بعد أن اشتدت وتيرة القتال واتسعت رقعة الحرب واقتربت قوات الدعم السريع من إخضاع كافة أراضي دارفور لسيطرتها، وتمددت لأول مرة منذ اشعال الحرب من قبل جيش الحركة الإسلامية الإرهابية إلى مدينة النهود ومن ثم الخوي والتقدم نحو الأبيض، سارعت شريحة التجار عماد الرأسمالية الطفيلية في التدافع لتوفير تمويل سخي لمتحرك الصياد بهدف فرملة العمليات العسكرية حتى لا تنهار مصالحهم الاقتصادية التي باتت على المحك.
تاريخياً، تلعب المصالح الاقتصادية دوراً حاسماً في توجيه وإدارة الصراع، حيث عرف التجار كردفان ودارفور عن طريق التجارة وارتبطوا بالسلطة بهدف توفير الحماية، وقد كان أول حاكم وطني في العهد التركي هو إلياس باشا أم برير، حاكم إقليم كردفان من أبناء الأبيض من أصل جعلي، وهو يمثل فئة التجار والتي كانت فئة فتية ومتطلعة للسلطة حماية لمصالحها من منافسة الشركات الأجنبية حينها، ولاحقاً ارتبط بعض التجار بالثورة المهدية، ومن ثم تغير الولاء مع الاستعمار الإنجليزي حتى استقلال السودان، لتمضي الحكومات المتعاقبة في ما بعد الاستقلال في ذات السياسات القديمة دون تغيير جذري يعيد هيكلة السياسات الاقتصادية لصالح الفقراء والسواد الأعظم من الشعب، وأخيراً عمقت الحركة الإسلامية فجوة عدم المساواة بسياسات التمكين لتخلق مجتمع موازٍ بطبقة تجارية جديدة موازيةً دون أي إنتاج حقيقي قائم على الإبداع والابتكار.
ارتبطت تلك الشريحة منذ انقلاب الإخوان بسلطة الجبهة الإسلامية والتي بدورها سخرت لها كافة السبل للتمدد والتطفل في الاقتصاد السوداني عبر التمويل وتوفير التسهيلات الائتمانية المطلوبة في كافة البنوك وتخصيص واعتماد موازنات ورقية لمشروعات غير موجودة في الواقع تذهب لصالح أنشطتها، فنشطت في إبرام صفقات المضاربة في العملة والعقارات وشراء المحاصيل الزراعية والحيوانية في مواسم الإنتاج وغيرها والحصول على العطاءات دون منافسة حقيقية أو معايير واضحة.
وبالتمعن في الواقع يظهر التتبع التاريخي في القطاع الزراعي بشقيه النباتي والحيواني الذي ينشط فيه هؤلاء التجار الذين مولوا «متحرك جيش الإخوان» اختلال شروط وعلاقات الإنتاج لصالح نخبة المركز والرأسمالية الطفيلية التي تجني ثمار عَرق الفقراء والمنتجين الكادحين، حيث أن هذه الشريحة التي ترتبط بجهاز الدولة تحظى بالتمويل من البنوك التي بالطبع يسيطر على إدارتها الكليبتوقراطية المركزية وهي تقوم بشراء المحاصيل والمنتجات الزراعية بنهاية الموسم بأسعار متدنية «رخيصة» في أسواق غبيش والنهود والضعين ونيالا وغيرها، ولأن المزارع في الأصل متعسر وهو خارج من فصل الخريف مكبل بتراكم الديون وسوء الحال فلا يجد أمامه إلا بيع المحصول رغم تدني الأسعار ليعود في المقبل حاملاً الهموم في كيفية توفير المصاريف اللازمة للزراعة فيضطر للدين مبكراً من ذات التاجر بشروط مجحفةً، بل أن الزراعة المطرية ذاتها خاضعة للتغيرات المناخية وحسب معدلات هطول الأمطار ولذلك في كل الأحوال يكون المزارع مدين للتاجر الأوليغارشي.
وعلى الرغم من أن هذه الشريحة تتمركز في المدن الرئيسية في الأبيض والنهود والضعين ونيالا والجنينة وغيرها إلا أنها تدير تلك العملية بالوكالة لقوى رأسمالية مكونه من صغار التجار والانتهازية المرتبطة بها، ولذلك لن تتعجب أيها القارئ إذا علمت أن متحرك «الصياد» الذي يجمع متطرفي وبلابسة الحرب من فلاقنة وجماعات إرهابية قام بتمويله تجار من الأبيض والنهود، حيث شعر هؤلاء أن تمدد الدعم السريع نحو كردفان وسيطرته على مدينة النهود ووصوله إلى الخوي واقترابه من الأبيض هدد مصالحهم التاريخية من المنتجات الزراعية والحيوانية من الصمغ العربي والفول والسمسم وحب البطيخ والذرة والذهب والضان الحمري والابقار والأبل وغيرها من الخيرات التي يحصلون عليها بطرق ملتوية كمواد خام وتصديرها لمصر لتعتمد عليها في الصناعات التحويلية وتستفيد منها في القيمة المضافة لتجني من وراء ذلك مليارات الدولارات.
وبحسب المعلومات المتوفرة والتي ذكرها بالتفاصيل بعض المشاركين في الحملة، أن الترتيبات بالكامل لمتحرك الصياد، وخصوصا المتحرك المتوجه نحو الخوي والنهود، تكفل بها تجار الأبيض والنهود والشركات الكيزانية التي تعمل في مجال تجميع وشراء الصمغ العربي والفول والسمسم والضان، وذلك لأن النهود نقطة تجمع رئيسية ذات أهمية استراتيجية للضان والصمغ العربي والفول، ولذلك حال سيطرة الدعم على النهود وقطع خطوط إمدادهم ووقف تصدير المنتجات ستواجه تجارتهم الانهيار الحتمي وهذا وارد لا محالة.
من الواضح أن «حكومة تأسيس» المرتقبة ترتكز على موارد متنوعة ومتعددة بدءً من الزراعة والثروة الحيوانية والصمغ العربي والبترول والذهب وغيرها من المحاصيل والمنتجات في مناطق واسعة من السودان تمكنها من إدارة تلك المناطق بكفاءة عالية حال استطاعت فرض السيطرة وحسن الإدارة والتنظيم وتنظيم المعاملات التجارية، بل إن الحدود الشاسعة التي ترتبط مع دول ليبيا وتشاد وأفريقيا الوسطى وجنوب السودان وإثيوبيا ستجعل حكومة «تأسيس» في وضع مريح فيما يتعلق بالتبادل التجاري وخطوط الإمداد للصادرات والواردات وغيرها.





