يتساءل محمد جلال هاشم في مقال له بتاريخ 12 فبراير 2025: هل تقف الحرب بانتصار الجيش على ميليشيات الجنجويد المجرمة وتفكيكه لها؟ وهو سؤال ضمن ثلاثة أسئلة تمثل الاحتمالات الثلاثة التي يطرحها على من يقولون «لا للحرب»، والذي يحتوي على الاحتمال الذي يريده الشعب – الذي لا يوجد إلا في رأسه – أن تنتهي عليه الحرب. ويقول في ذلك: «وهذا هو مطلب الشعب ومطلب الثورة التي هتفت: الجنجويد ينحل». ويواصل تقريراته العجائبية ويشرح لنا لماذا يجب على السودانيين ألا يقولوا «لا للحرب»، بل وأن يقاتلوا في صفوف الجيش بدل ذلك، فيؤكد أن الهدف من استنفارهم هو «مواصلة مشوار الثورة السلمية، المجيدة، وتحقيق باقي شعاراتها من عودة العسكر للثكنات وتفكيك التمكين… إلخ». والذي يقرأ مقاله هذا قد يظن أن الجيش كان عضوا في تجمع المهنيين، أو تلك الجهة الحريصة على الثورة، لا هذا الجيش الذي ظل يتآمر على الثورة.
ولا يكتفي يسوع النوبي، الذي سنعرف لماذا أسميه بذلك تاليا، بأن يعرض علينا أفانينه في الحجاج والدفاع عن الجيش، بل إنني أدعي هنا أنه قد أبدع فنا جديدا وهو يحاول تبرير دعمه للجيش ومزايدته على من يقولون «لا للحرب»، وأقترح أن يسمى هذا الفن الجديد بفن تنظيف التاريخ. وذلك نظرا لأن الرجل قد تفرغ لصياغة حجج يظهر فيها الجيش كمؤسسة قومية ووطنية ومهنية لا يجب دعمها فقط، بل والقتال إلى جانبها من قبل كل سوداني وطني – بحسبه -، لا هذه المؤسسة الجهوية وذات العقيدة القتالية الجهادية وغير المهنية، والتي تسيطر عليها الحركة الإسلامية. ولعل الحجة الواحدة والوحيدة التي يخرجها ود جلال، لكن بعدة صياغات، لتبرير دعمه للجيش عبر فن تنظيف التاريخ، هي: «أنا لا أدعم الجيش في ذاته، وإنما أدعمه من أجل تكريس حالة نظامية الدولة (order of State)». ولعل استخدامه نظامية الدولة هذه يشير إلى أنه يعي أن فن تنظيف التاريخ الذي يحاول عبره تصوير الجيش كالملاك الحارس لدولة الشعب السوداني لن ينجح مع الجيش؛ فتاريخه أوسخ من أن ينظف.
والمثير للدهشة والسخرية أن مفكرنا الجهبذ، وهربا من التناقض الذي يقع فيه دائما، يهرب طوعا إلى تناقض آخر أكثر كارثية، ذلك أنه يدعو إلى نظامية الدولة بينما يدعم الجيش في خيار حسم الحرب لصالحه، بل ويدعو الشعب إلى الاستنفار معه حتى حسم الحرب. وبعبارة أخرى، إن جلال مع نظامية الدولة والحرب في ذات الوقت، وهي تُعرَّف كغياب لنظامية الدولة. وهذا تناقض يراه الأعمى ويسمع ضجيجه من به صمم. وليس هذا فحسب، بل يقع في تناقض ثالث أكبر عندما يطابق بين موقف «لا للحرب» وبين دعم قوات الدعم السريع؛ نكاية بصمود، على ما أظن. ويكمن تناقضه هذا في أنه لا مطابقة بين الاثنين، ذلك أن وقف الحرب هو أول شرط لعودة نظامية الدولة.
وحتى لا نقسو عليه، ونمضي في تفسيرات لا تليق عند الحديث عن مواقف يسوع النيلي الذي ظل يبشر بإنجيل الأفريقانية والسودان الجديد لسنوات عديدة، نكتفي بأن نقول إنه وفي 15 أبريل قد أخرج عنوة شبح السودان الجديد ليسكنه شبح أيديولوجيا الدولة التي كان يدعو إلى تقويضها تماما ويسميها بالدولة الإسلاموعروبية أو السودان القديم. ولعل ما يدلل على أنه بات مسكونا بشبح أيديولوجيا الدولة – المصطلح الذي نستخدمه لتوصيف «الدولتيين» – هو أن معظم حججه، في الدفاع عنها وعن مؤسساتها، هي في الأساس حجج تستند إلى عقائد ومسلمات مثل كل الحجج الأيديولوجية، وهذا هو السبب الأساسي لتناقض يسوع الجلابي. ويمكن أن نقول أيضا إنها – الحجج – ولهذا السبب بالذات، مجرد مواقف لا يمكن تبريرها، ذلك أنها حجج لا تأخذ في اعتبارها الوقائع والأحداث في بنائها، وتستند إلى رغبات وأمان، لا تحليلات.
وإذا ما كان عمق عقل ما يقاس بمدى تقبله للحقائق التي تناقض قناعاته، فإنه يمكننا القول إن محمد جلال هاشم، والذي أفنى عمره كله في صياغة نظرية اجتماعية تفسر الصراع السياسي في السودان، لم يستطع تحمل الحقائق القاسية التي فرضناها، نحن الجنجويد، بعد حرب 15 أبريل على قناعاته وعلى نظريته الاجتماعية. وفي حين لم تصمد إلا بعض الخلاصات النظرية لمشروعه الفكري، إلا أنه هو، جلال، قد انهار كليا، وتنكر لمشروعه الذي قضى عمره كله في تلفيقه وتلتيقه، ولم يقو على الصمود. ولعل أهم مثال على ادعائي هذا هو هجرانه، إضافة إلى كفره – إن جاز قول ذلك – البواح بالسيناريو الشرق أفريقي الذي كان يبشر به عقودا طويلة؛ حيث عرّفه في ندوة شهيرة رفقة الكومرد عبد الواحد محمد نور بأنه ذلك السيناريو الذي تأتي فيه مجموعات مسلحة من الهامش، وتنقض على جيش الدولة المركزية، لتنهي الدولة الإسلاموعروبية وتبني دولة السودان الجديد بجيش جديد وهوية جديدة.
ولم يكن ود جلال يبشر بالسيناريو الشرق أفريقي فقط، بل كان يعده السيناريو الوحيد للتغيير في السودان. ولكن لا بد أن سوء الطالع ملازم دائما وأبدا لمفكرنا الجهبذ، كملازمته لكل الشخصيات العظيمة في التاريخ؛ فمثلما مات الرحالة البرتغالي الشهير كريستوفر كولومبس وهو يصر، مقدما أقوى الحجج والبراهين، على أن الأراضي التي وصلت إليها سفنه ليست أراضي جديدة، وإنما هي الهند؛ ذلك أنه كان يؤمن بيقين قاطع أنه متجه إلى الهند، ولم يكن يضع في حسبانه إمكان وجود أراض غير معلومة لهم – كأوروبيين – في هذا العالم؛ أي مثلما مات الرحالة كولومبس جاهلا حتى بالإنجاز التاريخي الكبير الذي سيذكره التاريخ به، أخشى أن يموت – وبعد عمر طويل إن شاء الله – مفكرنا الجهبذ دون أن يدرك، أو لنقل دون أن يعترف – لا أظنه يجهل – بأن حرب 15 أبريل هي ذلك السيناريو الشرق أفريقي الذي كان يبشر به. ولكن، وللتشابه المأساوي بين الرجال العظام، ومثلما أن السبب في عدم اعتراف كولومبس بإنجازه هو أن إمكان وجود أراض لا يعلمها الأوروبيون، في المحيط الأطلسي بين قارة أفريقيا وأوروبا – نقطة انطلاق كولومبس – وقارة آسيا أو الهند – الوجهة النهائية لكولومبس – كان أمرا لا مفكر فيه، بل إمكانا مستبعدا بالنسبة له؛ فإن السبب في تنكر محمد جلال هاشم للسيناريو الشرق أفريقي الذي حدث – ويحدث أمامه – هو أن إمكان أن يكون الدعم السريع هو قوى الهامش التي ستنجز السيناريو أمر غير مفكر فيه، بل ومستبعد بالنسبة له.
إن رفض يسوع النيلي أن يعترف بأن ما يحدث الآن هو السيناريو الشرق أفريقي بحسب تعريفه؛ فالدعم السريع قوى عسكرية من الهامش – جنودا وضباطا – وهي الآن تنقض على الجيش المركزي والدولة، وكلاهما قد انهار؛ كما أن هنالك سودانا جديدا يتشكل؛ إن رفضه الاعتراف بما كان يدعو له أحد أسبابه أنه ظل يتخيل أن السيناريو الشرق أفريقي، والذي سيؤسس للسودان الجديد، سيكون من إنجاز الحركات المسلحة الأفريقانية التي هو جزء منها وأحد أبرز منظريها. وباختصار، إن ما حدث في حرب 15 أبريل، والتي يتقاتل فيها كل من الجيش والدعم السريع، امتحن نظريته للتغيير، لكنها لم تصمد ولم يقو هو على الثبات؛ ذلك أن يسوع النوبي كان يعرف الصراع ضمن نظريته التفسيرية على أنه صراع بين مجموعات إسلاموعروبية مهيمنة على الدولة، ومجموعات أفريقية مهمشة؛ كما أنه يعرف هذه المجموعات الأفريقية المهمشة على أنها الحامل للمشروع الثوري للسودان الجديد الأفريقاني؛ وهي تعريفات لا يمكنها أن تفسر الصراع الحالي في حرب 15 أبريل، ذلك أنه صراع بين جيش الدولة الإسلاموعروبية والمجتمعات المهيمنة من جهة، ومجموعة عسكرية – كانت جزءا من الدولة – جذرها الاجتماعي من المجموعات العربية الرعوية المهمشة والمعسكرة.
وليس هذا فحسب، بل إن قتال الحركات المسلحة الأفريقانية إلى جانب الجيش والدولة يضع النموذج التفسيري ليسوع النوبي في مأزق كبير، ذلك أنها هي ذات الحركات الثورية الأفريقانية التي كان يعرفها كتلك القوى الثورية الحاملة لمشروع السودان الجديد، والتي يعول عليها من أجل إنجاز السيناريو الشرق أفريقي الذي كان يبشر به. وبعبارة أدق، فإن القوى التي كان يعول عليها يسوع النوبي في إنجاز السودان الجديد أصبحت تقاتل إلى جانب الجيش من أجل حماية الدولة الإسلاموعروبية التي كان يعرفها – وهو أيضا – على أنها ظالمة، والتي كانت تنادي وتعمل على تقويضها وبناء وتأسيس السودان الجديد الذي سينشأ من ركامها. ولعله من الواضح أن عجز النموذج التفسيري الذي يقرأ به مفكرنا الجهبذ – يستند إلى منهج التحليل الثقافي – حرب 15 أبريل هو الذي دفعه إلى الانتقال من مشروع تقويض الدولة الإسلاموعروبية، بحجة أنها ظالمة ومهددة لوحدة السودان، إلى ضرورة حماية ذات الدولة الإسلاموعروبية، بحجة نظامية الدولة وأنها دولة كل السودانيين، وأن انهيارها يهدد وحدة السودان وشعبه. وما يجب تقريره هنا أن يسوع النوبي، كلما تقدم في تحليلاته، وجد «شرك أم زريدوه الذي للتناقض مكجوجا له».
إن الأشاوس، وعبر تقويضهم لدولة (56)، لم يتركوا شيئا لمحمد جلال أو يسوع النوبي سوى البكاء والنواح على أطلالها، وكما يقول أحد المفكرين: «إذا لم يعد هنالك أدب، انقرض النقاد». وأيضا، وبسبب أنهم ضربوا بمعظم خلاصات مشروعه الأكاديمي والسياسي عرض الحائط، وجد يسوع النوبي نفسه في موقف لا يحسد عليه، ذلك أن مشروعه التحليلي – منهج التحليل الثقافي – ومشروعه السياسي – السودان الجديد – كانا يجدان مبرراتهما الرئيسية من نقد الدولة الإسلاموعروبية أو السودان القديم؛ هذا في حين تحول هو إلى موقف الدفاع عن ذات السودان القديم بعد حرب 15 أبريل. ويبدو أن هذا سبب تناقضاته الصارخة عقب الحرب، فقد أصبح لزاما على يسوع النوبي أن يصوغ حججا ومبررات جديدة من أجل الدفاع عن الدولة التي كانت كل حججه السياسية ضدها وتدعو إلى تقويضها. ومجبر يسوع النوبي لا بطل، وبفعل ضرورة صياغة حجاج سياسي عن موقفه الجديد، كان محكوما عليه أن يقع في شرك أم زريدوه التناقض، وأن يظهر بهذا المنظر الذي لكاهن أو عراف، وليس مفكرا ومثقفا. ذلك أنه، ليس تدريجيا بالطبع، بل وفجأة، يسوع النوبي، مسيح السودان الجديد، والذي بإمكاننا أن نميزه من بين كل أنبياء السودان الجديد ونحن مغمضو العينين، أطل علينا بمسوح جديد عقب الحرب، وهو يدافع عن ذات السودان القديم، ويبشر بقيامة السودانيين إن لم يقاتلوا إلى جانب الجيش، مدشنا بذلك العهد الثاني أو إنجيله الجديد. والجدير بالذكر هنا أن إنجيل مفكرنا الجهبذ للدفاع عن دولة (56) أو السودان القديم يختلف تماما عن ذلك الإنجيل – العهد – القديم الذي كان يبشر فيه بأنبياء غبش، خشناء الشعر وداكني البشرة حصرا، وبعثوا فوق تاتشرات مقطوعة ليخلصوا السودانيين من فريسي الجيش وأنبياء الثقافة الإسلاموعروبية الكذبة؛ وإنما هو إنجيل جديد، يظهر فيه الجيش – الذي كان يرى ضرورة هدمه – بثوب المسيح المخلص، والكيزان وكتائبهم الجهادية كحواريين يحملون البشارة للشعب السوداني؛ وبالطبع لم يكن مفكرنا الجهبذ ليغفل أن يصور حميدتي بصورة الشيطان.
إنه من نافل القول أن نقرر ألا وجود لنبي له كتابان، وأن المصير المأساوي لمفكرنا الجهبذ كان يكمن في رغبته العارمة – التي ظهرت فجأة – في أن يكون النبي الوحيد الذي له كتابان؛ ولذلك كان محتوما، وتدريجيا، بالتزامن مع اجتهاد مفكرنا في صياغة الحجج المعرفية والسياسية في دعم الدولة، أن يتحول مفكرنا الجهبذ من الحجاج العلمي الرصين إلى هذيانات أقرب ما تكون إلى الكهانة والعرافة؛ فالرجل أصبح يتحدث بأمثولات وأقاصيص عجيبة. فعلى سبيل المثال، وفي أمثولة إنجيلية له، قال يسوع النوبي في معرض رده على الأستاذة رشا عوض: «هذه المعركة في ظاهرها تدور بين طرفين هما الربان وبحارته من جهة والقراصنة من جهة أخرى. لكن هذه الحرب في جوهرها تدور بين بقاء السفينة من عدم بقائها؛ وأن المعركة في جوهرها بين التجار والتاجرات ملاك السفينة وملاك البضاعة فيها». ويستنتج: «وبالتالي يجب على جميع التجار والتاجرات أن يعملوا على بقاء السفينة دون غرقها، ولو كان ذلك بأن يضعوا أيديهم فوق أيدي الربان وبحارته طالما أن ذلك يعني عمليا بقاء السفينة دون غرقها. فهذا يعني أن حلم استعادتنا لسفينتنا لا يزال باقيا طالما ظلت السفينة باقية».
ونتساءل هنا: أليست السفينة – التي ترمز إلى السودان – هي ذات السودان القديم الذي كنت تدعو إلى تقويضه لا إلى إصلاحه، وتنادي بالسودان الجديد في مقابله؟ أليس هذا الربان – الذي يرمز إلى الجيش – هو ذات الجيش الذي كان يقهر ويسرق التجار والتاجرات أصحاب السفينة – الذين يرمزون إلى الشعب -، وأن هذا الربان – الجيش – الذي تدعي أنه يريد حماية السفينة – الدولة الإسلاموعروبية – هو ذات الجيش الذي كنت تنادي بتفكيكه وتأسيسه من جديد؟ أليس القراصنة – الذين يرمزون إلى الدعم السريع – هم صنيعة الربان الظالم – الجيش – الذي يجب أن يقف المواطنون معه؟ لعل يسوع النوبي من الذكاء بمكان ليدرك أن الطريقة الوحيدة التي تخفف التناقض الذي ورط نفسه فيه هي أن يعرف حرب 15 أبريل على أنها حرب بين الدولة وقوة أجنبية تخدم المشروع الإمبريالي؛ ذلك أنه، ولكي يجعل دعمه للدولة والجيش – اللذين كان ينادي بتقويضهما – مبررا، فإنه لا بد أن يكون المهدد عدوا خارجيا. وهربا من التناقض الذي ورط نفسه فيه، يقع جلال في تناقض جديد؛ ذلك أن تعريف الحرب على أنها صراع بين الدولة وجيشها وقوة غازية لا يمكن أن يكون صحيحا، وقوات الدعم السريع حتى تاريخ 15 أبريل كانت جزءا من الدولة والجيش، وفي ظل حقيقة أن الدولة هي التي أنشأتها وجندتها ومولتها ودربتها وجهزتها وقننت وجودها، وأنها قوات سودانية وأن جنودها سودانيون. ولكن لكي لا يظهر مسيحنا في صورة المتناقض، لا بد من أن يتحول – في مقالاته فقط – آلاف الشباب السودانيين من أبناء البوادي، الذين عسكرتهم الدولة لعقود طويلة وزجت بهم في حروبها، إلى غزاة أجانب، وتتحول كذلك قوات الدعم السريع التي كانت «تحرس السودان نيابة عن النائمين ووليدة رحم القوات المسلحة،» إلى ميليشيا الجنجويد وعرب الشتات الأجانب.
إن مشاهدة يسوع النوبي وهو غارق في مستنقع تناقضاته، وفجأة هكذا، تشير إلى إمكان وجود صدمة نفسية حادة لديه؛ ذلك أنه – وبعض الظن إثم – يدرك أن حرب 15 أبريل هي السيناريو الشرق أفريقي يحدث في السودان بضبانته، ولكن صدمته تكمن هنا بالذات؛ فمسيح السودان الجديد، عندما بدأ يدرك أن السودان القديم قد انهار، ويا للأسف، بدأ يدرك أيضا أي الكادميل هو ذلك الذي سينجز السيناريو الشرق أفريقي. وبعبارة أخرى، فإن صدمة يسوع النوبي تكمن في أنه أدرك أيضا أن الذين يدكون ركائز السودان القديم أمام ناظريه ليسوا أولئك الأنبياء الغبش، خشناء الشعر وزرق البشرة حصرا، الذين كان يبشر بهم عقودا طويلة؛ وإنما هم جنود غبش، ناعمو الشعر وفاتحو البشرة، من أبالة وبقارة غرب السودان، وبالطبع معهم مجتمعات السودان المهمشة. ولعل الصدمة التي تعرض لها مفكرنا وهو يشاهد مشروعه الفكري والسياسي يسقط أمامه كانت كافية لتجعل ذلك الجلابي الذي بداخله – دفنته الأفريقانية – يستيقظ فجأة؛ فمفكرنا الجهبذ لا يمكن أن يدعم الدولة الإسلاموعروبية التي كان ينادي بتقويضها إلا إذا ما أصبحت تُعرَف عنده على أنها دولة امتيازات مجتمعاته، ودولة امتيازاته بالطبع. ولذلك يعز عليه أن يرى دولة امتيازاته ومجتمعاته تنهار أمام ناظريه، ليس من قبل المجموعات الأفريقانية الكوشية كما كان يمني نفسه، وإنما من قبل مجموعات عربية من الهامش، وفي مقابلهم، لا أستغرب تحول مفكرنا يسوع النوبي إلى وضع الجلابي الآلي – مشابه للطيار الآلي – ويدافع بهذه الاستماتة عن دولة (56)، ولا استغرب أيضا أن يكفر بمشروعه في سبيل إنقاذها، لأنها دولته وقومه.





