقية، والـ 13 إلى زوال… فالشيطان قد يوسوس ساعة، لكنه لا يبني بيتاً، ولا يحكم داراً، ولا يترك إلا الرماد.»
أما نحن…
فلا شغل لنا بالليل ولا بالظلام،
فطريقنا واضح وعلني:
القضاء العادل في الداخل والخارج.
والوفاء لدماء الشهداء.
والشهود.
والوثائق.
والصبر.
وما زلنا نكتب.
وما زالت الصفحات تُفتح.
وما زال في الأرض قضاة.
وفي السماء قاضٍ… لا يُخدع.
﴿ولا تحسبنَّ اللهَ غافلاً عمّا يعملُ الظالمون﴾.
*
*من الأسطورة إلى العدالة… عهد لا يتبدل*
وفي المزروب…
لا نحتاج أن نمنح أحداً قروناً أو أجنحةً سوداء حتى نسأل عن مسؤوليته.
يكفي أن نفتح الوثائق.
ونفحص الإفادات.
ونتحقق من التسجيلات.
ونميز بين ما تثبته المواد… وما لا يزال سؤالاً مفتوحاً.
ثم نترك للقضاء أن يحدد المسؤولية وفق القانون.
إن الذين غابوا في ذلك اليوم…
لم يتركوا لنا حقاً في الانتقام.
تركوا لنا أمانةً أثقل:
أن نحفظ أسماءهم.
وأن نصون أسرهم.
وأن نطالب بالحقيقة… دون أن نضيف إلى جراحهم ظلماً جديداً.
أما من يظن أن الصمت يمحو الوقائع.
وأن التخفي يلغي المسؤولية.
وأن الأسماء تُدفن تحت ركام النسيان.
فليتذكر:
الزمن قد يطيل الطريق… لكنه لا يمنح أحداً براءةً من تلقاء نفسه.
البراءة حق.
والإدانة حكم.
وبينهما أدلة وإجراءات… لا يجوز أن يحل محلها لقب أو ظن أو رغبة.
لن نحاكم باللقب… ولن ندين بالنسب.
لكننا لن نتخلى عن الأسئلة التي يطرحها التقرير.
وهكذا نعود إلى السؤال الأول:
هل هم الشياطين الثلاثة عشر؟
لا أملك أن أجيب عن سؤال كهذا باسمٍ أو قائمة.
لكنني أملك أن أقول:
إن كل قضية دم تستحق أن تُفحص حتى آخر تفصيل.
وإن كل شخص يُسأل عن فعله… لا عن نسبه.
وإن كل من تثبت مسؤوليته… يجب أن يواجه ما يقرره القانون.
وفي المزروب…
ستبقى أسماء الرجال التسعة عشر:
أكبر من الألقاب.
وأبقى من الشائعات.
وأثقل من أن تُختصر في حكاية عابرة.
فليختلف الناس كما يشاؤون في أسماء الشياطين وعددهم.
أما الحقيقة… فلها طريق آخر:
يبدأ بالوثيقة.
ويمر بالتحقيق.
وينتهي بالعدالة.
وعند الله تجتمع الخصوم…
.




