نداء (أخير)! توجهت به وزارة دفاع بورتسودان لمواطني كردفان ودارفور، سمتهم (المُغرر بهم)، في لفظ غامض، لا يعين على تحديد المستهدف منهم بالوعيد، قالت إنهم ممن (يقاتلون إلى جانب المليشيا)، قبل أن تقصف مقر محكمة أهلية في منطقة (غرة الزاوية) شمال دارفور بطائرة مسيرة، وتقتل 40 مدنياً، وتتباهى بالمذبحة على الوسائط، عبر غرف الإخوان الإعلامية!
ولعل مبعث هذه (النشوة) بسفك دماء المدنيين في كردفان ودارفور، تعود إلى التقدم الميداني الذي حققته قوات الجيش والمليشيات الإرهابية المتحالفة معه على جبهات القتال في شمال كردفان. يظنون أن الحرب قد شارفت على النهاية، وأن فقدان قوات تأسيس لبارا ورهيد النوبة وأم سيالة، هي علامة مؤكدة على هزيمة قواتها، وبالتالي إتاحة الفرصة لارتكاب المزيد من المذابح بحق المدنيين في إقليمي كردفان ودارفور، وسفك الدماء الكافية لإخضاع من يتبقى منهم على قيد الحياة، وإقناعه بأن يرضى بالعيش تحت حذاء ولي الإخوان الفقيه، ورفاقه من الملتحين القتلة.
يتسلح الجيش المسيس بالعنصرية والجهوية وخطاب الكراهية، ويلهث خلف سراب نصر كذوب، منتشياً بتقدمه على صعيد الميدان، ومتعزياً بانشقاقات لقادة ميدانيين من قوات الدعم السريع، دون أن يلقي قادته ولو نظرة عابرة، على حكم التاريخ القريب في الحروب الأهلية السودانية، حينما يتعلق الأمر بنضال الشعوب.
في أواخر العام 1991 خسرت الحركة الشعبية لتحرير السودان بقيادة جون قرنق مدينة الناصر عقب انشقاق فصيل رياك مشار عنها ودخوله في حلف مع نظام البشير الإخواني،.وفي الثامن والعشرين من مايو للعام 1992 سقطت مدينة كابويتا مركز الإمداد الرئيسي للحركة في شرق الاستوائية. وفي الثالث عشر من يوليو للعام 1992 سقطت مدينة توريت عاصمتها التاريخية في يد الجيش الإخواني. وفي الحادي عشر من يونيو للعام 1994فقدت الحركة الشعبية مدينة كاجو كاجي ما ضيق الخناق على تحركاتها جنوباً.
وبحلول العام 1994 كانت الحركة الشعبية قد فقدت السيطرة الفعلية على منطقتي أكوبو ولير وهي مدن حيوية في غرب الاستوائية تمر بها طرق الإمداد. وفي النصف الأول من العام سقطت مدينتا مريدي وإيبا في غرب الاستوائية خلال العمليات المتتابعة
واضطر الجيش الشعبي للتراجع في شريط ضيق جداً من المدن والمناطق الحدودية، واستقرت القيادة في بلدة نمولي على الحدود الأوغندية، بالإضافة لمناطق ياي وكيا وتقع وسط غابات على الحدود المشتركة مع أوغندا والكونغو.
لكن الحركة الشعبية لتحرير السودان بقيادة جون قرنق استعادت زمام المبادرة عبر إعادة تنظيم صفوفها سياسياً وعسكرياً وبناء تحالفات إقليمية ودولية قوية، مما مكنها من شن هجمات مضادة واسعة النطاق بين عامي 1995 و2002 واسترداد معظم المدن التي خسرتها.
عقدت الحركة مؤتمرها العام الأول في بلدة “شقدوم” عام 1994 عقب التراجع العسكري، وكان المؤتمر نقطة تحول حاسمة؛ حيث تم فيه تأسيس نظام إدارة مدنية وعسكرية مشتركة في المناطق الخاضعة لسيطرتها، لضمان حاضنة شعبية مستقرة. وتم فصل الإدارة المدنية عن القيادة العسكرية للجيش الشعبي، مما منح الحركة الشرعية السياسية أمام المجتمع الدولي وسمح لها بامتصاص صدمة الهزائم العسكرية وتوحيد الجبهة الداخلية، وفتح الجبهة الشرقية في مناطق همشكوريب وقيسّان بعد تأسيس التجمع الوطني الديمقراطي.
وفي مارس من العام 1997، شنت الحركة هجوماً كاسحاً انطلق من الجيوب الحدودية جنوباً، ونجحت استعادة السيطرة على معظم أراضي ومدن مديرية الاستوائية (مثل ياي، ومريدي، وكاجو كاجي) في غضون أسابيع قليلة، ومحاصرة مدينة جوبا من عدة جهات. وتمكنت الحركة في يونيو 2002 من استرداد كابويتا. وفي سبتمبر من ذات العام، تمكنت قوات قرنق من اقتحام مدينة توريت، قبل الدخول في مفاوضات طويلة ومضنية، وتحول الإخوان من أصحاب كرامات تقاتل معهم القرود وتكبر معهم الأشجار، إلى قبول دي مبيور نائباً أولاً للبشير ورئيساً أوحد لحكومة الجنوب وهم راغني الأنوف، وتحرر جنوب السودان في نهاية الأمر بإخراج أذى الإخوانيون من أرضه الولود.
واليوم يضع الإخوان وجيشهم المسيس مواطني كردفان ودارفور بين شقي الرحى، ويتركونهم أمام خيارات صفرية ، حين يستشعرون جرائم الإبادة الجماعية وقد ابتدأت بالفعل، تذكرهم بما قد يحدث إن واصلت قوات الجيش التقدم ،واقترب غول الإخوان من حماهم وصغارهم، يصنع فيهم ما لم يصنع التتار والمغول.
على قيادة تأسيس أن تعيد ترتيب الصفوف، وأن تستجمع قواها وتواصل جهودها على الصعيدين السياسي والدبلوماسي بالتوازي مع العمل العسكري الذي هو لحمة الأمر وسداته، وأن تنصرف لتكملة ما أنجز على صعيد صناعة الاستقرار في مناطق سيطرتها من توفير الأمن وتطوير خدمات التعليم والعلاج، وأن تتقصى أسباب التراجع الميداني وتتصدى له بالمعالجة. أما انتصار شعوب الهامش السودانية في معركتها لأجل الحقوق والحريات والحفاظ على الوجود، فهو حتمية تاريخية، ولو كره الإخوانيون.





