منوعات: الجماهير
في أزقة سوق مدينة “الضعين” الكبير وعلى جنبات شوارعها المزدحمة، لا تبدأ رحلة البحث عن المعيشة مع دقات الساعة ولا ترتبط ببطاقات حضور أو عقود عمل رسمية بل تبدأ مع ساعات الفجر الأولى برهانٍ يومي يحسمه منطق واحد: الرزق باليومية.
مع تصاعد حدة الأزمات الاقتصادية في السودان مع استمرار الحرب وانكماش مظلة القطاعين العام والخاص، تحول “الاقتصاد العمل الحر غير المنظم في حاضرة ولاية شرق دارفور من مجرد خيار اضطراري مؤقت إلى الملاذ الأخير والسقف الأخير لآلاف الشباب والخريجين.
هنا، تحت مظلات القش البسيطة وعلى متن “التكتك” والركشات، وخلف “الدرداقات” وعلي الارصفة وفي زوايا بيع وتصليح الهواتف، يتجمع جيل كامل اختار أن يحمل شرفه المهني بكدّ يديه مجابهاً آثار الحرب وقسوة الظروف.
لكن هذا القطاع الذي يمثل صمام أمان اجتماعي لمنع الانهيار المعيشي الكامل يخفي خلف واجهته المزدحمة واقعاً هشاً محفوفاً بالمخاطر والتحديات بداية من انعدام الحماية الاجتماعية والتأمين الصحي مروراً بتذبذب الدخل والارتفاع الجنوني في أسعار مدخلات العمل والوقود وصولاً إلى غياب الأمان الوظيفي الذي يجعل مستقبل الشاب مرهوناً بإنتاجية يومه فقط.
عبدالله.. حين تسقط شهادة الماجستير أمام “الدرداقة”
بين أزقة السوق المزدحمة التقينا بـ عبدالله محمد، شاب يحمل درجة الماجستير في الجيولوجيا، لكنه اتخذ من دفع “الدرداقة” وسط السوق حرفةً له يتجول بين المتاجر لنقل أمتعة وبضائع التجار من مكان إلى آخر رغم مشقة العمل البدني القاسية.
قال بصوت هادئ ينم عن رضا وعزيمة:
”تخرجت من جامعة أم درمان الإسلامية في عام 2022، ونظراً لصعوبة التوظيف وانعدام الفرص الرسمية، لم أقف مكتوف الأيدي، فاتجهت إلى العمل الحر لأعيل أسرتي، والحمد لله على كل حال.
عبدالله ليس حالة استثنائية بل هو نموذج لآلاف الشباب في الضعين فمنهم من قرر الترحال والهجرة بحثاً عن المجهول وفضل آخرون البقاء والتحمل على أمل تحسين أوضاعهم وصنع الفارق من تحت ركام الأزمات.
الباعة المتجولون: لوحة صمود على الأرصفة
على جنبات الشوارع وفي قلب الزحام، تفترش الأرصفة تجارة بسيطة تحكي قصصاً من التحدي اليومي التقينا هناك بـ حسن آدم وسليمان محمد، اللذين جلسا وسط بضائعهما المعروضة على الأرض، مشكلين لوحة نابضة بالصمود والتحدي.
حسن آدم، الذي يعرض سلعاً استهلاكية بسيطة من السكر والبسكويت ، يتحدث عن قسوة الظروف قائلاً:
”البيع والشراء أصبح طقساً يومياً محفوفاً بالمخاطر فنحن نتحمل لهيب الشمس وغبار الشارع طوال اليوم لنحصل على ما يكفي لسد رمق أسرنا، فالحياة لا توقفها الظروف، ونحن هنا لنستمر.
من جانبه، يوضح سليمان محمد في مقابلته حول الأوضاع الاقتصادية وحركة السوق:
”حركة البيع والشراء تشهد تذبذباً كبيراً. أحياناً يكون السوق محظوظاً بحركة خفيفة، وأحياناً أخرى يمر اليوم كاملاً دون بيع سلعة واحدة، في ظل غلاء الأسعار وضعف القوة الشرائية للمواطنين الذين تأثروا بشكل مباشر بتداعيات الحرب.”
أرقام في واجهة الظل: ضخامة الاقتصاد غير المنظم
تشير التقديرات الإحصائية غير الرسمية إلى أعداد هائلة من الشباب والعمال الذين يعتاشون من القطاع غير المنظم في مدينة الضعين وحدها فالمئات من أصحاب “الدرداقات” و”الركشات” الباعة المتجولون ال يمثلون العصب الحقيقي لحركة النقل والتجارة الداخلية في السوق الكبير، حيث يعتمد عليهم التجار والمواطنون في إيصال البضائع ونقل الأفراد وسط بنية تحتية تكاد تكون منعدمة وغياب تام للمظلات النقابية أو الدعم المؤسسي المنظم.
“م. س”.. حرارة الشاي وبرودة الواقع
في زاوية أخرى من السوق، ووسط رائحة البن والشاي، التقينا بـ “م. س”، إحدى بائعات الشاي اللاتي اخترن هذا الميدان ليكنّ جزءاً من عجلة الإنتاج وهي خريجة جامعية فضلت حجب اسمها لأسباب اجتماعية وشخصية.
تقول بحرقة:
”لم أكن أتخيل يوماً أن الشهادة الجامعية التي تعبنا من أجلها ستنتهي بي إلى بيع الشاي في الشارع. لكن مع توقف فرص العمل تماماً وغياب المعيل، وجدت نفسي أمام خيارين: إما الانتظار العبثي أو النزول إلى الميدان للعمل بكرامة. الشاي هنا ليس مجرد مشروب، بل هو محطة استراحة لعمال وموظفين بلا رواتب، وباب رزق أستتر به.”
عربة الكرو.. رواء يبحث عن ثمنه
في الصباح الباكر، التقينا ادم وهو صحاب ب عربة “الكرو” لتوزيع الماء في أزقة السوق والاحياة هؤلاء الشباب الذين يجوبون الشوارع ببراميل المياه على العربات المجرورة، يمثلون شريان حياة للمتاجر والبسطات التي لا تتوفر لها إمدادات مياه مستقرة.
يؤكد بائع الماء أن الحرب أثرت بشكل مباشر على تكلفة التشغيل فارتفاع أسعار صيانات العربات وجهود جرها تحت أتون الحر الشديد، جعلت من كل قطرة ماء يباع مجهوداً شاقاً، حيث تآكل هامش الربح البسيط أمام الغلاء المتصاعد لمتطلبات الحياة اليومية.
كيف أثرت الحرب على اقتصاديات الهامش؟
لم تكن مدينة الضعين بمعزل عن التداعيات المدمرة للحرب التي ضربت السودان. وعلى الرغم من أن الضعين حافظت نسبياً على حالة استقرار مقارنة بمناطق الاشتباك المباشر، إلا أن اقتصادها المحلي تعرض لهزات عنيفة تمثلت في:
انقطاع سلاسل الإمداد: ارتفاع أسعار السلع والبضائع القادمة من المركز أو الولايات الأخرى نتيجة تكاليف النقل الباهظة والمخاطر الأمنية على الطرق.
تراجع السيولة النقدية والقدرة الشرائية: مع توقف الرواتب الحكومية وتراجع فرص العمل المنظم، انكمشت السيولة بأيدي المواطنين، مما أدى إلى ركود حاد في الأسواق.
ارتفاع تكاليف المدخلات: قفزت أسعار الوقود، وقطع غيار الركشات، ومعدات العمل البسيطة بصورة جنونية، مما ضيق الخناق على أصحاب المهن الهامشية.
رؤية تحليلية: الخبير الاقتصادي د. إبرهيم موسى
وفي قراءته للمشهد الاقتصادي الراهن في الضعين، يوضح الخبير الاقتصادي د. إبراهيم موسى أبعاد هذه الظاهرة قائلاً:
”ما نشهده اليوم في الضعين هو ظاهرة “الهروب الاقتصادي إلى الهامش” مع انهيار المؤسسية وتوقف القطاعين العام والخاص عن التوظيف، انتقل العبء المعيشي بالكامل إلى القطاع غير المنظم إن تضخم أعداد العاطلين عن العمل وخاصة من الخريجين وحملة الدرجات العليا مثل الماجستير – يشير إلى خلل هيكلي عميق في الاقتصاد الكلي.
ويضيف د. إبراهيم:
”هؤلاء الشباب لا يمارسون عملاً عشوائياً، بل هم يديرون “شبكة أمان مجتمعية” فإن هذا الاقتصاد الهش يفتقر لأبسط مقومات الحماية؛ فهو بلا مظلات تأمينية، وبلا تمويل يذكر، ومستقبله مرهون بيوميات قاسية إن لم تتدخل مبادرات أهلية أو مؤسسية لدعم هذه الأنشطة بتمويلات صغرى وحماية قانونية، فإن شبح الانهيار سيطال القاعدة الأوسع من المجتمع.
وسط هذا الواقع القاسي، بدأت تلوح في الأفق ومضات تعاونية ودعم مجتمعي وشبابي متمثلاً في المبادرات الأهلية وشباب لجان الخدمات وتأسيس الروابط التكافلية التي تحاول قدر الإمكان تخفيف حدة الأزمة، عبر تنظيم ورش عمل مصغرة للتمويل الأصغر، أو محاولة ربط المبادرات الفردية للشباب بشبكات التوزيع المحلية في الضعين لضمان بقاء عجلة الحياة الدائرة.
في أزقة الضعين، حيث يمتزج عرق الشباب بغبار الشوارع، يكتب جيل كامل شهادة ميلاد جديدة للإرادة الإنسانية.
إن قصة الخريج الذي يحمل “الدرداقة”، والبائعة التي تخفي اسم خلف أدوات الشاي، وأصحاب الركشات وعربات المياه، ليست مجرد تفاصيل عابرة؛ بل هي ملحمة صمود يومية في وجه حرب أثقلت الكاهل وأزمات لا ترحم.
هؤلاء الشباب لا يطلبون المستحيل، بل يسعون خلف لقمة عيش كريمة بجهد جبّار، ليظل سوق الضعين نافذة أمل لا تنغلق، وشاهداً حياً على أن السودانيين مهما اشتدت المحن يملكون القدرة على صناعة الحياة من رحم الرماد.





