تقرير _ الجماهير
هل تدفع مصر السودان إلى حرب جديدة قبل أن يخرج من حربه الراهنة؟ سؤال يفرض نفسه بقوة مع تصاعد حملات إعلامية تقودها منصات مصرية، تتبنى خطاباً عدائياً تجاه إثيوبيا، وتدفع الخرطوم باتجاه مواجهة عسكرية مع أديس أبابا، قد تجد البلاد نفسها في قلبها دون امتلاك قرار الحرب أو القدرة على تحمل كلفتها.
ويعضد أسر عناصر تقاتل الى جانب الجيش من قومية التغراي في معارك النيل الازرق وكردفان من فرضية تورط البرهان في دعم صراع جبهة التغراي مع الجيش الاثيوبي ما يجعل احتمال تطور الصراع من الدعم لمواجهة عسكرية .
ويرى مراقبون أن ما يجري من مراكز الدراسات المصرية والاعلام المصري يتجاوز حدود السجال الإعلامي إلى محاولات لتهيئة الرأي العام السوداني لقبول حرب بالوكالة، وربما فتح الطريق أمام تمركز عسكري أجنبي داخل الأراضي السودانية بحجة تفعيل اتفاقية الدفاع المشترك ، في وقت لا تزال فيه الحرب الداخلية تمزق البلاد وتستنزف جيشها واقتصادها ومؤسساتها.
وبينما تتصاعد رسائل التطمين المصرية بشأن الاستعداد لدعم السودان عسكرياً في أي مواجهة مع إثيوبيا، يحذر سياسيون من أن هذه الوعود قد تخفي وراءها حسابات استراتيجية لا تتطابق بالضرورة مع المصالح السودانية. وتبرز أسئلة أكثر خطورة.. مفادها من المستفيد من جرّ الخرطوم إلى جبهة قتال جديدة؟ وهل يتحول السودان إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية؟ ومن يتحمل فاتورة حرب لا يملك السودان ترف خوضها؟
السودان في قلب صراع المصالح
وتعتقد المحللة السياسية والباحثة السابقة بمركز الدراسات الأفريقية في جامعة أفريقيا العالمية، د. رجاء شوكت، أن مصر قد تكون المستفيد الأكبر من أي تدهور في العلاقات السياسية والدبلوماسية والعسكرية بين السودان وإثيوبيا، مشيرة إلى أن التطورات الحالية تثير مخاوف من تهيئة الأجواء لإقحام السودان في حرب بالوكالة تخدم المصالح المصرية في مواجهة أديس أبابا.
وشددت رجاء في حديثها لـ ” الجماهير” على أن السودان لا يمتلك حالياً القدرة العسكرية والاقتصادية على الدخول في مواجهة مباشرة مع إثيوبيا، حتى إذا بادرت الأخيرة بعمل عسكري، مرجحة أن يظل الرد السوداني، في ظل الاختلال الراهن في موازين القوة واستنزاف الجيش، محصوراً في البيانات والمواقف القانونية والدبلوماسية، بدلاً من الانخراط في حرب مفتوحة.
وانتقدت شوكت النهج المصري في التعامل مع الخلافات المتعلقة بسد النهضة، معتبرة أن القاهرة لا تتجه بالقدر الكافي نحو الحلول القانونية والدبلوماسية التوافقية، وإنما تسعى إلى فرض رؤيتها على إثيوبيا وإجبارها على القبول بالموقف المصري بالضغط العسكري والسياسي بافتعال مواجهات عسكرية بينها وبين جيرانها .
وفي سياق متصل، وصفت شوكت تصريحات وزير الخارجية السوداني بشأن استعداد الشعب السوداني لحماية مياه مصر بأنها «غير موفقة بالمرة»، واعتبرتها تصريحات فجة واستسلامية، لأنها تضع السودان في موقع الالتزام بالدفاع عن مصالح دولة أخرى، في وقت تتطلب فيه الظروف الراهنة تقديم الأمن القومي السوداني وأولويات المواطنين على أي حسابات خارجية.
من التوتر الدبلوماسي إلى خطر الحرب الإقليمية
من جانبه، يرى المحلل السياسي والباحث في شؤون شرق أفريقيا، فؤاد عثمان، أن جذور الأزمة الحالية لا يمكن فصلها عن مسار الحرب السودانية منذ اندلاعها في أبريل 2023، محذراً من أن الإصرار على الحسم العسكري لن يؤدي إلا إلى إطالة أمد الحرب وتوسيع نطاقها، وتحويلها من صراع بين جنرالين وقوتين عسكريتين إلى حرب أهلية ذات استقطاب اجتماعي وسياسي حاد.
وقال عثمان لـ ” الجماهير” إن الانتهاكات غير المسبوقة، وما تغذيه من إرث العنصرية والكراهية ورفض الآخر والرغبة في الانتقام، دفعت البلاد نحو انقسام فعلي يصعب تجاوزه، خصوصاً مع غياب إرادة السلام لدى أطراف الصراع، الأمر الذي فتح الباب أمام أوسع تدخلات إقليمية ودولية يشهدها السودان منذ استقلاله.
وأوضح أن ارتباط أطراف الحرب بمحاور خارجية متباينة ومتصادمة أسهم في تعقيد المشهد، مشيراً إلى أن سلطات الجيش اتهمت دولاً في الجوار والإقليم، بينها إثيوبيا، بدعم قوات الدعم السريع، وقدمت شكاوى إلى مجلس الأمن ومجلس السلم والأمن الأفريقي، فضلاً عن اتخاذ خطوات دبلوماسية زادت من حدة التوتر.
وأضاف أن العلاقات السودانية الإثيوبية لم تكن في أفضل حالاتها منذ انقلاب أكتوبر 2021، إذ بدأت الهوة تتسع بين قيادة الجيش السوداني وأديس أبابا، قبل أن يتفاقم التوتر عقب اندلاع الحرب، وصولاً إلى التصعيد الدبلوماسي الأخير.
ولفت عثمان إلى أن الجانب الإثيوبي يتهم مصر صراحة بدفع القيادة العسكرية السودانية إلى خوض حرب بالوكالة نيابة عنها، مستنداً إلى تطابق الموقفين السوداني والمصري في ملف سد النهضة، ورفض وصول إثيوبيا إلى البحر الأحمر، فضلاً عن اتهامات أديس أبابا للخرطوم بدعم جبهة تحرير تيغراي خلال المواجهات الأخيرة في الإقليم.
واعتبر أن هذه الملفات المتشابكة، إلى جانب التدخلات الإقليمية وتضارب المصالح، أسهمت مجتمعة في الوصول إلى الوضع الراهن، محذراً من أن استمرار التصعيد قد يفتح الباب أمام مواجهة تتجاوز حدود البلدين وتضع السودان أمام تداعيات أمنية وعسكرية يصعب احتواؤها.
ورجح عثمان أن تتحرك بعض دول الإقليم والمجتمع الدولي لإطلاق مبادرات تستهدف احتواء التوتر ومنع انفجار الأوضاع، لكنه حذر في المقابل من وجود أطراف داخلية في معسكر الجيش قد تدفع باتجاه استمرار التصعيد، خاصة في ظل الاتهامات الإثيوبية المتعلقة باستخدام أراضيها منصة لانطلاق هجمات قوات الدعم السريع.
وشدد على أن استعادة العلاقات السودانية الإثيوبية لا تبدأ من التهديدات العسكرية أو تبادل الاتهامات، وإنما من إنهاء الحرب الداخلية، وتوفير إرادة سياسية سودانية حقيقية لوقف القتال وتحقيق سلام شامل ومستدام، باعتبار ذلك المدخل الأساسي لترميم العلاقات الثنائية وإعادة بناء الثقة بين البلدين.
الإسلاميون يدفعون السودان إلى مغامرة إقليمية
وفي تطور يضيف مزيداً من التعقيد إلى المشهد، اتهم رئيس حزب الأمة، مبارك الفاضل المهدي، قيادات إسلامية داخل سلطة قائد الجيش عبد الفتاح البرهان، بتوريط السودان في الصراع الإثيوبي بالتنسيق مع إريتريا، محذراً من أن هذه التحركات تهدد الأمن القومي السوداني ووحدة أراضي البلاد، خصوصاً في منطقة الفشقة الحدودية.
وقال الفاضل، في مقال نشره، إن قيادات إسلامية دفعت بقوات من جبهة تحرير شعب تيغراي كانت موجودة داخل السودان للمشاركة في القتال ضد الحكومة الفيدرالية الإثيوبية، رغم تعهدات سابقة قدمتها الخرطوم لأديس أبابا بعدم استخدام تلك القوات في أي عمليات عسكرية ضد إثيوبيا.
وكشف أن رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد أثار، خلال زيارته إلى بورتسودان في يوليو 2024، قضية قوات تيغراي التي لجأت إلى السودان عقب الحرب بين الحكومة الفيدرالية والجبهة، والتي انتهت باتفاق بريتوريا للسلام في نوفمبر 2022.
وبحسب رواية الفاضل، فإن أعداد تلك القوات تتراوح بين 20 و30 ألف مقاتل، مشيراً إلى أن آبي أحمد طلب من البرهان إعادة هذه القوات إلى إثيوبيا، وأن وفداً إثيوبياً ناقش مع السلطات السودانية الترتيبات المتعلقة بعودتها، قبل أن يتلقى، وفقاً لما أورده، إفادة بحاجة الجيش السوداني إليها للمشاركة في الحرب ضد الدعم السريع.
واتهم الفاضل الإسلاميين بالتنسيق مع إريتريا لتشكيل تحالف يضم سبع حركات مسلحة إثيوبية، والدفع بقوات تيغراي إلى المواجهة مع الجيش الفيدرالي الإثيوبي، مشيراً إلى خسائر عسكرية وأسر أعداد كبيرة من المقاتلين، وفق المعلومات التي قال إنه استوثق منها.
وحذر من أن هذه التحركات قد تستجلب رداً إثيوبياً يهدد الحدود السودانية، سواء عبر تحركات عسكرية مباشرة أو السماح لقوات من ميليشيات فانو في إقليم أمهرا بالتحرك نحو الأراضي السودانية، بما يعيد إشعال النزاع حول منطقة الفشقة الزراعية.
وأشار إلى أن الجيش السوداني، المنهك بالحرب الداخلية والموزع على جبهات متعددة، قد لا يمتلك القدرة على مواجهة تصعيد عسكري جديد في الشرق، محذراً من مخاطر امتداد المواجهات إلى ولاية القضارف ومناطق أخرى.





