باسم من تتحدثون؟ حكومة بورتسودان تُعلن عداءها للإمارات.. والبيان الإماراتي يفضح زيف الادعاءات (2-3)
في مشهدٍ يجسد عبثية المرحلة، أصدرت حكومة بورتسودان، التي لا تمثل إلا نفسها، بيانًا عدائيًا تجاه دولة الإمارات العربية المتحدة، معلنةً قطع العلاقات معها في قرار فجّ، لا يستند إلى شرعية قانونية، ولا يمثل رأيًا شعبيًا أو إرادة وطنية. قرارٌ لم يُفاجئ الإمارات، بقدر ما أثار دهشة ورفض الشارع السوداني، الذي ظلّ وفيًا لعلاقاتٍ تاريخية متجذرة مع الأشقاء.
وفي أول ردٍ دبلوماسي يعكس نُضج السياسة الإماراتية، جاء بيان وزارة الخارجية في أبوظبي ليُجسد الفارق بين دولة تُدار بالحكمة والرصانة، وأخرى تُدار بردود الأفعال وتهويمات العزلة. البيان الإماراتي، دون أن ينجر إلى مستوى الإساءة، أعاد ضبط البوصلة للعالم أجمع: الإمارات كانت وما زالت إلى جانب الشعب السوداني، ولن تنحدر إلى الرد على استفزازات لا تمثل السودان.
لغة البيان كانت كاشفة… دبلوماسية في أعلى درجات الوعي، وإحراج لحكومة بورتسودان على المسرح الدولي. الإمارات رفضت الانجرار وراء خطاب الكراهية، واكتفت بإبراز الحقائق، خاصة بعد أن فندت محكمة العدل الدولية شكوى حكومة بورتسودان ضد أبوظبي، واعتبرتها بلا سند قانوني أو أدلة مقنعة. هذا الفشل القانوني لم يُربك الإمارات، بل أكسبها مزيدًا من الاحترام، وأفقد خصومها ورقة طالما لوّحوا بها إعلاميًا دون طائل.
لكن المفاجأة الأكبر، كانت في الرد الغاضب الذي صدر عن مجلس الأمن والدفاع السوداني، والذي جاء مشحونًا بالانفعال، خاليًا من الحكمة، ومفتقرًا إلى أدنى درجات الرصانة. البيان، بدل أن يراجع الموقف، لجأ إلى التهويش والتهديد، وكأن الصوت العالي يُعالج الفشل القانوني في لاهاي. رفضهم للبيان الإماراتي – الذي حظي بإشادة دبلوماسية دولية – لم يكن إلا تأكيدًا على التخبط وغياب الرؤية، وكشفًا للهوة السحيقة بين من يدير الدولة ومن يُفترض أنهم يمثلونها.
فأي منطق ذاك الذي يرفض بيانًا متزنًا، متماسكًا، صادرًا عن دولة كالإمارات، تملك من أدوات السياسة والنفوذ والدبلوماسية ما لا يُقارن بمجلس أمني لم يعد يُمثل دولة كاملة؟
إن من يتحدث باسم السودان لا بد أن يكون ناطقًا بحكمة تاريخه، ومعبرًا عن وجدان شعبه، لا تابعًا لأجندة عزلته الجغرافية والسياسية. السودان ليس طارئًا على محيطه العربي، ولا تنقطع علاقاته التاريخية بقرار فردي تصدره مجموعة محاصرة.
الإمارات، التي بنت المستشفيات والمدارس، وآوت آلاف السودانيين، لم تطلب جزاءً ولا شكورًا. كانت تمد يد العون بصمت، وتبني في الوقت الذي يهدم فيه الآخرون. فهل يكون جزاء هذا الإحسان إعلان عداء؟ وهل يُكافأ العطاء بالتنكر؟!
هذا القرار المرفوض شعبيًا وأخلاقيًا، ليس إلا محاولة بائسة لتحويل الأنظار عن إخفاقات داخلية متراكمة، وعن أزمة شرعية حقيقية، تريد أن تواري سوءتها بخلق خصومة مفتعلة مع دولة شقيقة.
لقد وضعت الإمارات القضية في نصابها الصحيح: لا ردود على بيانات مرتجلة، ولا تراجع عن دعم شعب السودان، ولن تُجر إلى صراعات لا تخدم إلا أجندات ضيقة. وهنا يكمن الفارق بين دولة تصنع الدبلوماسية، وأخرى تصنع الأزمات.
نقولها بوضوح: السودان شعبٌ أصيل، لا يبيع تاريخه، ولا ينسى من وقف معه. ومن لا يُحسن تمثيل السودان، فليتنحَّ عن الحديث باسمه. أما الإمارات، فقد كسبت مرة أخرى رهان الأخلاق والوعي، وخرجت من هذه المعركة الوهمية أكثر احترامًا، وأشد حضورًا في ضمير الشعوب.





