رأي

عمار سعيد يكتب: حجب المكالمات والفيديو في واتساب: محاولة بائسة للسيطرة على الفضاء الرقمي في السودان

في خطوة أثارت الكثير من التساؤلات، أقدمت سلطة الأمر الواقع بورتسودان عبر وزارة إتصالاتها، على تقييد خدمات الاتصال الصوتي والمرئي، وحجب مشاركة المرفقات مثل ملفات الصوت والفيديو في تطبيق «واتساب» في السودان؛ وهو التطبيق الذي يعد أحد الأكثر استخداما بين تطبيقات المراسلة من قبل السودانيين في الداخل والخارج. وجدير بالذكر هنا، أن هذه الخطوة لا يمكن أن تفصل عن السياق السياسي والأمني المعقد الذي تمر به البلاد؛ خاصة وأنها تعيش حربا أهلية متطاولة، وتضاربا في مراكز النفوذ، وتناميا في الحراك السياسي المعارض لحكومة بورتسودان.

لعله من المفيد هنا، خاصة من أجل أغراض التحليل واستشراف المستقبل، أن نقرر أن فهم أبعاد هذا القرار، يفرض علينا ضرورة موضعته وتحليله من ثلاثة زوايا كبرى، يمكن أن تسمى محاورا أساسية، هي: المحور الذي يهدف إلى تشريح الأهداف التي ينشدها المشرع من القرار والدوافع التي يستند إليها أيضا؛ ومن ثم المحور الذي يفحص توقيت القرار، وأخيرا المحور الثالث الذي يحدد أهم والآثار المترتبة عن هذا القرار.

أ-المحور الأهداف والدوافع:

أولا، فيما يتعلق بالأهداف والدوافع المحتملة التي تقف خلف القرار، فإنه يمكن القول إن أولها هو فرض رقابة صارمة على تدفق المعلومات، حيث أن ملايين السودانيين يعتمدون بشكل أساسي على خدمات واتساب الصوتية والمرئية كوسيلة آمنة للتواصل، وذلك بالنظر إلى تقنيات التشفير التام بين الأطراف (end-to-end encryption). ولعل درجة الأمان العالية في • هذا النوع من التواصل تتأتى من صعوبة مراقبة المحتوى الموجود في التطبيق من قبل الأجهزة الأمنية؛ وهو ما يجعله هدفا للمنع في سياقات الأنظمة الشموليك التي تسعى للتحكم المطلق في المعلومة.

 ثانيا، يهدف القرار إلى منع التنسيق والتنظيم السياسي أو الميداني؛ حيث أن تطبيقات مثل واتساب وتيليغرام قد أصبحت أدوات حيوية في تنظيم الحراك المدني والسياسي، بل حتى فيما يتعلق بالتنسيق بين العسكري في جبهات القتال، ومن هنا، يُنظر لهذه الخدمات كتهديد مباشر لسيطرة السلطة على الأرض والإعلام.

ثالثا، يهدف القرار وبدرجة أساسية أيضا إلى منع نشر التسريبات والتوثيق المرئي للانتهاكات التي يقوم بها الأطراف المتحاربة؛ فخلال الأشهر الماضية وحدها، تم تداول مئات الفيديوهات التي توثق جرائم حرب وانتهاكات مروعة بحق المدنيين من مختلف الأطراف.

رابعا، تسعى السلطات عبر قرارها هذ إلى قطع الطريق أمام الوثائق البصرية التي يتم تدوالها عبر هذا النوع من التطبيقات، والتي تهز الرأي العام المحلي والدولي، وتكشف أيضا زيف الدعاية الرسمية. وأخيرا، يهدف القرار تضييق الخناق على المعارضة في الداخل والخارج؛ حيث يمكن فهمه كمحاولة منهجية من قبل السلطات تهدف لعزل «تحالف تأسيس» وقوى المعارضة المتنامية في المناطق المحررة، عن مناصريها في مناطق سيطرة الجيش، وعرقلة أي تواصل إعلامي أو تعبوي بين الشعب السوداني في هذه المناطق.

ب- التوقيت القرار:

أولا، إن من الملاحظ، وبوضوح عالي، أن هذا القرار يأتي في ظل احتقان سياسي متصاعد في شرق السودان، خاصة في مدينة بورتسودان التي أصبحت العاصمة الإدارية عقب تدمر الخرطوم، وهو الأمر الذي ينذر بكارثة أمنية وشيكة؛ حيث يبدو أن الأجهزة الأمنية تسعى عبر هذا القرار إلى تقليص هامش الحرية المتاح للمعارضين في مناطق سيطرتها، وذلك بالتزامن مع تزايد الانتقادات والاحتجاجات في مناطق سيطرة الجيش ضد حكومة الأمر الواقع، وعقب ابتزاز الحركات المسلحة للجيش خلال تشكيل الحكومة الأخيرة.

 ثانيا، يأتي هذا القرار أيضا بالتزامن مع قرب إعلان حكومة تحالف «تأسيس»؛ حيث تم تداول أخبار مفادها اكتمال مشاورات تحالف تأسيس لإعلان حكومته في المناطق المحررة؛ ومن هنا لابد من فهم القرار على أنه محاولة من قبل سلطات بورتسوان لكبح زخم الإعلان المرتقب لـ«حكومة تأسيس» وتأثيره الرمزي والسياسي والإعلامي.

ثالثا، يهدف القرار أيضا إلى حجب ردود الفعل التي تثار ضد حملات الشيطنة التي تستهدف القوات المشتركة مؤخرا، ذلك أنه يأتي أيضا في ظل تصاعد وتيرة الهجوم الإعلامي الرسمي والمنسق ضد القوات المشتركة في كسلا وبورتسودان. وهنا يمكن أن نستنتج أن الهدف من القرار قد يكون أيضا منع تدفق الردود والتوثيقات الداعمة للقوة المشتركة في المجال العام.

رابعا، يأتي القرار أيضا والسودان يشهد تصعيدا عسكريا غير مسبوق في دارفور وكردفان؛ حيث أن المعارك قد احتدمت هذا الأسبوع في كل من الفاشر شمالي دارفور وولايات كردفان الثالث؛ وهو ما يرجح أن القرار جاء لمنع تسرب مقاطع الفيديو والمعلومات من قلب المعارك إلى المجال العام.

ج- الأضرار والآثار السلبية المحتملة للقرار:

أولا، فيما يتعلق بأهم الأثار المترتبة عن هذا القرار، فإن قمع حرية التعبير والتواصل الإنساني يمثل أهمها؛ حيث يشكل واتساب شريان الحياة لملايين السودانيين، خاصة في ظل التهجير والنزوح والتشظي الأسري الناتج عن الحرب.

 ثانيا، إن من المحتمل أن يعيق هذا القرار العمل الإنساني والإغاثي في البلاد، ذلك أن كثير من المنظمات المحلية والدولية باتت تعتمد بدرجة كبيرة على تطبيقات مثل واتساب لنقل الصور والتقارير من الميدان. من هنا فإن حجب هذه الخدمات قد يعرقل عمليات الاستجابة العاجلة.

ثالثا، يعمق القرار، وبتسارع، من العزلة الرقمية التي تعيشها البلاد، ذلك أنه يمثل تراجعا خطيرا في مجال الحريات الرقمية، ويؤثر سلبا أيضا على خدمات التعليم عن بعد، والخدمات الصحية، والتجارة الإلكترونية؛ التي تعتمد جميعها على إرسال واستقبال الوسائط عبر هذه التطبيقات.

رابعا، من المحتمل أيضا أن يدفع القرار المستخدمين إلى الجوء إلى حلول أقل أمانا؛ حيث أنهم قد يلجأون، من أجل استخدمات هذه الخدمات التي يشملها القرار، إلى أدوات كسر الحجب أو تطبيقات أقل حماية؛ الأمر الذي يزيد من خطر المراقبة والاختراق. من ناحيك أخرى، يضع قرار حجب خدمات رقمية أساسية، مثل التي يحظرها القرار موضع التحليل، السودان في خانة الدول القمعية، ويقوّض كذلك أي محاولات لتحسين صورة البلاد أمام المجتمع الدولي.

ختاما، لابد من التأكد، استناد إلى التحليل أعلاه، على أن قرار حظر حجب المكالمات والفيديو في واتساب، يحمل بصمات عقلية أمنية تخاف الفضاء المفتوح، ومن تدفق المعلومات خارج الأطر الرسمية. كما أنه يمثل أيضا رد فعل دفاعي من قبل نظام سياسي مأزوم، يرى في التشفير والتواصل الحر تهديدا لوجوده. ونؤكد أيضا، إن هذه الخطوة، على غرار كل محاولات كتم الصوت، لن تدوم طويلا؛ حيث أن التجربة السودانية قد علمتنا أنه كلما ضاقت السبل، ولدت أدوات جديدة للمقاومة والتعبير.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى