لم يكن انحيازي لقضية الدعم السريع قرارًا عابرًا أو انفعالًا لحظيًّا، بل هو موقف نابع من قناعة شخصية عميقة، وتجربة طويلة مع خيبات الأمل في نخب سياسية وعسكرية وإسلاموية دمرت هذا الوطن، وتاجرت بمعاناة إنسانه، وسرقت أحلام الأجيال.
أنا أنحاز إلى أي مشروع يرفع راية العدالة والحرية والكرامة، وينحاز لإنسان الهامش الذي ظل لعقود يُباد ويُهمّش ويُقصى، فقط لأنه ليس من المركز، أو لأنه لا يعبد السلطة كما عبدها الطغاة منذ استقلال السودان.
وقوفنا خلف الدعم السريع لم يكن لأجل المال أو المنصب أو الحمية القبلية كما روج بعض أصحاب النفوس الضعيفة، فالدعم السريع قبيلته السودان وحواضنه حدود السودان شرقًا وغربًا وجنوبًا وشمالًا، والجميع يشهد بأننا فزعنا يوم تولى الآخرون واقتربنا عندما ابتعد أصحاب المصالح والمطامع ودفعنا ثمنًا باهظًا نتيجة هذا الموقف لكنه ليس أغلى من الذين قدموا أرواحهم في الطريق.
وقفنا لأجل الرؤية الثاقبة والأهداف النبيلة التي أعلن عنها القائد محمد حمدان والتزامه بخروج العسكر من السياسة، وإنهاء دولة الانقلابات، وإعادة السلطة إلى الشعب، تحت ظل حكم مدني ديمقراطي، يساوي بين الناس في الحقوق والواجبات، دون تمييز بسبب العرق أو الجهة أو الدين.
أنا مع دعم كل من يضع هدفه إنهاء الحروب إلى الأبد، وإنصاف المظلومين، وتحقيق التنمية المتوازنة، ومنع استنزاف موارد السودان لصالح دول بعينها بواسطة نخبة فاسدة تتوارث الحكم والمال وكأن الوطن مزرعة خاصة. الدعم السريع – كما أراه – لم يأتِ من تلك النخبة، بل خرج من قلب الهامش، من عمق المعاناة، حاملًا جراحات التاريخ ورغبة صادقة في التغيير.
البعض يرى في هذا الموقف مخاطرة، لكني أراه موقفًا تاريخيًا مع الحق لن يغفر التاريخ لمن حاد عنه، أنه موقف من أجل هذا الوطن الذي حرمنا طغاته من أوراقنا الثبوتية وأصبحنا بين عشية وضحاها (عربان شتات) وأن تاريخنا تم محوه من ذاكرة الدولة التي لن تمنحنا حتى وقتا لنلملم رفات أجدادنا الذين حرروا هذا الوطن من المستعمر، الذي عاد مرة أخرى وأتى معه بلا حياء ولا خجل سودانيين آخرين يتحدث أحفادهم اليوم عن الوطنية بعد أصبح أجدادهم وكلاء للمستعمر. لذلك لن نسمح بعودة العسكر من الباب الخلفي، ولا نخدع أنفسنا بأن الأنظمة الشمولية قد تصلح ما أفسدته أيديها. الحلم الذي راودنا منذ عقود لن يتحقق إلا في ظل دولة مدنية علمانية كونفدرالية، تتيح لكل إقليم حقه في إدارة نفسه، وتوزيع ثرواته، والمشاركة الفعلية في السلطة.
لا أبحث عن يوتوبيا، بل عن وطن عادل، لا تسيّره فتاوى فقهاء السلطان الذين حوّلوا الدين إلى سوق نخاسة، يفصلون فيه التشريعات حسب الطلب، ويعبرون على ظهور الفقراء نحو مصالحهم الشخصية. هؤلاء الذين شوهوا صورة الإسلام حتى باتت الدول “الكافرة” – كما يسمونها – أقرب إلى جوهره منهم.
أنا أدعم كل من يؤمن أن الدولة لا تقوم على أيديولوجيا أو جهوية، بل على العدالة والمواطنة. وأرى في رؤية الدعم السريع، كما طُرحت، بارقة أمل لهذا التحول التاريخي.
قد نُخدع، وقد تنحرف المسارات، لكننا لن نتوقف عن الحلم، ولن نعود إلى طغيان العسكر أو نفاق تجار الدين.
نريد وطناً جديداً.
نريده عادلاً، مدنياً، كونفدرالياً، بلا كذب ولا نفاق.
وإن جاء هذا الحلم على يد من يتم الترويج وحياكة الأكاذيب ضده لتضليل الناس والرأي العام بأنه لا يستحق هذه المكانة ومع كل ذلك فإننا ماضون معه في هذا الطريق إلى نهايته لأن المهم ليس من يحمل الراية بل إلى أين يتجه بها.





