رأي

عادل ود سهل، يكتب…* *هل اعترف الجيش السوداني باغتيال الإدارة الأهلية لقبيلة المجانين؟*

*نعم…*

هذه هي الإجابة.

ولا أقولها استنتاجاً عاطفياً، ولا انحيازاً للحزن.

أقولها بعد أن قرأتُ الإفادات الواردة في التقرير الذي أصدرته أسر الشهداء.

وقابلتُ بعضها ببعض.

وسألتُها سؤالاً واحداً:

هل تتفق هذه الأصوات على شيء؟

وقبل أن أجيب، لا بد من تحرير المعنى.

الاعتراف ليس بياناً صحفياً.

ولا يشترط منبراً، ولا مؤتمراً، ولا ختماً رسمياً.

هو قول يصدر عن صاحب الشأن، يمسّ مصلحته، فيثبت الواقعة على قائله.

وبهذا المعنى.

ما الذي قاله الجيش؟

وسأسير في الإجابة على درجات.

من الأقوى إلى الأضعف.

ومن الأقرب إلى الأبعد.

وسأُجري على كل درجة المنطق نفسه:

ماذا قيل؟ ولماذا يُعتدّ به؟ وماذا يترتب عليه؟

ولن أذكر أسماء الشهود، حمايةً لهم.

ولن أذكر أسماء الأفراد الذين تناولهم التقرير.

فالمعنى لا يحتاج إلى الأسماء.

🔹

*أولاً: ما قاله مسؤولو الولاية*

ذهب وفد من أبناء القبيلة إلى والي شمال كردفان، وجلسوا إليه أكثر من ساعتين.

وعاد أحدهم بإفادة صوتية.

قال إن ما نقله ليس روايته الشخصية.

وليس تصريحاً رسمياً للرأي العام.

لكنه نقل عن المسؤولين والضباط ثلاثاً:

أن المسيّرة تتبع للقوات المسلحة.

وأن القرار فيها «يصدر من غرفة السيطرة في الولاية».

وأن التنفيذ يتولاه ضباط فنيون صغار.

ثم نقل روايتهم عن الدافع:

لا سوء نية.

ولا تدبير.

والهدف كان الدعم السريع.

وتزامن وجود الوفد مع قرار قديم.

تأملوا ما حدث هنا.

لا أحد في هذا اللقاء قال:

إنها مسيّرة الدعم السريع.

لا أحد نفى أن الصاروخ خرج من الجيش.

اختلفوا في شيء واحد:

النية.

وهذا لبّ المسألة.

من يقول: «أخطأتُ»، فقد قال: «فعلتُ».

ومن يقول: «كان الهدف غيرهم».

فقد أقرّ بأن الضربة خرجت من عنده.

*الدفاع بالخطأ إقرار بالفعل.*

ولننتبه إلى أمر آخر.

حجتهم أن القرار قديم، وأن الضرب بعد دقائق من وصول الوفد دليل على أنه لم يكن قراراً جديداً.

لكن القرار القديم نفسه يحمل سؤالاً:

إن كان الهدف قوات الدعم السريع.

فقد كانت في الموقع قبل وصول الوفد بزمن.

فلماذا لم يُنفَّذ القرار القديم وقتها؟

ولماذا انتظرت الطائرة حتى جلس المدنيون؟

🔹

*ثانياً: شهادة من داخل المؤسسة*

ضابط مدفعية فني في القوات المسلحة، سجّل إفادة صوتية.

يقول فيها:

«المسيّرة التي استهدفت قياداتنا هي مسيّرة القوات المسلحة».

ويقول:

«ومن داخل المؤسسة أقول: الذي استهدف قيادتنا هو الجيش».

ويخاطب «قيادة الأبيض والقيادة والسيطرة» بوظيفتها، لا بأسماء أفرادها.

ويقول إنه ضابط فني يعرف كيف تُدار المسيّرات.

ويرى أن الاستهداف كان مقصوداً.

هذه ليست شهادة قبيلة غاضبة.

هذه شهادة من أهل الصنعة.

ومن يشهد على مؤسسته من داخلها.

يشهد على نفسه قبل غيره.

وهذا ما يرفع قيمة الشهادة في ميزان الإثبات.

🔹

*ثالثاً: ما لم ينفوه*

في إفادة ضمن التقرير يروي أحد أقارب الناظر الشهيد أن ناظر عموم إحدى القبائل الكبرى اتصل برأس الدولة وربطه به هاتفياً.

فكان جواب رأس الدولة، بحسب الإفادة:

«أنا سمعت بهذا الحادث المؤسف، لكن تفاصيله ما عندي».

وأحاله إلى وزير الدفاع ورئيس هيئة الأركان، الذي قال:

«ح نفتح تحقيق».

ثم عاد فقال:

«التحقيق ده هيتعطل لأن الوقت الآن غير مناسب».

وفي أم درمان، قال الشاهد لقائد وفد الجيش الذي جاء للعزاء، إن أهله غاضبون جداً، وإن الطائرة التي ضربت هي طائرتهم.

وسأله:

من أعطى الموقع؟

ومن حدد الهدف؟

ومن أصدر الأمر؟

لم يعترض.

قال:

«أبشر، نحن إن شاء الله ح نوضح الكلام ده».

لم يقل أحد:

بل هي مسيّرة الدعم السريع.

ولم يقل أحد:

لا علاقة لنا بالأمر.

وصف رأس الدولة ما جرى بـ«الحادث المؤسف».

ووعد بتحقيق.

ثم أجّله.

وأرسل الجيش وفداً للعزاء.

والصمت هنا ليس فراغاً.

الصمت هنا موقف.

فمن لا علاقة له بطائرة.

لا يؤجل التحقيق في ضربتها.

🔹

*رابعاً: ما يقوله الناجون*

هنا ننتقل من المسؤولين إلى الجرحى.

خمسة ناجون، كلٌّ يروي من موقعه، بصوته وبلهجته.

وتتفق رواياتهم على أركان الواقعة:

ذهب الناظر والعمد والمشايخ والأعيان إلى مكان اللقاء شرق المزروب، لحل إشكال وقع بين مواطنين وجنود من الدعم السريع.

وجدوا الدعم السريع جالسين تحت شجرة، قبلهم.

رحّبوا بهم، وجلسوا.

وبدأ الأمير يدعو الله أن تقف الحرب وتُحقن الدماء.

وبعد دقائق معدودة، ثلاث في أغلب الروايات، سقط الصاروخ الأول.

وبعده بنحو عشر ثوانٍ سقط الثاني.

ثم أُصيبت السيارات: سيارتا الإدارة الأهلية، وسيارتا الدعم السريع القتاليتان.

ثلاثة أشياء تستحق التوقف.

الأول: التتابع.

ضربتان على المجتمعين بفارق ثوانٍ.

ثم ضربات على السيارات.

هذا ليس انفجاراً عشوائياً.

هذا استهداف متعاقب.

لكل ضربة هدفها.

وبينها زمن يكفي للتحقق.

الثاني: الدقة.

أُصيبت السيارتان المدنيتان والسيارتان القتاليتان.

ولم تُخطئ الضربات هدفاً.

الثالث: الاتفاق.

شهود لم يتشاوروا في لحظة الضربة.

ولا في أماكنهم.

ولا في اللحظات التي تلتها.

يتفقون على التسلسل ذاته.

وقد يختلفون في التفاصيل: كم دقيقة؟ كم صاروخاً؟

وهذا طبيعي عند من عاش الفاجعة.

الاختلاف في التفاصيل لا يطعن في الأصل.

بل يدل على أنهم لم يحفظوا نصاً واحداً.

🔹

*خامساً: السؤال الذي يطرحه الدم*

سقط في الضربة نحو خمسة عشر من الدعم السريع.

بينهم القائد.

ودُمّرت سيارتان قتاليتان لهم.

فهل يقتل أحدٌ قيادته وجنده ليصل إلى مدنيين؟

وهل تفعل قوة ذلك وهي تجلس مع الوفد.

وتستقبله.

وتحاوره؟

ومن هنا قال أكثر من شاهد:

لو كانت المسيّرة للدعم السريع، لما قتلت جماعتها.

هذا منطق بسيط.

لكنه يُسقط الرواية البديلة.

فالرواية التي تنسب الضربة إلى الدعم السريع تحتاج إلى مصلحة، وإلى سبب، وإلى دليل.

ولم يقدم أحد من أصحابها شيئاً من الثلاثة.

وفي لقاء الوفد بوالي الولاية، قال أحدهم للوالي إن الطائرة جاءت من الجيش، لأنها ضربت الدعم السريع أيضاً.

فلم ينفِ الوالي.

قال إن للدعم السريع مسيّرات في المزروب.

فقال له الشاهد:

«اثبت لي الكلام ده».

ولم يأتِ الدليل، بحسب الشاهد.

🔹

*سادساً: ماذا فعل الدعم السريع بعد الضربة؟*

يروي أحد الناجين أمراً بالغ الدلالة.

عناصر الدعم السريع، بعد الضربة، ظنّوا أن الوفد هو من أرسل الإحداثيات.

قال بعضهم: «صفّوهم».

ثم تبيّن لهم أن الناظر والعمد قد ماتوا، وأن الوفد كله سقط.

فتراجعوا.

وقال أحدهم: «خلّوهم».

تأملوا هذا المشهد.

الدعم السريع اتهم الوفد في اللحظة الأولى.

فهو إذن لم يكن يعلم بالضربة.

ولم يكن شريكاً فيها.

ثم رأى أن من نجا يشبهه في المصيبة.

فبقي طرف واحد خارج الدائرة.

طرف لم يُصب، ولم يُقتل، ولم يُدمَّر له شيء.

ومن يبقى خارج الدائرة حين يسقط الجميع داخلها.

فهو الأقرب إلى أن يكون مالك الطائرة.

وقد تأكد هذا من مقاتل في الدعم السريع نشر مقطع فيديو بعد الحادثة.

أفاد بأن المسيّرة كانت حاضرة قبل وصول الناظر.

وأنه وبقية قيادات الدعم كانوا موجودين فلم يُستهدفوا.

فلما وصل الناظر ومن معه، بدأ الهجوم.

🔹

*سابعاً: من يملك الحافز؟*

في كل جريمة سؤال قديم:

من المستفيد؟

وفي هذه الجريمة، من يملك الحافز؟

كان الوفد في مهمة صلح.

وقد تعهّد أعيانه، قبل ساعات، بتهدئة الموقف ودفع الدية، ثم ذهبوا ليلتقوا من وقع بينهم وبينه الإشكال.

فهل للدعم السريع مصلحة في قتل من جاء ليهدّئ؟

وفي قتل قائده وجنده معهم؟

الجواب لا يحتاج إلى تحليل عسكري.

أما من يملك الحافز.

فتكفي الإشارة إلى ما كتبه ونطق به من فرحوا بالنتيجة.

قال أحدهم، مبتهجاً بما جرى، ما معناه:

إن الإدارة الأهلية تجتمع وتأكل وتشرب مع الدعم السريع، فماذا تنتظرون؟

هذه ليست حجة قانونية.

لكنها تكشف الذهنية التي تنظر إلى قبيلة بأكملها بوصفها «متعاونة».

والذهنية التي تُدين قبيلة بالاجتماع مع من يحكم الأرض هي التي تُصدر مثل هذا الأمر.

ويبقى هذا قرينة تحتاج إلى تحقيق.

لا حكماً نهائياً.

🔹

*ثامناً: الطريق الذي وصلت منه المعلومة*

المسيّرة لا تصل وحدها.

لا بد من معلومة تسبقها.

وفي الإفادات حديث متكرر عن بلاغات وتقارير ترفعها عناصر محلية إلى استخبارات الأبيض.

تصف مواطنين بالتعاون مع الدعم السريع.

وتسمّي أشخاصاً.

وفي الإفادات أيضاً رسالة منسوبة إلى أحد المحليين.

فيها أن لديه «مصدراً عسكرياً» أخبره بحركة مسيّرات قبل وقوعها.

وفي الإفادات تهديدات علنية بالذبح والتأديب.

صدرت قبل الجريمة.

لا أقول إن هؤلاء جميعاً شركاء.

أقول إن الطريق المرجّح، بحسب القرائن، هو:

معلومة ترفعها جهة محلية.

تصل إلى استخبارات الأبيض.

تتحول إلى إحداثيات.

وبحسب ما ورد في التقرير من تتبع فني.

أُطلقت المسيّرة من منصة في كنانة.

ثم أُعيد توجيهها من غرفة السيطرة والتحكم في الأبيض.

وتلتقي ثلاثة خيوط عند النقطة نفسها:

التتبع الفني الذي أورده التقرير.

وإفادة الضابط الفني من داخل الجيش.

وما نقله أهل القبيلة عن مسؤولي الولاية:

أن القرار يصدر من غرفة السيطرة.

ثلاث جهات مختلفة المصدر، تشير إلى غرفة واحدة.

وحين تتلاقى الطرق كلها عند عنوان واحد.

يصبح السؤال عن العنوان لا عن الطريق.

🔹

*تاسعاً: السباق على الرواية*

في أول صباح بعد الجريمة، وقف أحدهم في مجلس العزاء بأم درمان.

نفى أن تكون المسيّرة للجيش، ونسبها إلى الدعم السريع.

فردّ عليه آخرون.

قال أحدهم إن الوالي نفسه أقرّ بملكية المسيّرة أمام الوفد.

وقال آخر إن الذي ضرب الإدارة الأهلية هو الجيش، لا الدعم السريع.

وقال ثالث إن من يدافع عن الجيش هنا يريد طمس الحقيقة.

لاحظوا الفرق بين الروايتين.

الرواية الأولى تقول: صدّقونا.

الروايات الأخرى تقول: هذا ما رأينا، وهذا ما سمعنا، وهؤلاء هم الشهود.

والأولى جاءت سريعة، في صباح الجريمة، قبل أي تحقيق.

ومن يسارع إلى نسبة الضربة إلى غيره قبل أن يجف الدم.

إما أنه يعلم.

وإما أنه يخشى أن يُعلم.

وفي الحالتين، السؤال مشروع.

🔹

*عاشراً: من الخطأ إلى المسؤولية*

أسلّم جدلاً برواية الجيش:

قرار قديم.

وضباط صغار.

ولا سوء نية.

وحتى هذه الرواية لا تنجيهم.

من يطلق صاروخاً موجّهاً عالي الدقة عبر شاشة، لا يطلق في الظلام.

المسيّرة ترى.

والغرفة ترى.

والضابط يرى سيارات مدنية، ورجالاً نزلوا للتو تحت ظل الشجر.

والقانون الدولي الإنساني يوجب التحقق من الهدف قبل الضرب.

ويوجب إلغاء الهجوم، أو تعليقه، إذا تبيّن أن فيه مدنيين.

وفي حالتنا، ضربتان متتابعتان بفارق ثوانٍ.

أي أنه يُفترض أن الغرفة رأت الضربة الأولى قبل أن تُطلق الثانية.

فأين الاحتياط؟ وأين التحقق؟

والقصد الجنائي يُستدل عليه بالعلم بالنتيجة.

كما في المادة 30 من نظام روما الأساسي.

ومن يرى النتيجة تقع، ثم يُكمل، فقد قامت قرينة على علمه.

وقرار قديم لا يعفي من يضغط الزر اليوم.

*الخطأ ليس باب الهروب من المساءلة، بل هو أحد أبوابها.*

ويبقى القول الفصل في النية لتحقيق مستقل.

لا لمن يملك الصاروخ.

🔹

*حادي عشر: ما ينتظر التحقق*

في الملف مقطع قصير من داخل غرفة السيطرة والتحكم.

يُسمع فيه سؤال عن الظاهر على الشاشة: «هل هذا الناظر؟».

ثم يأتي الجواب بالتأكيد.

ثم يصدر الأمر.

وأقولها بأمانة: المقطع بحوزة الأسر، ولم يتحقق منه طرف مستقل بعد.

وإن ثبتت صحته فهو أخطر ما في الملف، لأنه يهدم رواية «لا تدبير» من أساسها.

فالتحقق من هوية الهدف قبل الضرب هو بالضبط ما تقول الرواية الرسمية إنه لم يحدث.

لن أبني عليه حكمي.

أضعه على الطاولة، وأنتظر الفحص.

وأقولها بأمانة أيضاً: تفاصيل الروايات قد تختلف.

عدد المسيّرات، عدد الصواريخ، عدد الدقائق، عدد الضحايا.

وهذا طبيعي في الروايات الشفهية.

لكن الأركان لا تختلف:

وفد مدني في مهمة صلح.

قوات الدعم السريع حاضرة.

ضربة بعد دقائق من الوصول.

سقوط الطرفين.

مسيّرات يصفها الناجون بأنها مسيّرات الجيش.

🔹

*الخلاصة…*

هل اعترف الجيش؟

لم يأتِ الاعتراف في بيان رسمي للرأي العام.

جاء في اللقاءات المغلقة، على ألسنة مسؤولين وضباط.

وجاء في صمت من يملكون النفي ولم ينفوا.

وجاء في شهادة ضابط من داخل المؤسسة.

وتعززه رواية الناجين.

ومنطق الوقائع.

وسلوك الدعم السريع.

وسؤال الحافز.

وطريق المعلومة.

لكن الاعتراف لا يشترط منبراً.

اعترفوا بالملكية: المسيّرة مسيّرة الجيش.

واعترفوا بالإدارة: القرار من غرفة السيطرة.

واعترفوا، بحسب ما نُقل عنهم، بالتوقيت:

دقائق معدودة.

واختلفوا معنا في شيء واحد:

النية.

*نعم. اعترف الجيش بالفعل.*

ويجادلنا في النية.

والمحاكم لا تُسقط القتل لأن القاتل يقول:

لم أقصد.

والتحقيق الذي وُعد به ثم أُجِّل، هو الاختبار الحقيقي لمن يقول:

لا تدبير.

وإلى أن يُفتح…

سيبقى السؤال معلّقاً في أعناق من يملكون الجواب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى