تقرير: محمد صالح البشري تريكو
كان غاز الكلور، لسنوات طويلة، مادة أساسية في تنقية مياه الشرب وحماية السكان من الأوبئة والأمراض. لكن مساراً مثيراً للقلق، وفق ما تضمنته إفادات ووثائق وتحقيقات صحفية، يشير إلى احتمال انتقال هذه المادة من الاستخدام المدني إلى الاستخدام العسكري، وتحويلها إلى ذخائر كيميائية خلال الحرب السودانية.
بداية القصة
بدأت القصة مع أزمة مياه الشرب في الخرطوم، في ظل شكاوى متزايدة من تلوث المياه وعجز السلطات في بورتسودان عن توفير التمويل اللازم لهيئة المياه لاستيراد أسطوانات غاز الكلور المستخدمة في معالجة مياه الشرب.
وفي خضم الأزمة، قدمت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) 1,550 أسطوانة من غاز الكلور للاستخدام المدني والسلمي، بهدف المساهمة في ضمان سلامة مياه الشرب لسكان العاصمة.
لكن الحرب كانت قد دخلت مرحلة مختلفة. فمع تراجع القوات المسلحة السودانية وفقدانها عدداً من مقارها العسكرية والمؤسسات السيادية في الخرطوم، تصاعدت الحاجة إلى وسائل قتالية جديدة، وسط اتهامات بأن جهات داخل المؤسسة العسكرية اتجهت إلى تطوير أسلحة غير تقليدية.
من التنقية إلى التسليح
ويقول الخبير العسكري العميد معاش طلحة إبراهيم، في حديثه للـ”الجماهير”، إن عناصر مرتبطة بالحركة الإسلامية لعبت دوراً بارزاً في تشغيل الطائرات المسيّرة خلال الحرب، مشيراً إلى أن الجيش لم يبدأ، بحسب تقديره، في تأهيل أعداد كبيرة من جنوده لاستخدام تقنيات الحرب الحديثة إلا في مرحلة لاحقة.
وبحسب روايته، فإن تعثر الخطط العسكرية القائمة على الأسلحة التقليدية دفع جهات داخل الحركة الإسلامية، وفق وصفه، إلى الضغط باتجاه تطوير أسلحة جديدة واستخدامها في الحرب.
وتظل هذه الإفادات، في انتظار أدلة مستقلة إضافية، جزءاً من رواية أوسع بشأن الجهات التي تقف وراء تطوير واستخدام الذخائر الكيميائية المزعومة.
منشأة “رفقاء”
وفق تحقيق استقصائي نشرته نيويورك تايمز في 5 سبتمبر 2026، بدأ الجيش ، في يوليو 2024، تطوير ذخيرة تعتمد على غاز الكلور داخل منشأة مدنية وخيرية تُعرف باسم “رفقاء:، بالقرب من مدينة الدامر في ولاية نهر النيل.
وتأسست المنشأة عام 2017 بدعم خيري قطري من الشيخة عائشة بنت حمد العطية، كمشروع مخصص لرعاية الأيتام وأمهاتهم، ويضم مدارس وعيادة ومسجداً ومركزاً للتدريب ومرافق للمياه والرياضة.
وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة، لأن استخدام منشأة مدنية في مشروع عسكري محتمل يطرح أسئلة قانونية وأمنية كبيرة حول طبيعة النشاط الذي جرى داخلها، وكيفية انتقال الموقع من وظيفته المدنية إلى الاستخدام العسكري المزعوم.
تغيير العاملين
وتشير مستندات رسمية، بحسب المعلومات الواردة في التحقيق، إلى أن أمين حكومة ولاية نهر النيل بعث في 22 مايو 2024 خطاباً يطلب فيه استبدال العاملين في المعهد الحرفي، مع الإبقاء على العاملين في المدارس.
ويُطرح هذا الخطاب باعتباره إحدى الإشارات التي قد تساعد في فهم التحولات التي طرأت على استخدام أجزاء من المنشأة، وما إذا كانت قد أُعيد تهيئتها لاستضافة نشاط مختلف عن أغراضها الأصلية.
غير أن تحديد الغرض الفعلي من تلك الإجراءات يحتاج إلى ربط الوثيقة بوقائع أخرى، وهو ما يجعلها قرينة ضمن مجموعة من الأدلة وليست دليلاً منفرداً على وجود برنامج لإنتاج السلاح الكيميائي.
رسالة إلى البرهان
وبحسب الرواية الواردة في المواد التي استند إليها التقرير، فإن العميد طارق حسين مدني، بعد انتهاء مهمته، بعث رسالة إلى قائد الجيش البرهان تتعلق بتصنيع وتجريب الذخيرة الكيميائية،وتفيد الرواية بأن الرسالة جرى اعتراضها قبل وصولها إلى هاتف البرهان بواسطة جهاز استخبارات تابع لدولة شرق أوسطية، وأن اعتراضها أسهم في كشف معلومات عن البرنامج .
300 ذخيرة
وتشير المراسلات التي يستند إليها التقرير إلى أنه، بحلول أكتوبر 2024، كان قد جرى تصنيع نحو 300 ذخيرة كيميائية.وبحسب الرواية نفسها، صُنعت معظم هذه الذخائر في منطقة مروي القريبة من الدامر، بينما واجه المشروع مشكلات تتعلق باحتواء الغاز المستخدم.وتتحدث المعلومات عن حدوث تسربات أثناء عمليات الإنتاج والتخزين، وصلت آثارها، وفق الرواية، إلى نفوق حشرات وعقارب داخل أحد مخازن المشروع،وهذه الوقائع، لاتكشف فقط عن مخاطر استخدام المادة كذخيرة، وإنما تكشف أيضاً عن مخاطر بيئية وصحية محتملة مرتبطة بعملية التصنيع والتخزين نفسها.
إنذار دولي
في 24 يوليو 2024، أعلنت الولايات المتحدة اتهامات تتعلق باستخدام الجيش السوداني أسلحة كيميائية، وفرضت عقوبات على مسؤولين ومؤسسات مرتبطة به.وبغض النظر عن الموقف من الاتهامات، فإن صدورها مثّل تطوراً بالغ الخطورة؛ إذ نقل ملف الأسلحة الكيميائية في السودان من نطاق الاتهامات المحلية إلى مستوى دولي أكثر وضوحاً.وتبع ذلك، وفق الرواية محل التحقيق، تحرك داخل قيادة الجيش للتحقق من الاتهامات ومراجعة ما إذا كانت هناك صلة بين المؤسسة العسكرية وأي نشاط يتعلق بالأسلحة الكيميائية.
لجنة التحقيق
شكل قائد الجيش عبد الفتاح البرهان لجنة تحقيق داخلية، وأسندت عضويتها إلى العميد طارق حسين مدني، الذي تربطه الرواية نفسها ببرنامج تطوير الذخائر الكيميائية.وهنا تظهر واحدة من أكثر نقاط التحقيق حساسية: إذا كانت المعلومات المنسوبة إلى الوثائق صحيحة، فإن إسناد التحقيق إلى شخص يُقال إنه كان جزءاً من عملية التطوير يثير سؤالاً واضحاً حول استقلالية التحقيق وقدرته على الوصول إلى نتيجة محايدة.وفي نهاية المطاف، خلصت اللجنة إلى عدم ثبوت وجود سلاح كيميائي في السودان.
لكن التناقض بين هذه النتيجة وبين ما ورد لاحقاً في تقارير ووثائق وتحقيقات دولية يفتح الباب أمام سؤال أكبر: هل كان التحقيق الداخلي بحثاً حقيقياً عن الحقيقة، أم محاولة لاحتواء التداعيات السياسية والقانونية للاتهامات؟
أين استخدمت الذخائر؟
تتضمن المعلومات الواردة في التقرير اتهامات باستخدام الذخائر الكيميائية في عدد من المواقع خلال عام 2024، بينها مصفاة الجيلي في الخرطوم بحري، ومحيط القصر الجمهوري، ومواقع في ولاية سنار، من بينها منطقة جبل موية، إضافة إلى مناطق في دارفور.
وبحسب الرواية، بلغ عدد الذخائر المستخدمة نحو 106 قنابل من أصل 300 ذخيرة يُقال إنها صُنعت خلال البرنامج. وتبقى هذه الأرقام بحاجة إلى مطابقة مستقلة مع الأدلة الميدانية، وصور الأقمار الصناعية، وشهادات الضحايا، وتقارير المختبرات، وأي عينات بيئية أو طبية يمكن أن تثبت طبيعة المادة المستخدمة.
منقّي المياه إلى أداة حرب
القصة، في جوهرها، لا تتعلق بالكلور وحده فالكلور مادة مدنية مشروعة وضرورية لتنقية مياه الشرب، لكن تحويله إلى مادة سامة تطلق في ساحات القتال يغيّر طبيعته ووظيفته بصورة جذرية، وهنا تكمن المفارقة الأكثر قسوة: مادة أُدخلت إلى السودان لإنقاذ المدنيين من تلوث المياه والأمراض، يُتهم الجيش بتحويلها إلى وسيلة لإيذاء المدنيين في حرب أنهكت البلاد،وإذا أثبتت التحقيقات المستقلة أن غاز الكلور استُخدم كسلاح كيميائي، فإن القضية لن تكون مجرد فصل آخر من فصول الحرب السودانية، بل ستصبح ملفاً جنائياً ودولياً يتعلق باستخدام أسلحة محظورة، وبالمسؤولية عن تطويرها وتصنيعها وتخزينها واستخدامها.



