في سابقة خطيرة لم يشهدها تاريخ السودان الحديث، تتجه سلطة الانقلاب بقيادة عبد الفتاح البرهان إلى تعميق الانقسام الاجتماعي عبر سياسات ممنهجة تمارس التمييز العرقي والإثني ضد مواطني دارفور وكردفان، ليس فقط في ميدان الحرب، بل داخل العاصمة الخرطوم نفسها وبعض مدن ولايات الوسط والشمال ، وفي سفارات السودان بالخارج.
قانون “الوجوه الغريبة” الذي شُرِّع في ظل غياب أي مؤسسة شرعية، يستهدف بشكل مباشر سكان دارفور وكردفان، عبر فرض قيود على التنقل، وتأجير العقارات، وإجبار المواطنين على استخراج تصاريح مرور داخل وطنهم، مما يعكس ذهنية عنصرية متمكنة ترى في هؤلاء المواطنين خطرًا على “النقاء السكاني” للعاصمة، وليس شركاء متساوين في الوطن.
تطبيق هذه القوانين لم يتوقف عند حدود الوثائق والتراخيص، بل تعداها إلى هدم أحياء كاملة تحت ذريعة “التخطيط العمراني”، رغم امتلاك السكان لصكوك ملكية رسمية، في مشهد يعيد إلى الأذهان سياسات التهجير القسري والتطهير العرقي. كل هذا يُنفذ تحت غطاء قانوني زائف، وبأدوات إدارية باتت تعمل كأذرع لسلطة انقلابية فقدت شرعيتها السياسية والأخلاقية.
أما الأكثر فظاعة فهو فرض رسوم عبور على مواطني دارفور، في خطوة عنصرية لم يُسجَّل لها مثيل حتى في حقب الاحتلال الاستعماري. لم يُطلب من أي سوداني من قبل أن يدفع “إتاوة” كي يتحرك داخل بلده، لكن ما يجري اليوم يُحوِّل أبناء دارفور وكردفان إلى “أجانب” في وطنهم، ويُعيد إنتاج خطاب الدولة الاستعمارية القديمة بشكل فجٍّ وعدائي.
هذه الممارسات تتزامن مع حملات ممنهجة في الخارج، تقودها بعض السفارات الخاضعة للسلطة الانقلابية، والتي حرمت آلاف المواطنين من استخراج أوراقهم الرسمية، بل ومنعت بعض الروابط من إقامة العزاءات في المراكز الثقافية، ما يكشف عن سياسة مقصودة تهدف إلى إسكات وتهميش صوت السودانيين المنحدرين من مناطق “الهوامش” أينما وُجدوا.
إن ما يحدث اليوم ليس عشوائيًا أو فرديًا، بل هو تعبير صريح عن مشروع إقصائي يضمر العداء لفكرة المواطنة المتساوية، ويريد إعادة إنتاج السودان القديم بمنطق المركز والهامش، حيث السلطة والثروة تُحتكران، والحراك الشعبي يُقابل بالقمع والتشكيك.
تُقدِّم هذه الممارسات شهادة فشل مسبقة لكل محاولات “تجميل” وجه السلطة الانقلابية أمام المجتمع الدولي، وتضع رئيس وزراء البرهان في مواجهة مباشرة مع حقائق مُرّة، لا يمكن تجاوزها بالبيانات المنمقة أو الخطابات الفضفاضة.
إن السودان الذي يقاتل من أجل الحرية والعدالة والمساواة، لا يمكن أن يقبل بهذا النوع من السياسات. والذين يسعون إلى إجهاض ثورة الكرامة باسم القانون والانضباط لا يدركون أنهم يُسرّعون من انهيار ما تبقّى من وهم “الوطن الموحد” الذي يستثني أكثر من 85% من مواطنيه.
الثورة السودانية المسلحة في وجه هذا المشروع ليست مجرّد تمرُّد، بل هي تعبير عن رفض جذري لنظام تمييزي متجذر، لم يترك لأبناء دارفور وكردفان خيارًا سوى انتزاع حقوقهم بقوة السلاح، بعدما أُغلقت في وجوههم كل نوافذ العدالة





