ثقافة

حكايات الديم الغميسة: فيصل ساولين “دَرَسَ علم الجمال في معهد غوركي”

عماد عبد الله

يوسف ميرغني ده زول صعلُوق ساكت.. آآآآ، يكتر يقلّل ورحمة سكينة أمي أشطب ليك حنانو من قائمة الأحياء، بلد مطلوقة تمام. قال رئيس لجنة قال.. لجنة بتاعة مين يا خي.. آآآ، الله يرحمك يا عم ميرغني. صحي النار تلد الرماد. واحد طربنش زيّو.. طُز من سبحان الله ما بيعرفا آآآآآ.. يبقى هو سيد البلد؟!، شي عجيب. (ثم مستدركاً بنرفزة)، وبعدين يا سيد إنت.. لو عندك كلام مفيد غير سيرة يوسف ميرغني ويوسف طيارة.. أحسن تقولو، وللَّا أركب الشارع.. آآآآ، الرأس ده.. ما بتفتكر الله خلقو لينا لحاجات أفيد؟. يقول ذلك ولا ينزل ساقيه الممدودتين على الكرسي البلاستيك أمامه. ينحني ليلتقط “القزازة” البيضاء القصيرة مربعة الزوايا القابعة تحته، يصب منها في (الكاسة) الصغيرة “أم أضان”، مقدار قياسه حاسة السمع فقط: شرررررروو، يدلق المشروب في جوفه دفعة واحدة، ليعيد قزازته بحرص حيث كانت، ويتنحنح ليبصق. ذات الجلابية مفتوحة الأزرار، في ذات موضع الكرسيين. أمامه “المنتزهة” هكذا يسمي فسحة الأرض الفضاء المربعة أمام البيوت – بين الباب الكبير الأخضر الكبير “أبو تلاتة ضِلَفْ” وشباك الصالون، الطاولة الدائرية نفسها وعليها الراديو ذو الجلد البني مهترئ الحواف، ذات الصينية الألومنيوم، وذات السفنجة “قمر بوبا” الحمراء (يسميها برطوش، ويسمي مركز الشرطة التُمنَة، والمقابر يسميها الجبّانة، ودكان يعقوب هو كنتين ياغوب، والحفلة يسميها القلوبة، يطلق على المصلاية التبروقة، وصيوان المناسبات عنده التُزْلُك، الحمام عنده هو المستراح، والصالون ديوان.. وهكذا غرامه بالمسميات العتيقة). زادت الشعرات البيض على رأسه الأشعث ولحيته غير الحليقة دائماً وشاربه الكث، هزُلَ وجهه قليلاً.. وازداد حنقاً. يتزايد عدد متحلقي مجلسه كلما الليل أليَلْ، كل من مرّ من طارقي الشارع الترابي الضيق يلقي عليه السلام: أُستاذ فيصل.. كيف أمسيت؟ يرد بترحاب صادق لا يشبه حالة حنقه المقيم: “مرحب معتصم، كيفك؟.. تمام؟.. إتفضل”.. “أهلاً يا خالة.. إن شا الله كويسين”.. “يوسف قديس يا كلب، وينك.. أخبارك عندي.. آآآ، إتفضل..”. يتمدد المساء على الديم، قرية مدنية في قلب مدينة مُسلمة أمرها للمجهول. تعج فيها التفاصيل بالناس والحكايا. (فيصل ساولين) دَرَسَ علم الجمال في معهد غوركي، وعاد.. ليُدرّس – مغضوباً عليه – التاريخ والجغرافيا للمدارس الابتدائية، بعد أن حاصره المحاصرون، حيث كان يعمل في مصلحة الثقافة.
“يا ود قال ليك إحالة من مصلحة الثقافة لمصلحة البلد..، بعدين بووووو للصالح العام.. وكلو مصالح.. آآآآآ. الود مختار حسين الدياشي ود خالتنا العوقة داك.. آآآ، نزلوه المعاش.. ما بَعرف رتبتو مارشال وللا بتاع.. تاني يوم طوالي ظبطوه ليك معتمد محلية مين كده ما عارف.. آآآآ، يعني عوارتو ديك حَـ يْفِكَّها في الناس المساكين، بقّوها عوارة حكومية مؤسسة.. آآآ، طلّع ميتين مريم خالتي والبواليس الكانوا شغَّالين معاهو.. شُفْتَ كِيفْ، هسع رقوهو يتم الناقصة، ويفكِّهَا في البلد. ديسقزتينق. العوقة ودوهو الصالح العام ونحنا التالف العام.. آآآ. يا ود البلد كلها عايمة قت ليك.. هانت الزلابية. غايتو أنا من هنا، ورحمة سكينة أمي آآآ ما عندهم صالح تاني يودوني ليهو غير عمك صالح بتاع القش.. يا لصوص يا أولاد الهِرمة، قاعد ليكم أنا آآآآ.. والحشاش يملا شبكتو. وقد كان قاعد ليهم. لا يمتنع عن رصد كل ما يقوم به رجال السلطة في الحي والوقوف لهم شوكة حوت في كل ما يفعلون. يبدأ من سوق الديم يعاين هذا ويحدد لذاك ماذا يجب، ويسأل عن من (كشُّوها) من ستات الشاي والنسوة فارشات المصاطب، يتونس معهن ويهرش الخضرجية رافضاً أسعار الخضار المكتوبة، وغير المكتوبة.. يطالب بلوحات تحمل أسعارها. يكابس زريبة الفحم ويطالبهم بفرز الفحم الطقطاق عن السناري الجيد: الشاف لسّه ني وطلحكم فشنك يا عوض الكريم، النسوان حـ يطلِّقوهن بسبب جشعكم يا كلابات. ويزوم كالأسد في نقطة الشرطة: محكمة شنو التودوا ليها الناس.. آآآآ حراستكم دي أخير منها الباستيل يا حيدر، حقو الواحد يحشرك فيها هسع عشان تفسخك السخانة وريحة البول تعمل ليك استنقلينا، عملتوها زريبة مواشي يا رَبَشْ آآآآ، ورحمة سكينة أمي باكر بيجيكم الدور يا أمة يا دلمة..آآآآ، والحساب ولد بعدين يا كلابات. يمضي نزولاً من سوق الديم وحتى كشك التلج جهة مقابر فاروق، ويغرّب حتى سوق السجانة ثم ينزل جنوباً حتى ديم القنا.. يتفقد الناس ويسب ويسخط ويسلّم ويشيل الفواتح ويشرب الشاي ويجلس مع هذه الشلة وتلك ويزجر الصبية وحكوا فقالوا: صفع ناظر المدرسة حين رفض الأخير إعادة تسجيل الطلبة في السنة النهائية الذين لم يسددوا مصاريف درس العصر، فأحالوه للجنة تحقيق قضت بفصله. عاد ليمارس التدريس من منازلهم. أخته الكبرى “ست زكية” صاحبة الروضة الشهيرة، أوكلت إليه مهمة تدريس “شفع الحلة الشواطين” الذين لم يعد بمقدورها ضبطهم.. فآمنوا. لا نجرؤ كنا على مناداته بغير: أستاذ فيصل. نغيب ونعود لها الخرطوم، وعنها يغيب ويعود العسكر (يا ساقية جحا)، وترحل عنها روائح حليب الصباح المُقنن، عنها تسكت أصوات موسيقاها الليلية وضجيج مسارحها ومنتدياتها وجلساتها وحواراتها و(غُنَاها) القديم مشبوب الكمانات عفيّ الكلام. نكبر ما كبرنا وتتشعب بنا دروب المعايش والحياة، هدتنا السنوات فرجعنا نلتمس سكينة عاقلة من بعد رعوناتنا الهاتفة (الخواف ربّى عيالو). كملنا القراية وتخرجنا وهاجرنا إلى أصقاع الدنيا وعدنا، لقينا مكياج الخرطوم كثيفاً ورخيصاً و.. محزناً. الخرطوم متكلفة المكياج هذه تخبئ قبح الدنيا تحت بهرجها الرخيص. أتذكرها – محسوراً – فاتنة لا تشبهها ناصيةٌ في الدنيا. نتعرف إلى قبح سوأتها كل نهارات إجازاتنا القصيرات، ونجلس في مساءات التعب إلى فيصل ساولين، فيُسقط عنها آخر خيوط زيفها، ويشرح – في ألمٍ عظيم – كل ما التهمته عيناه من صحف اليوم وما التقط من أخبارها عبر الراديو الناشيونال الترانزيستور الصغير (صاحبه الصدوق). يحلِّي حديثه بالمفردات الأجنبية كلما ارتخى جسده الهزيل في كرسيه وتناقص منسوب الزجاجة تحته: الناس دي زي وصلت لمرحلة علة باركنسون.. آآآآ” ذي كانط فوول أص نومور”.. آآآ، حكمة التاريخ وحتميتو بتقول ليهم الرجفان بدا.. شايف كيف، ودورنا نحنا في اللعب وكتو جا يا دلاقين.. آآآآ. البلد راسا مشقوق ياخ.. يعني خالطه موية وزيت.. آآآآ، ورحمة سكينة أمي آآآآ.. حـ تصّلب وتبطّل قريب ما في شك، لتّقوها بشوية كضب وغشغشة ونيفاشا وعكاشة ومش عارف إيه،” نوويوز يا خي”.. نوويوز.. آآآآ، بقينا زي عربية عمك عوض سعيد دي، طلع دينا باللتيق الكتير والخرمجة. آآآآ، شفع الحلة هدّا حيلم ياخ بالدفرة الكتيرة.. آآآ، يقوم من الصباح يقرا ليها الفاتحة وجزُو عمَّ وطلع البدرُ علينا.. شفت كيف، وعجاجتها رابطة.. آآآآ، تيبيكال زي حفرة الدخان الإسمها محطة بري الما قادرة تنور كبري كوبر الجنبها.. سور يديكيلص.. آآآآآ، لغاية ما ربك رب الخير ريحها ليك منو وريّح الود عصام شاكيرا والمكنة عضّت.. شايف كيف. البلد دي لازم تتشال وتتقلب أب صايد داون.. آآآآ، وتتقلع مَكَنَتَا الخريانة دي تترمي في أقرب كوشة تاريخ مع المَكَنَاتْ الكَتِيرَة بتاعةَ الكوامر والكرور الهِنَاكْ.. شَايِفْ كِيفْ، وتتربط محلها مَكَنَةْ جَدِيدَةْ بِي شروطنا نحنا ومواصفاتنا نحنا.. آآآ، مكنة أصلية.. جينوين يا سيد، وجودتها مضمونة بمزاجنا ياخ.. شايف كيف. وخلينا بعد داك نشوف لينا سروال كاكي ساكت، وللا دقينة زي شرك الطير حايمة بي جاي.. آآآآ، ورحمة سكينة أمي إلا يدخلوا معانا في كستبانة.
لم نرَ سكينة أمه تلك، التي لا يحلف بإلاها. قال عنها: أمي أنها كانت “مَرَة حارّة”.. تحلف إسم الله من شدتا ولضتا تقول راجل، صوتها زاتو صوت رجال رجال.. شفت زكية الهسِّسسع دي، سكينة الله يرحمها كانت منجِّضَاها نجاض بالقراية والكتابة.. لاكين النصيحة ليك يا الله الشافعة كانت شاطرة خلاس. من يوما الدخلت المدرسة وهي الأولى دي ما فكتا ليهم.. عيني باردة. نان لاكين هي زكية سَغَيْرَةْ!! زكية ما سَغَيْرَةْ والله، نديدة صفية بت نعمة عمتي، هَسِّع صفية صلاة النبي مُنَى بنية إخلاص بتّها عرّستْ، إلا لاكين زكية ضيعت عمرا كلو في القراية، لامِن بارت.. مخيّر الله. أها سكينة مسّكوها نَحْوَ الأمية هي وآمنة بت العمدة الله يرحما هي كمان. الإتنين نضامات ويَقَعِّدَنْ الكلام ده لامن تستغرب. من وكتا داك، وإنتي يا صفية تحرشي في الحريم على أبو القاسم راجل ستنا بت بشير. قالت ليهن ضلالي ما يمشن يسمعن كلامو، غاشي الناس بالنبي قال والرسول سوّا. وهو تِحِتْ تِحِتْ كَاتِلْ الجِّدَادَةْ وخَامِّي بِيضَا. مسّكوهو الجمعية سفَّاها عدَّما التَّكْتَحْ، لامِن قَرَضَا، بِقَتْ يَخْرِبَا خراب الصِّح داك الما كِضِبْ. أها لامن فاطنة أحمد إبراهيم كان يجيبا الاتحاد النيسايي.. سكينة دي الله يرحمها وزكية وفيصل القاعد ده يومهم كلو صلبهم ده ما بختوهُ في الواطـة. يرصوا الكراسي ويرشوا الأرض.. والمكرفونات.. ويا يُمة حال ما حال. عاد سكينة اليوم داك.. بس أم العروس. وكدي اليوم داك الله يقدّر مرة من حريم الديم ديل تغيب من الليلة السواسية حقت فاطنة، سكينة دي ما بتبقى ليها في رقبتا وتمسكا ليها تار بابكر الصديق. عصمان راجلا الله يرحمو كان طيب خلاس، يِعْلَمَ الله هَدِي وْرَضِي، ما في زول في الديم ده إنت يا عصمان غلّطتَ عليهو. شغَّال كان في السكة حديد مع ناس أحمد أخوي، أها بقى شويعي ودخل مع ناس الشفيع ديل بي تقلو. ناس الأمني ديل يوم كدي ما غبّوا من الحلة، الساعة والتانية جايين قابضينو، الله يرحمو كان زول آخرة، مات بالمَرَارْيَا. سكينة الله يرحما سنة بعدو ما تَمَّتَا، وصاحبَ الوِدَاعَةْ أَخَدْ وِدَاعْتُو، مَاتَتْ والله وفيصل ده يا حليلو خلّتو شافع في الأولية..
ساولين التي يحمل فيصل اسمها كانت تسكن حِلَّةَ الحَلَبْ. منتزهتين خلفنا إلى الجنوب. ونسميها كنا “حِلَّةَ الحَلَبْ”، لأن ثلاثة من بيوتها يسكنها ناس عمك كامل شامي، ناس سميعة بت الخواجة، ناس إدوارد الترزي. ساولين هي ابنة إدوارد من زوجته الزاندية التي تركها في الجنوب وعاد بالطفلة. خلاسية شديدة الحسن وطويلة. خفيفة الدم ودودة. دمها الهجين خلق منها أسطورة ورمزاً عشقه كل رجال الحي ونسائه وشبابه، تقص شعرها الأجعد الجميل قصيراً كما الصبية وتلبس البناطلين كانت. وفي الحفلات ترقص دون أن يدعوها أحدهم. فاز بقلبها فيصل. سحرتها شخصيته المختلفة ولغته المختلفة، رقصه ولبسه واهتماماته.. وصمته الهادئ. صارا أشهر عشاق أوائل السبعينيات جنوب محطة السكة حديد، ولازم فيصل دكانة عمك إدوارد الترزي لزمان طويل محشوراً فيها نهاراً – دكانة قديمة بباب زنكي يعصر مدخلها – وفي الليل يقتعد أمامها. حِلَّةْ عجيبة حِلَّة الحَلَبْ، الحياة فيها أصخب وقعاً من بقية (حِلَّاتِنا). ساولين وإخوتها والجيران وشباب الحي وأناس كُثُر، يسمعون بوب مارلي وينقاشون اقتصاد السوق وضلوع المخابرات المصرية في مجزرة بيت الضيافة وتخلي الروس عن جوزف بروز تيتو، وأن البلوستارز دون صلاح بتاع الدرامز بقت تعبانة، وشرحبيل ليس بأقل من ستنباري في عزفه على الجيتار، وأن سهرة تحت الأضواء ليلة أمس كانت مملة، ثم أحسن مذيع هو ضو البيت، وأن كمال عبد الوهاب لديه مدفع في رجله اليسرى، الرَّئِيس القَايِدْ بِيْكَفِّتَ الوُزَرَا، وأن ماريا التي عناها صلاح أحمد إبراهيم هي كريستينا ابنة ميخائيل فاوستو الإغريقي تاجر القماش بسوق أمدرمان: “دكتور منتصر معليش ياخ.. آآآ، زكية دي شكلها زي تعبت تاني كده”. كنت ومنتصر واصلين إلى باب الحوش في نفس الوقت إثر الطرق المتصل عليه.. وفي إلحاح. فيصل ساولين.. لم يكن ذاك صوته الذي نعرف، يبدو منهكاً وضعيفاً في وقفته مستنداً إلى الجدار عند كتف الباب. سأله منتصر عن الحاصل شُنُو؟.. أجاب بأنه وجدها على الأرض بين المستراح والبرندة. ثم أردف في حدة نعرفها فيه: يعني يا منتصر.. لو أنا عارف الحاصل ليها شنو كنت جيتك ياخ.. آآآآ؟ زكية كانت كويسة في أمانة الله لغاية ما اتعشَّتْ ونامتْ، شُفْتَ كِيفْ.. أنا دخلت أنوم زي إطناشر وحاجة، قلبي أكلني ياخ آآآآآ، قمت أشوفا، خشيت جوه لقيتا كده.. واقعة على الأرض وغمرانة. هرولنا ثلاثتنا، وجدنا النعيم “نون” قد سبقنا. فحصها منتصر، مستلقية في الغرفة البعيدة في آخر المنزل، كانت تلك مرتي الأولى التي رأيت تلك الغرفة.. وهي الأخيرة. غرفة فقيرة بعرش بلدي من الجريد والحصير، بابها خشبي بضلفة واحدة، لم أتبين لوناً للجدار، تبينت فقط خطوط بنيات من أثر الأمطار تمتد عليه رأسية من حافة السقف وتغيب خلف الأثاث الزاهد. طاولة خشبية مستطيلة قصيرة تتوسط الغرفة، تغوص أرجلها قليلاً في رمل الأرضية، عليها مناديل ورقية و(جكٌّ) معدني ومبخر فخاري قديم. غرفة شحيحة.. نظيفة وحميمة، عنقريبان بملاءات خُضر، دولاب ضخم جهة اليسار، الطاولة أقصى الركن الجنوبي تكومت عليها ومن تحتها أرتال من كتب ودفاتر وصحف وعلب الأدوية وقصاصات من كل صنف ولون. ستارة مهترئة الأطراف وثمة رائحة ليست عطراً.. لكنها مريحة. لم تكن المسجاة بلا حول تلك هي ست زكية التي عرفت، أقرب حجماً كانت إلى جسد طفلة هزيلة منها إلى السيدة الحديدية التي على يديها تعلم معظم رجال ونساء الحي. فجعتني نظرات النعيم (نون)، يبحلق بسعة عينيه إلى لا شيء وكل شيء، ويعود لتستقرَّ عيناه الهلعتان على سعتهما فوق وجه منتصر، تستجديانه معجزة تجعل المرأة “تَسُلُّ” عليه لسانها الذي سلخته به طوال سنينه رفيقاً لفيصل: نون؟!! هووي يا متخلف ها.. أمسك خشمك عليك.. عاين الخِلْقَةْ وسِيدَا. ترد بذلك حين ينغص عليها (نون) المرقة في معية نساء الحلة: جبتي خبر منو الليلة؟.. أقعدي باري لي البكيات وأقرضي الناس كده بي توبك عبد الواحد ده. يضحك لـ(حَمْبَكَتِهَا) وكعادته يهز رأسه: والله إنتي وهم، رايحة ليك نقة بس.. هسع أنادي ليك شريفة تجضمك كده لامن تآمني.
– كدي يا يُمة، سجمك وسجم شريفة معاك.. شبهينا وإتلاقينا، شريفة قال، أحمد شرفي إن شا الله.. يا المَعُولَقْ يَا المَبَشْتَنْ.
(نون) جيء به الديم صغيراً، أحضروه للعلاج في الخرطوم من علة ما، تعافى وبقي عند خاله. لم يرتدْ مدرسةً، علمته شوارع الديم، ظل ذكاؤه فطرياً كارثياً متقداً. وظلَّ لميضاً يخشى (فَلْقَة) لسانه الناس، عمل ميكانيكياً تحت الشجرات في طرمبة الغالي.. ولم يفلح. لم يفلح في محل الباسطة أيضاً. وسيماً طول بعرض وحبيباً شهيراً.. لصيقاً بفيصل هو (نون)، ويؤثره فيصل على بقية خلق الله. يظلان في نكاف ما لقيتهما: عامل لي ناقش أي حاجة، والله يا جاك إنت ما ناقش أبو النوم زاتو.. قوم فَرْتِقْ بَلَا فَقُرْ مَعَاكْ يااا. – شفتو ليكم تخلف مانع زي ده؟.. آآآا، واحد دلوكة ساكت.. آآآ طربنش أوريجينال، شُفْتَ كِيف.. يتفاصح في حاجة لو قعد لجنى جناهو.. ما حـ يِفْهَمَا. بوم أصلي.. آآآ، يقوم يِقِدَّكْ بِراسُو الفارغ.. يا خي إِتْلَهِي. أَطْفَحْ كَاسَكْ دَه ويَللَّا.. أقطع وشّك. (نون) يُقَرَّش الحافلة الهكرة التي يقودها منذ فترة، بعد أن تركها له ابن عمته معاوية طمبل، وعاد إلى البلاد البترولية. كل ليلة بجانب عناقريب حامد المكوجي يُقَرِّشْ نون حافلته. دكانة المكوجي حامد القديمة تقف منذ وعينا بذات حوائطها الجالوص في زاوية بيت ناس عبد الصادق بطرف المنتزهة الشرقي. إخوة ثلاثة كانوا: حامد، سماني.. والصادق الراجل، يكوُون ويغسلون ويصلون طوال النهار، صوت إذاعة أم درمان تسليتهم الوحيدة، ثم وفي نفس التوقيت تجدهم متقرفصي زاوية دكانة الطيب في ناصيتها المعتمة عند شوالات الفحم. يتعشون فولاً ويكثرون عليه من زيت السمسم والجبنة.. من بعد صلاة المغرب مباشرةً يفعلون. ويمدون عناقريبهم بعد التاسعة مساءً تحت مربع حبال الغسيل فوق رؤوسهم بين الشعبتيْن الخشبيَّتيْن. يشخرون الليل بطوله وعكاكيزهم تحت الفرشات الدلاقين التي يتوسدون. وعند صلاة الفجر ينطلق صوت الصادق مؤذناً من الزاوية المبتناة من الطين في منتصف الحلة. الصادق كان أصغرهم، ولا يبدأ آذانه إلا بعد نحنحة قوية كمن ينهر أهل الحلة النائمين الغافلين ويهرشهم: أححاااااا.. فسمَّاه الناس بالصادق الراجل. يقرش النعيم حافلته الهالكة عند العناقريب الثلاثة، بعد أن يجلد ثلاثتهم بلسانه السليط: تَعَالْ جبد معانا الدَوَا دَه يَا حامد، عشان بكرة تَقَابِضْ بِتَّ المَسِيدْ المُكَسِّرَاكْ دِي، تَعَرِّسَا وتِتْجَارَخْ يَا مْعَلِّمْ.. وتْفِكَّنَا مِنْ رِيحَة صَابُونَكَ المُعَفِّنْ دَاكْ.. في اختراع اسمُو صابون بُودرَة يا بَشْكَةْ يَا دَاقِسْ. فيسبونه في ودٍّ كعادتهم، ليتضاحك هو مسرعاً إلى فيصل، محملاً بـ(كيس كيسين) عشاء ومحدقات روحية. قليلاً بعد ذاك لتبدأ مشاوير العنكبة الليلية والمشادات الحميمة بينهما. ثم دائرة الحضور تتسع وتأتلف الأصوات بالقهقهات، والديم يحلو مساؤه.
ست زكية.. حملناها أربعتنا.. الطرقات في الليل وادعة.. كل شيء صموت في رهبة.. حتى جعير ماكينة الحافلة الهدار أمسى خفيضاً.. وبعدت المستشفى كما لم تكن قبلاً. نون لا يلتفت ولا يتكلم، منتصر قربه ساهماً في قلقه، وأنا في آخر المقاعد أدعو في حرارة. الطرقات في الليل وادعة.. الخرطوم نائمة على أحلامها، إلا من نشيج فيصل المكتوم، مسنداً إلى كتفه رأس شقيقته زكية (آخر علاقات رحمه على الأرض).. المرة الأولى التي يحتضنها فيها منذ تآخيا.. وقد كانت الأخيرة.. بركة الماء خضراء. سمينا الطحالب فوق سطحها (خرا القعونج) وكنا بعد خُضراً.. نحاحي ونشرّك ونصطاد القماري وأم قيردون الحاجة وود أبرق.. والسمبريات وقدوم أحمر في حوش فاروق. بركة الماء خضراء في البقعة شمال شرق المقابر.. القبور هنا لا تشبه القبور عند جهة الجنوب.. هنا القبور بأحجار مُلس.. وأعمدة ودرابزين حديدية محلاة بعناية.. الشواهد هنا أيضاً حجرية من رخام مصبوب مختوم.. ثمة قبر كالضريح الإنجليزي.. باشا أظن المرحوم كان أوبك.. الخط المحفور على الرخام فارسي في أغلبه.. منقوشٌ في صنعة حريفة بآياتٍ خطها الثُلُث.. الآيات ليست (كل من عليها فان) كما يكتبها الغلابة على شواهد الحديد الفقيرة، بدهاناتها الرخيصة “أخدر ستة وستين”.. لكنها آياتٌ حسان: (يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضيةً مرضية). امتلأت المقابر بسكانها السابقين الغائبين.. وحاصرتها من جهتها الشرق الهيئة القومية للكهرباء بمبناها النعيم البارد الحجري المزجج.. والرطانة الأجنبية تحاصر موتاها من جهة الشمال بمعهد ليلي كثيف الشجر. أتذكر.. نهرول كنا مطاردين صيدنا الطير، جرياً من أول المقابر في شمالها البرجوازي وحتى حائطها الجنوبي دون أن نعثر فوق شاهد حديدي لقبرٍ فقير الهيئة، أو دُرّابة ضخمة لقبر من أفقر الأحياء لمرحومٍ من جهة كوشة الجبل.. الآن تكدس الموتى قبراً يزاحم قبراً.. ليس بينهم شبر لموطئ قدم.. والطير ملَّ انتظاراً من شح خبيز الزائرين لرفع الفاتحة في أيام “عشا الميتين” على المراحيم منذ عهد الملك فاروق ملك مصر والسودان.. فقد ارتفع سور المقابر وصار لها حراسٌ وأبواب وتدابير أمنية.. فلا كعك يدخل يوم العيد، ولا للميتين عشاء يغني فيه الصبية: “الحارة ما مرقت.. ست الدوكة ما ظـ…. طت..”، ولا عادت تُرش القبور بماء يبرد على سكانها حرّ الرقدة الطويلة.. من بعد حرّ المكابدة الأطول وهم أنصاف أحياء.
بركة الماء خضراء.. ساكنة. وقبر طويلٌ يعلوه حصى أغبش. بضع أكياس بلاستيكية قديمة مهترئة توشوش حول الشاهد الواحد.. تبغي فكاكاً. حرٌ سموم.. وصمت نهارٍ كئيب. والرجل حارس المقابر الواقف بعيداً مستظلٌ بشجيرة شوكية يستعجلني رفع الفاتحة والإخلاص ملأت رئتي بصهد حزني.. أحسست بلزوجة الزمة الأكبر في صدري.. وفراغاً أملس. فيصل ساولين.. شاهدٌ أسود من صاجٍ معوج.. خُطّت عليه – على عجالة: (هذا قبر المرحوم فيصل عثمان عبد الكريم) (توفي في يوم 16 / 9 / 2006) (الفاتحة).

* قاص وشاعر وتشكيلي من السودان

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: شارك الخبر، لا تنسخ