تقارير وتحقيقات

كرشوم.. حكاية إدارة ولاية خرجت من تحت ركام الحرب

تقرير:الجماهير

عندما اندلعت الحرب القبلية في ولاية غرب دارفور خلال الفترة من أبريل إلى يونيو 2023، تعرضت الولاية لدمار واسع، وفقدت مؤسساتها الحكومية قدرتها على العمل، وتعرض النسيج الاجتماعي لتمزق عميق، أعقب ذلك مقتل والي الولاية خميس عبدالله أبكر، في تطور زاد من تعقيد الأوضاع الأمنية والسياسية والإنسانية.

في تلك الظروف الصعبة، برزت مبادرة أبناء الولاية، التي ضمت عددا من القيادات المجتمعية والإدارات الأهلية ورجال الدين والأطباء وغيرهم من الشخصيات التي رأت أن ترك الولاية لمصيرها سيقود إلى مزيد من الانهيار.

 وكانت مدينة الجنينة تعيش واقعا أمنيا معقدا، إذ كانت قوات الجيش تسيطر على منطقة أرامتا شمال شرق المدينة، بينما تسيطر قوات الدعم السريع على وسط المدينة وغربها وجنوبها، وكان جسر النسيم يمثل فاصلا بين مناطق السيطرة.

وسط هذا المشهد، اتجهت المبادرة إلى البحث عن شخصية تتولى مسؤولية إدارة الولاية والعمل على إعادة الحياة إلى مؤسساتها، ووقع الاختيار على تجاني الطاهر كرشوم، الذي كان يشغل منصب نائب الوالي. لكنه لم يكن متحمسا لتولي المسؤولية في ظل تلك الظروف، وما كانت تعيشه الولاية من انقسام أمني ودمار واسع وانعدام شبه كامل لمقومات العمل الحكومي.

وبحسب رواية أحد المشاركين في تلك الاجتماعات، عقدت المبادرة نحو تسعة اجتماعات مع كرشوم لإقناعه بقبول المهمة، قبل أن تضع أمامه خيارين إما أن يتحمل مسؤولية إدارة الولاية ويعمل مع أبناء المنطقة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، أو ان يغادر جميع القيادات واسرهم الي معسكرات اللجوء مثل آلاف المواطنين الذين اضطروا إلى مغادرة منازلهم.

وتقول الرواية إن كرشوم تأثر كثيرا خلال النقاشات، حتى إنه بكى قبل أن يوافق على تحمل المسؤولية، لكنه اشترط أن يكون العمل جماعيا، وأن تتوفر موافقة طرفي الصراع، الجيش وقوات الدعم السريع، حتى لا تتحول الإدارة المدنية إلى طرف في المواجهة العسكرية. وبعد اتصالات ومشاورات، وافق الطرفان على توليه المسؤولية في يوليو 2023.

لم تكن أمام كرشوم حكومة جاهزة أو مؤسسات تعمل بصورة طبيعية، ولم تكن هناك مكاتب مجهزة أو موارد مالية تساعده على البدء. لذلك بدأ عمله من تحت شجرة داخل المدرسة الصناعية واتخذ من المكان مكتبا لإدارة شؤون الولاية، في مشهد يعكس حجم الانهيار الذي خلفته الحرب، لكنه في الوقت نفسه حمل رسالة بأن إعادة بناء المؤسسات لا تحتاج دائما إلى إمكانات كبيرة بقدر ما تحتاج إلى إرادة وعمل.

وفي تلك الفترة، ظهرت مبادرات شبابية ومجتمعية عديدة، من بينها مبادرة شباب من أجل إنقاذ الجنينة، التي شاركت في تنظيف المؤسسات الحكومية وإزالة آثار الدمار، خاصة أن عددا من هذه المؤسسات كان قد تحول إلى مراكز لإيواء النازحين منذ عام 2020. وبدأ الشباب والمتطوعون في إعادة تأهيل المرافق الحكومية، في محاولة لاستعادة الحد الأدنى من مظاهر الحياة العامة.

خلال الفترة الممتدة من يوليو إلى أكتوبر 2023، واجهت إدارة كرشوم تحديات أمنية وسياسية كبيرة، في ظل توتر العلاقة بين الجيش وقوات الدعم السريع، إلى جانب وجود مجموعات مسلحة التابعة لتحالف السودان الذي كان يقوده خميس كندم وتشكيلات قبلية داخل مدينة الجنينة. وكانت الأوضاع تتسم بهشاشة أمنية واجتماعية، الأمر الذي جعل إدارة الولاية مهمة بالغة التعقيد.

أمام هذه الظروف، لم يكتف كرشوم بإدارة شؤون الولاية من مكتبه، بل كان يحرص على التحرك وسط المواطنين، ويجوب شوارع المدينة صباحا بسيارته، كما شارك بنفسه في الدوريات الليلية، في محاولة لطمأنة السكان والحد من الانفلات الأمني. وكانت تلك التحركات تعكس طبيعة الإدارة التي حاولت أن تكون قريبة من المواطنين، رغم محدودية الإمكانات وصعوبة الظروف.

وفي أكتوبر 2023، تجددت المواجهات العسكرية في محيط مقر قيادة الجيش بمنطقة أرامتا، وانتهت بسيطرة قوات الدعم السريع على المنطقة ومقر القيادة. وخلال تلك الأحداث، اختار كرشوم البقاء داخل أحد شوارع أرامتا لمدة أربعة عشر يوما، رغم المخاطر الأمنية، إلى أن بدأت المنطقة تستعيد قدرا من الاستقرار.

وعلى المستوى الإداري، اتجه كرشوم إلى الاستفادة من الكوادر الحكومية الموجودة داخل الولاية، وكلف معظم كبار الموظفين بتسيير أعمال الوزارات والمحليات وفقا للتدرج الإداري، في ظل غياب الموارد المالية والميزانيات التشغيلية. وقد تطوع عدد من العاملين لمواصلة أداء مهامهم دون رواتب أو معينات، انطلاقا من قناعتهم بضرورة المحافظة على ما تبقى من مؤسسات الدولة.

ولم تقتصر تحركاته على الجوانب الإدارية والأمنية، بل حرص على الوجود وسط المواطنين في مناسباتهم الاجتماعية، فكان يشاركهم الأفراح والأتراح، ويزور الرياضيين في الملاعب، ويتواصل مع التجار في الأسواق، ويناقش معهم التحديات الاقتصادية والمعيشية. كما كان يحذر من استغلال الأوضاع الاستثنائية لتحقيق أرباح غير مشروعة على حساب المواطنين.

وفي القطاع الزراعي، أولى اهتماما خاصا بالمزارعين، وزار عددا من المناطق الزراعية، وشكل لجانا لحماية الموسم الزراعي، بهدف تأمين المزارعين ومساعدتهم على مواصلة نشاطهم من مرحلة الزراعة وحتى الحصاد. وكان ذلك جزءا من محاولة الحفاظ على مصادر الغذاء والدخل في ولاية تعتمد قطاعات واسعة من سكانها على الزراعة والرعي والتجارة.

كما تعاملت الإدارة مع ملفات الأمن والعلاقات الخارجية والمنظمات الإنسانية، وحرصت على استمرار التواصل مع المنظمات الأجنبية العاملة في المجال الإنساني، إلى جانب الاهتمام بالعلاقة مع دولة تشاد، خاصة أن الحدود كانت تمثل شريان حياة للمواطنين في ظل إغلاق البوابة الشرقية. وشجع كرشوم سكان المناطق الحدودية على الحفاظ على علاقات جيدة مع المجتمعات التشادية، بما يخدم مصالح السكان ويعزز التعاون بين الجانبين.

وفي الداخل، عمل على توسيع التنسيق مع الإدارات الأهلية والغرفة التجارية والقيادات المجتمعية، باعتبار أن إدارة الولاية في تلك الظروف لا يمكن أن تتم من خلال المؤسسات الرسمية وحدها، بل تحتاج إلى شراكة واسعة مع المكونات الاجتماعية والاقتصادية. كما لم يكن يتعامل بحساسية مع ما ينشره الصحفيون من تقارير أو انتقادات، بل كان يرى أن الإعلام جزء من متابعة الأداء وكشف أوجه القصور.

الكتابة

على صعيد الخدمات الأساسية، شهدت الولاية محاولات لإعادة تشغيل عدد من المرافق الصحية والتعليمية ومحطات المياه، بالتعاون مع المنظمات الإنسانية والمبادرات المجتمعية. ورغم محدودية الإمكانات وحجم الاحتياجات، سعت الإدارة إلى استعادة الخدمات الضرورية، خاصة في ظل الأعداد الكبيرة من النازحين والوافدين إلى الولاية، الذين قدرت أعداد أسرهم بنحو خمسين ألف أسرة، وجدوا في غرب دارفور ملاذا بعد فرارهم من مناطق أخرى تأثرت بالحرب.

وفي قطاع التعليم، جرت جهود لاستئناف الدراسة في مختلف المراحل، وإعادة فتح المؤسسات التعليمية التي توقفت بسبب الحرب، بينما عملت الإدارة على تشجيع المنظمات على التدخل في مجالات المياه والصحة والتعليم، لتخفيف معاناة السكان وتحسين ظروف الحياة في المدينة والمناطق الأخرى.

اقتصاديا، واجهت الولاية تحديات كبيرة مرتبطة بتدهور الأوضاع المعيشية وتقلبات أسعار العملات وارتفاع تكاليف السلع والخدمات. وسعى كرشوم إلى التواصل مع التجار والجهات ذات الصلة للحد من المضاربات في العملات الأجنبية، وتقليل الزيادات غير المبررة في أسعار الصرف، في محاولة لتخفيف الأعباء عن المواطنين الذين أنهكتهم الحرب والنزوح وفقدان مصادر الدخل.

وخلال فترة إدارته، ظهرت مبادرات شعبية ومجتمعية عديدة، كما خرجت تجمعات جماهيرية تطالب باستمراره في موقعه، وتؤكد دعمها للجهود التي بذلت لإدارة الولاية في ظروف استثنائية. ولم تكن تلك التحركات مرتبطة بالجانب السياسي وحده، بل عكست أيضا رغبة قطاعات من المواطنين في الحفاظ على حالة من الاستقرار النسبي، ومواصلة العمل على إعادة بناء المجتمع ومؤسساته.

كما حظيت المبادرات التي استهدفت مكافحة بعض الممارسات الاجتماعية السالبة باهتمام، في إطار محاولات معالجة آثار الحرب على النسيج الاجتماعي، وتعزيز التعايش بين مكونات الولاية. فقد كانت الحرب قد تركت جراحا عميقة، ولم يكن من الممكن إعادة بناء المؤسسات دون العمل في الوقت نفسه على ترميم العلاقات الاجتماعية وبناء الثقة بين المواطنين.

وعلى المستوى السياسي، كان كرشوم من الداعمين لمشروع تحالف السودان التأسيسي “تأسيس”، واعتبر من الشخصيات التي أسهمت في دعمه، انطلاقا من إيمانه بضرورة تغيير طبيعة الحكم في السودان، وإعادة توزيع السلطة والثروة بصورة عادلة، ومنح الولايات والمناطق المهمشة صلاحيات أوسع في إدارة شؤونها. وكان يرى أن استمرار هيمنة المركز على القرار السياسي والموارد يمثل أحد الأسباب الأساسية للأزمات التي ظلت تعاني منها مناطق الأطراف.

ورغم التحديات التي واجهته، لم تكن فترة إدارته خالية من المخاطر الأمنية، فقد تعرضت السيارة التي كان يستقلها للاستهداف من قبل مسيرة تابعة لجيش السوداني في مقر امانة الحكومة وأسفر الحادث عن مقتل عدد من مرافقيه، بينما نجا هو من الحادث. وكانت تلك الحادثة واحدة من الوقائع التي عكست حجم المخاطر التي أحاطت بإدارة الولاية في ظل استمرار الحرب وانتشار السلاح وتعدد القوى المسلحة.

إن تجربة كرشوم في إدارة غرب دارفور تفتح نقاشا أوسع حول قدرة أبناء الولايات والمناطق المتأثرة بالحروب على إدارة شؤونهم بأنفسهم، بعيدا عن انتظار الحلول القادمة من المركز. فإدارة ولاية خرجت من حرب مدمرة، وفي ظل غياب الموارد والمؤسسات، لم تكن مهمة سهلة، كما أن تقييم هذه التجربة ينبغي أن يستند إلى الوقائع والنتائج، مع الاعتراف بحجم التحديات التي واجهتها.

لم تكن الحكاية مجرد تولي مسؤول لمنصب في ظروف استثنائية، بل كانت محاولة لإعادة تشغيل ما توقف، وجمع ما تفرق، وإعادة الأمل إلى مجتمع أنهكته الحرب. فقد بدأ العمل من تحت شجرة، بمشاركة شباب متطوعين وموظفين وقيادات مجتمعية، وبإمكانات محدودة، لكن بإصرار على ألا تظل الولاية رهينة للدمار والانهيار.

قد تختلف الآراء حول تجربة كرشوم، وقد تكون هناك أسئلة مشروعة حول الأداء والقرارات والنتائج، لكن من المهم ألا يتم تجاهل السياق الذي نشأت فيه هذه التجربة، ولا حجم التحديات التي واجهتها. فالحكم على التجارب لا يكون بالشعارات وحدها، وإنما بالنظر إلى الظروف والخيارات المتاحة وما تحقق على أرض الواقع.

وتبقى الرسالة الأهم أن أبناء غرب دارفور، مثل بقية أبناء المناطق المهمشة، يمتلكون القدرة على إدارة شؤونهم والمساهمة في بناء مستقبلهم، متى توفرت الإرادة والفرصة والعدالة في توزيع السلطة والثروة. فإعادة بناء الأوطان لا تبدأ دائما من القصور والمكاتب الفخمة، بل قد تبدأ من تحت شجرة، بمبادرة شبابية، وموظف متطوع، ومواطن يرفض الاستسلام للواقع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى