رأي

الطيب علي حسن يكتب : مأزق مناوي: من لا يمكنه التمرد ولا يعجبه أن يكون تابعا.

كنا قد أشرنا في مقالة سابقة إلى أن التحالف القائم بين الجيش السوداني من جهة، والحركات المسلحة هو تحالف مرحلي وذلك بالنظر إلى أن كلا الحلفين يمثل قوى اجتماعية مختلفة، وهو ما يؤدي إلى تباين وأحيانا تناقض في المصالح الاجتماعية والأيديولوجيا؛ وهو ما ينذر بإمكان تفككه. في هذه المقالة نحلل ما نسميه بمأزق مني أركو مناوي، قائد حركة جيش تحرير السودان، والذي يكمن في أنه مدفوعا بمطامعه السلطوية والاقتصادية، قد زج بقبيلته -الزغاوة- ذات الثقل السياسي والاقتصادي والعسكري في السودان والجارة تشاد، في أتون حرب لا ناقة لها فيها ولا جمل. ويبدو أن الرجل مدفوعا بحلم حيازة الإمتيازات السلطوية والمكانة السياسية السابقة لـ عرب غرب السودن، لصالحه هو وقبيلته. ولعل مواقف الرجل وخطاباته طوال هذه الحربط كانت تشير إلى أنه كان يطمح في أن يحل محل حميدتي، وأن تأخذ القوة المشتركة مكانة الدعم السريع، فيما منى نفسه بأن ترث قبيلة الزغاوة مكانة عرب دارفور وكردفان، أو أعراب الشتات وفقا لخطاب مناوي الجديد عقب الحرب.

نشير هنا، إلى وجود أسباب تكتيكية أو مرحيلة وأخرى استراتيجية قد دفعت الجيش إلى إغراء الحركات المسلحة، جبريل ومناوي ورصاص، بالمال من أجل القتال إلى جانبه ضد الدعم السريع، أو عبر تهديدهم بإقصاءهم من السلطة في حال عدم قتالهم. نقرر هنا، إن أولى أهداف الجيش من دفعه الحركات المسلحة بشتى السبل إلى القتال جانبه، كان سد العجز في المشاة الذي كان يعانيه بداية الحرب. ثانيا، كان يهدف إلى نقل الحرب مجددا إلى دارفور عبر فتجأح مدينة الفاشر كجبهة قتال جديدة يتم فيها استنزاف قوات الدعم السريع من أجل وقف تقدمها شمالا وشرقا في ذلك الوقت. أما الأهداف الاستراتيجية لـ الجيش فقد كانت تتلخص في تحييد إمكان تمرد أو انضمام مناوي إلى قوات الدعم السريع، الأمر الذي كان سيعني النهاية الحتمية لدولة {56}. ثانيا، التخلص من قواته الصلبة واستنزاف قوات الدعم السريع، وبالتبع إضعاف كليهما. أما الهدف الثالث لـ الجيش، والأكثر استراتيجية من بين أهدافه، فقد كان القضاء على أو إضعاف قبيلة الزغاوة كقوى اجتماعية لها وزنها في دارفور.

عقب أن ضمن الجيش دخول مناوي الحرب في نوفمبر 2023م، بدأ خطته في نفي إمكان أي تمرد محتمل لمناوي وإضعاف قبيلة الزغاوة، وذلك عبر تجريده أولا من نفوذه وعلاقات السياسية والاجتماعية الواسعة في المنطقة، خاصة في تشاد وليبيا. ونؤكد هنا أن الجيش كان يعلم أن كل من تشاد وليبيا هما الدولتان اللتان تمثلان عمق مناوي وقبيلة الزغاوة الاستراتيجي، والتي دائما ما يلجأ إليها في حال تضعضع قواته على الأرض كما حدث عقب 2013م عندما عملت قواته هنا كمرتزقة. لإفقاده هذا العمق، كان لابد لدولة {56} أن تشن حملات عداء دبلوماسية على تشاد، أدت بالنهاية إلى توتر العلاقات بين البلدين إلى درجة التهديد بالحرب. ونؤكد هنا، أن الجيش قد أراد من ذلك أيضا، أن يفقد قبيلة الزغاوة ميزة التجارة الحدودية التي تمثل أهم مصادر ثرواتها، وبالتبع أن يفقد مناوي سنده الاقتصادي والاجتماعي وذلك بفصل زغاوة تشاد، خاصة الطبقة السياسية والاقتصادية، عن زغاوة السودان.

عقب مرور سنة على فكه الحياد، بدأت سياسات دولة {56} تأتي أكلها، فخلافات حادة قد نشأت بين النخب السياسية لقبيلة الزغاوة في كل من تشاد والسودان، ما أدى حتى إلى إنقسام هذه النخب في كل من البلدين داخليا، حيث انقسم نخب القبيلة في تشاد على دعم القوة المشتركة والدعم السريع، أما في السودان فإن ذات الشيء قد حدث أيضا؛ وذلك ما أضعف الحركات العسكرية لمناوي وقدرتها على وقف الدعم السريع عسكريا. عقب سنتين أيضا، أفقد الجيش مناوي عمقة الاستراتيجي في ليبيا، حيث أضطره للإنسحاب من منطقة المثلث الحدودية التي كانت ٱخر منافذه الحدودية مع دولة أجنبية. ولعل الواضح هنا، أن أبرز نتائج مغامرة مناوي هذه، هو أن قبيلة الزغاوة بدأت تفقد عمقها الاقتصادي في تشاد وليبيا تدريجيا، حيث أصبحت جميع الطرق التجارية الحدودية في يد الدعم السريع، ما أدى إلى خسائر اقتصادية فادحة بحق تجار وأبناء القبيلة، كما أنها خرحت تدريجيا من جميع أسواق دارفور وكردفان.

إن كل ذلك، كما أكدنا سابقا، كان من أجل ضمان عدم تمرد مناوي مستقبلا، وإبقاءه في بيت طاعة {56}، من خلال سياستين، الأولى منها نسميها بسياسة الاعتمادية الاقتصادية، والثانية نسميها بسياسة الاعتمادية العسكرية؛ ذلك أن إفقاد الجيش مناوي لعمقه الاقتصادي والعسكري في.ليبيا وتشاد يعني أيضا، فقدان مناوي أي استقلالية تمكنه من تلقي دعم عسكري أو مالي خارجي، وهو ما جعل تسليحه بالتبع حصرا من جيش {56}. وبختصار نؤكد هنا أن من يملك تسليحك يملك قرارك، وهو ما وضع مناوي أمام خياران أحلاهما مر. الأول، أن يتمرد على الدولة ويذهب إلى تأسيس وهو ما لا يستطيعه حاليا، نظرا لأن كل إمداده اللوجستي من الجيش، كما أن الزخائر التي في حوزته لا كفي لمقاتلة الجيش شهرا واحدا. أما الخيار الثاني الذي أمام مناوي، فهو أن يبقى تابعا للإسلاميين ودولة {56}؛ وهو المأزق الذي أراد الجيش وضعه فيه تم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى