تقارير وتحقيقات

البرهان يبدل خطاب الحرب

هل تقلصت مساحة المناورة ..؟

تقرير – الجماهير

لا يبدو مقال قائد الجيش الفريق أول «عبد الفتاح البرهان» في مجلة “فورين بوليسي” مجرد إعادة صياغة للموقف الرسمي من الحرب، بل يحمل، بحسب محللين سياسيين مؤشرات على تحول في الخطاب السياسي والتفاوضي، وإن كان من المبكر اعتباره قبولاً بالمبادرة الأميركية أو بالهدنة المطروحة بصيغتها الحالية.

وطرح البرهان، في مقال بمجلة «فورين بوليسي» رؤيته لإنهاء الحرب عبر وقف دائم لإطلاق النار وإخراج القوات والأسلحة من المناطق المدنية.

ودعا إلى إنهاء ظاهرة الجيوش الموازية، وإعادة بناء الدولة على أساس جيش وطني واحد تحت إشراف مدني.

وأكد أن المرحلة التالية للحرب يجب أن تقود إلى عملية سياسية بمشاركة المدنيين وصياغة دستور سوداني جديد.

كما دعا إلى انتخابات حرة، وطالب المجتمع الدولي بوقف تمويل وتسليح الدعم السريع ومراقبة أي اتفاق لوقف إطلاق النار.

وشدد البرهان على أن مستقبل السودان يجب أن يحدده السودانيون أنفسهم، بعيداً عن التدخلات والضغوط الخارجية.

ويرى مراقبون ان طرح الرجل الاخير لحل الازمة ليس من باب المناورة بعد ان تقلصت مساحة اللعب بعامل الزمن والخطابات المتناقضة ، انما توصله لقناعة بأنه لم يعد قادرا على مواصلة اللعب وانتقاله من خطاب الحرب الى مربع اكثر مرونة .

ويقول المحلل السياسي د. مصعب فضل المرجي إن اللافت في خطاب البرهان هو الانتقال من أولوية الحسم العسكري إلى الحديث عن وقف دائم لإطلاق النار، وإبعاد القوات والأسلحة عن المناطق المدنية، ثم الانتقال إلى حكم مدني شامل، بمساندة وإشراف أممي، إلى جانب طرح الدستور الجديد والانتخابات والجيش الواحد الخاضع للإشراف المدني.

ويرى المرجي في حديثه لـ ” الجماهير” أن هذه النقاط تتجاوز في دلالاتها مجرد البحث عن هدنة مؤقتة، وتقترب من طرح تصور متكامل لشكل الدولة والمرحلة السياسية التي تعقب الحرب.

الا ان فضل المرجي يرى ان التحول في الخطاب لا يعني بالضرورة تغييراً كاملاً في شروط البرهان. فالمقال، بحسب المرجي، يعكس في الوقت نفسه محاولة لإعادة تعريف التسوية وفق رؤية الخرطوم، خصوصاً في ما يتعلق برفض مساواة الجيش بالدعم السريع، وعدم منح الأخير شرعية سياسية، والتشديد على أن يكون السلام نتاجاً سودانياً لا تسوية تفرضها القوى الخارجية.

ويضع المرجي هذا التطور أمام احتمالين أولهما أن يكون محاولة لامتصاص الضغوط الدولية وفتح مساحة جديدة للمناورة السياسية، والثاني أن يكون مؤشراً على تراجع هامش المناورة مع تصاعد الضغوط الدولية والإقليمية لإنهاء الحرب والانتقال إلى مسار سياسي.

ويقول المرجي إن أهمية المرحلة الحالية لا تكمن فقط في مضمون المبادرات المطروحة، وإنما في تغير السؤال نفسه: «السؤال الأهم ليس هل استسلم البرهان، وإنما هل انتقل من محاولة فرض نهاية عسكرية للحرب إلى التفاوض على شكل نهايتها؟».

ويضيف أن الإجابة ستتوقف على ما إذا كانت المواقف المعلنة ستتحول إلى تنازلات وترتيبات عملية على الأرض، خصوصاً أن الفجوة لا تزال قائمة بين الحديث عن وقف دائم لإطلاق النار وبين شروط الأطراف حول من يدير المرحلة الانتقالية، ومستقبل المؤسسة العسكرية، وموقع الدعم السريع في أي تسوية مقبلة.

وبذلك، فإن مقال البرهان لا يحسم مسألة القبول بالمبادرة الأميركية، لكنه يكشف انتقال النقاش إلى مستوى أكثر تعقيداً: ليس فقط متى تتوقف الحرب، وإنما بأي شروط، ومن يضع قواعد السلام، ومن يدير السودان في اليوم التالي للحرب؟

ومن جانب اخر يرى محلل سياسي واستاذ علوم سياسية طلب حجب هويته أنه لا ينبغي التعامل مع مقال البرهان وطرحه باعتباره تحولاً سياسياً مكتمل الملامح، بقدر ما يعكس محاولة لإعادة التموضع في لحظة تتراجع فيها مساحة المناورة أمام القيادة العسكرية.

وقال لـ”الجماهير” إن البرهان حاول في المقال إعادة صياغة معادلة الحرب من موقع مختلف، فهو يتحدث عن وقف دائم لإطلاق النار وانتقال إلى حكم مدني وانتخابات، لكنه في الوقت نفسه يعيد تثبيت شروطه الأساسية، وعلى رأسها عدم مساواة الجيش بالدعم السريع ورفض أي تسوية تمنح الأخيرة موقعاً موازياً للدولة.

وأضاف أن المفارقة الأساسية في المقال هي أن البرهان يتحدث عن السلام بينما لا يقدم، في جوهر خطابه، تنازلاً واضحاً في القضايا التي عطضلت مسارات التفاوض السابقة، ولذلك فإن السؤال ليس ما إذا كان الخطاب قد تغير، وإنما ما إذا كان تغير الخطاب يعني تغيراً في الموقف.

ويرى المحلل أن المقال قد يكون محاولة استباقية لإعادة تعريف شروط التسوية قبل أن تفرضها القوى الدولية ففي نفس اليوم ، ربطت واشنطن إصدار تأشيرة البرهان لحضور الجمعية العامة للأمم المتحدة بموقفه من مقترح هدنة لمدة 90 يوماً، في مؤشر على ارتفاع مستوى الضغط الأميركي.

ويمضي بقوله ” حين يطرح البرهان وقفاً دائماً للحرب في مقال دولي، بينما يرفض في الوقت نفسه الهدنة التي تضغط واشنطن من أجلها، فإننا أمام فجوة تحتاج إلى تفسير هل هو اختلاف في شروط السلام، أم محاولة لكسب الوقت وإعادة ترتيب الموقف السياسي؟».

ويضيف أن أخطر ما في المقال ربما لا يكمن فيما قاله البرهان، وإنما فيما لم يقله حيث لا توجد إشارة واضحة إلى استعداد الجيش لتقديم تنازلات سياسية جوهرية، ولا إلى صيغة عملية للتعامل مع الطرف الآخر، ولا إلى كيفية الانتقال من وقف النار إلى تسوية سياسية قابلة للتنفيذ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى