رأي

الطيب علي حسن يكتب : عبد الله علي إبراهيم: الماركسي المدافع عن دولة طبقته

في مقالته «إذا حلوا دولة 56 ارتكبوا خطأ لا جريمة»، يرد عبد الله علي إبراهيم على الوليد مادبو، الذي طالب بتجاوز دولة 56، مستندا إلى تعريف ماكس فيبر للدولة الحديثة بأنها السلطة التي تطالب باحتكار الاستخدام المشروع للقوة داخل إقليم معين. ويرى إبراهيم أن مطالبة مادبو بدولة مدنية وديمقراطية لا تجد سندا في علم الدولة الحديث، لأن الدولة، في نظر فيبر، لا تعرف بغاياتها الأخلاقية. ومن ثم، فإن استبداد دولة 56 وعنفها لا ينفيان عنها صفة الدولة الحديثة. بل يقرر أن عنفها من «طبيعة الوحش»، وأن الاحتجاج عليه عقيم ما لم يتحر شروطه وينفذ إليها ويحيدها.

لكن إبراهيم يفترض ما كان ينبغي عليه أن يبرهن عليه: أن دولة 56 دولة حديثة بالمعنى الذي يتحدث عنه فيبر. ثم يستند إلى هذا الافتراض ليرد به على من يطالبون بتغييرها. وأنا أحاجج بأن دولة 56 ليست دولة حديثة بالمعنى الفيبري، حتى وإن نشأت مؤسساتها في العصر الحديث. فهي دولة ذات أصل استعماري وبنية هجينة، تداخلت فيها مؤسسات الحكم البيروقراطية مع علاقات السلطة الطائفية والقبلية والجهوية، وأعادت إنتاج تطور غير متكافئ بين القوى الاجتماعية وأقاليم السودان.

ما دولة 56؟

لا أعني بدولة 56 أن الدولة السودانية نشأت يوم الاستقلال. فجهازها تشكل خلال الحكمين التركي المصري والبريطاني المصري، في سياق السيطرة الاستعمارية وإعادة تنظيم السكان والموارد. وعندما تحقق الاستقلال، انتقلت إدارة هذه الدولة إلى النخب الوطنية، من دون تحول جذري في بنيتها. فقد ورثت تلك النخب جهازا مركزيا، واقتصادا غير متوازن، وتفاوتا بين الأقاليم في فرص التعليم والتوظيف والتنمية والتمثيل السياسي، إلى جانب نظام للحكم يتداخل فيه الحديث والتقليدي.

وبهذا المعنى، تشير دولة 56 إلى الصيغة التي اتخذتها الدولة الاستعمارية بعد انتقالها إلى النخب الوطنية. فهي ليست مجرد حكومة جاءت بعد الاستقلال، بل نظام من المؤسسات والعلاقات الاجتماعية والسياسية استمر في توزيع السلطة والثروة بصورة غير متكافئة. وعليه، فإن وجود وزارات وجيش ومحاكم لا يكفي وحده لإثبات أن دولة 56 حققت خصائص الدولة الحديثة. فالمسألة تتعلق أيضا بكيفية عمل هذه المؤسسات، وبعلاقات السلطة التي تقوم عليها، وبقدرتها على تنظيم العنف وتوفير الحقوق والحماية لسكانها.

ممداني والدولة المتشعبة

لعل عبد الله علي إبراهيم يجد ما يعينه على إعادة النظر في مسلمته إذا رجع إلى كتابي محمود ممداني المواطن والرعية وعرّف واحكم. ففي المواطن والرعية، يطرح ممداني مفهوم «الدولة المتشعبة» لتفسير أنماط الحكم الاستعماري في أفريقيا. ويبين أن الدولة لم تحكم جميع السكان من خلال نظام واحد للحقوق والسلطة: فقد ارتبط الحكم المدني في المدن بأشكال من المواطنة، بينما خضعت قطاعات واسعة من سكان الريف لسلطات محلية حكمت باسم العرف.

ولم تكن هذه السلطات العرفية مجرد تقاليد قديمة بقيت خارج الدولة، فقد تدخلت السلطة الاستعمارية في تنظيمها وتحديد صلاحياتها، وجعلتها جزءا من جهاز الحكم. وبهذا جمع النظام الاستعماري بين مؤسسات مدنية حديثة وسلطات محلية تمارس الحكم على نحو مختلف.

تساعدنا هذه الفكرة في فهم دولة 56. فلا يكفي النظر إلى مؤسساتها المركزية، بل يجب النظر أيضا إلى علاقتها بالإدارة الأهلية والزعامات المحلية، وإلى اختلاف فرص السكان في الوصول إلى القانون والسلطة والخدمات. فوجود مؤسسات حديثة في المركز لا يعني أن علاقات الحكم في الدولة كلها أصبحت حديثة أو أن سكانها يتمتعون بالمواطنة على قدم المساواة.

سليمنت وبويج والأنظمة الهجينة

يقدم كيفن سليمنت وفولكر بويج وزملاؤهما مدخلا آخر من خلال مفهوم «الأنظمة السياسية الهجينة». ويشير هذا المفهوم إلى تداخل مؤسسات الدولة الرسمية مع سلطات أخرى، عرفية ودينية ومحلية، في تنظيم الحياة العامة وتوفير الأمن وتسوية النزاعات.

وتختلف طبيعة العلاقة بين هذه المؤسسات؛ فقد تتعاون مع الدولة أو تتنافس معها أو تعمل من خلالها. لذلك لا يكفي افتراض أن الدولة هي الفاعل الوحيد الذي يمارس السلطة ويوفر الحماية والخدمات في جميع المناطق.

وتبدو دولة 56، من هذا المنظور، دولة هجينة: فهي لم تقم على مؤسسات بيروقراطية وعلاقات سلطة حديثة خالصة، كالتي يشترطها فيبر، وإنما تداخلت فيها هذه المؤسسات مع شبكات النفوذ الطائفية والقبلية والمحلية. وقد أعاد الاستعمار تنظيم بعض هذه السلطات ودمجها في الحكم، ثم استمرت علاقتها بالدولة بعد الاستقلال.

ومن ثم، فإن تعريف عبد الله إبراهيم لدولة 56 بوصفها محتكرة للعنف المشروع يحتاج إلى إثبات تاريخي، لا إلى مجرد استدعاء تعريف فيبر. فعليه أن يبين كيف مارست هذه الدولة سلطتها في الأقاليم المختلفة، ومن شاركها تنظيم العنف والحماية، وكيف توسطت القوى المحلية علاقتها بالمجتمع.

البيروقراطية وطبقة عبد الله

يغفل إبراهيم، وهو يستدعي فيبر، أن الأخير أولى البيروقراطية العقلانية أهمية في تحليل الدولة الحديثة. ويقوم نموذجها المثالي على قواعد عامة وتعيين يرتبط بالتأهيل، مع التمييز بين المنصب العام والمصلحة الشخصية. أما دولة 56 فقد ورثت جهازا نشأ في ظل توزيع غير متكافئ للتعليم والوظائف والموارد. وأتاح هذا التفاوت لقوى اجتماعية بعينها فرصا أكبر لدخول مؤسسات الدولة والتأثير فيها، بينما بقيت قوى أخرى أقل حضورا.

كما تداخل صعود المتعلمين والموظفين والتجار مع نفوذ الزعامات الطائفية والقبلية في تكوين الأحزاب والتحالفات السياسية. وهنا يبرز السؤال الذي أوجهه إلى عبد الله الماركسي: لماذا تغيب الطبقات والقوى الاجتماعية عن تحليلك عندما يتعلق الأمر بالدفاع عن دولة 56؟

لقد استند إبراهيم في لقاءات متلفزة، ظهر فيها وأسنانه تصتك من الحنق، إلى ما أنفقته الدولة على تعليمه في معرض دفاعه عنها. لكن هذه الإفادة الشخصية تفتح السؤال الذي يتجاوزه: لماذا تركزت فرص التعليم الحديث في مناطق وقوى اجتماعية بعينها، بينما لم تنلها مجتمعات أخرى بالقدر نفسه؟

إن دفاعه عن دولة 56، في تقديري، لا ينفصل عن موقعه ضمن القوى الاجتماعية التي استفادت من مؤسساتها. فهو يدافع عن الدولة التي أتاحت لطبقته فرص التعليم والصعود، بينما يعامل اعتراض من لم ينالوا فرصا مماثلة كما لو أنه مجرد سوء فهم لتعريف فيبر.

والمقصود بنقد نفوذ القوى الاجتماعية النهرية، التي ينتمي لها إبراهيم، ليس القول إن جميع سكان المناطق النهرية طبقة واحدة، أو أنهم استفادوا من الدولة بالقدر نفسه. المقصود هو مساءلة نظام تاريخي للتعليم والوظائف والسلطة أنتج مواقع متفاوتة بين الأقاليم والقوى الاجتماعية.

القهر والشرعية:

يتجاوز إبراهيم أيضا مسألة شرعية دولة 56، كما لو أن الدولة التي ورثتها النخب الوطنية قد نشأت من اتفاق متساو بين المجتمعات التي أصبحت داخل حدودها. لقد تشكلت الدولة السودانية الحديثة في سياق القهر الاستعماري. ولم يحسم الاستقلال، بمجرده، سؤال مشاركة الأقاليم والقوى الاجتماعية المختلفة في تحديد شكل الحكم وتقاسم السلطة والثروة.

ولا يكفي احتكار القوة وحده للإجابة عن سؤال الشرعية. فالأمر يقتضي أيضا النظر إلى قدرة الشرطة والجيش والمحاكم على حماية السكان، وإلى وصولهم إلى العدالة والخدمات، وإلى مشاركتهم في الحكم ومساءلة مؤسساته. والدولة التي تحتكر العنف، أو تطالب باحتكاره، لا تصبح عادلة لمجرد امتلاكها أدوات القهر.

أخيرا، إن تجاوز دولة 56، كما أفهمه، لا يعني ترك السودان بلا مؤسسات، وإنما تغيير بنية الهيمنة والتفاوت التي ورثتها الدولة وأعادت إنتاجها، وتأسيس علاقة جديدة بين الدولة والمجتمع تقوم على المواطنة المتساوية وتوزيع السلطة والثروة.

يقول إبراهيم إن الاحتجاج على العنف عقيم ما لم يتحر شروطه. وهذا بالضبط ما نفعله حين نبحث في التشكل الاستعماري للدولة، وفي طبيعتها الهجينة، وفي التطور غير المتكافئ الذي أنتج القوى المستفيدة منها. أما الاكتفاء بالقول إن العنف من طبيعة الدولة، فهو لا يفسر شروط عنف دولة 56، بل يحول تعريف فيبر إلى دفاع عن نظام تاريخي للسلطة والمصالح.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى