رأي

شيخ الدين محمد علي يكتب : موسم الحصاد في شرق دارفور: بهجة التكافف في وجه التحديات

بين رمال الغرب الساحرة وسهوله المترامية التي احتضنت عبق التاريخ وخصوبة الطبيعة، ينهض إقليم دارفور مع كل خريف ليخط بماء العرق والسنابل قصة بقاء لا تنكسر. وإذا كانت الفصول في بقاع شتى من العالم تتشابه، فإن الفصول في دارفور تحمل طابعاً مقدساً، يتجلى في أعظم صوره حين تتدلى سنابل الذرة والدخن، وتفترش أرض السودان خيرة محاصيل الفول السوداني، معلنةً ميلاد موسم الحصاد. هذا الموسم ليس مجرد أرقام تُحصى في دفاتر الاقتصاد، بل هو الروح التي تسري في الجسد الاجتماعي، وموسم تتناغم فيه تراتيل العمال مع نبض الأرض المعطاءة.

​على أطراف قرية هادئة بالقرب من مدينة الضعين – عاصمة ولاية شرق دارفور – وفي منطقة “أبو عود”، يجلس العم إبراهيم، البالغ من العمر خمسة وستين عاماً، تحت ظلال شجرة هجليج ضخمة، يمسك بيده حفنة من التراب المخلوط بقشور الفول السوداني والجذوع الجافة، وعيناه المحاطتان بتجاعيد السنين تتأملان أفق الحقول.

يروي العم إبراهيم بلسانه تجربة ستة عقود من معايشة الأرض قائلاً: «إن الحصاد عندنا ليس مجرد شغل ونهاية خريف، بل هو العيد الكبير للحياة هنا؛ فعندما تدخل أيام شهر نوفمبر، وتشوف الأرض صفراء وذهبية، وتشم ريحة الدخن والفول في النسمة الباردة، ينشرح القلب. فالحصاد هو ثمرة عرق ستة أشهر، وهو الذي يزوج الشباب، ويشتري كسوة العيال، ويُعمر البيوت».

​يسترجع العم إبراهيم تفاصيل العمل الجماعي الذي يشكل جوهر الحياة في المنطقة، موضحاً أنه في شرق دارفور لا يمكن لإنسان أن يحصد أرضه وحده، حيث تعتمد المجتمعات على ممارسة “النفير” أو “الفزع”؛ إذ ينادي صاحب الأرض في القرية لطلب المساعدة، ومع أذان الفجر يخرج الجميع من رجال ونساء وشباب ، بينما لا يتوقف الغناء في الحقول، حيث تشدو النساء والفتيات بأغاني الحماس والتراث وإيقاعات “الجراري” و”الهسيس” و”البرامكة”، وهي أهازيج شعبية تمتدح شهامة الرجال وسرعة إنجازهم، مما يبث الحماس ويُنسي الجميع تعب النهار، حتى إذا حل الظهر تكون المساحات الشاسعة قد حُصدت بالكامل، ليلتف الجميع حول صواني الطعام في مظاهرة تضامن تعكس العروق التي تربط البيوت ببعضها.

​يتذكر العم إبراهيم كيف تتزين القرى عقب اكتمال جمع المحاصيل ونقلها إلى أماكن التجميع باحتفالات عفوية تمتلئ فيها الساحات برقصات “المرموم” و”الدارتو”، وتُقام المعارض التراثية التي تُعرض فيها الأدوات التقليدية كـ”المرهاكة” و”الغربال”، وتُقدم الأطعمة والمشروبات المحلية كـ”الأبريه” و”المديدة” في كرنفال تتقاطع فيه الثقافة بالفرح الإنساني البسيط. غير أن ملامح وجهه تتغير وهو يقارن بين الماضي والحاضر ليعبر عن حزنه على تبدل الأحوال قائلاً: «إن الحصاد زمان كان أماناً وبركة، وكانت الأمطار تصب بغزارة في أوقاتها، والمزارع يبيت في مزرعته مع أولاده دون خوف. أما اليوم، فالمناخ يتغير، والأمطار تقطع فجأة، وتأتي الظروف الأمنية والنقاط الحرجة لتجعل وصول المزارع لأرضه خطراً، يضاف إلى ذلك غلاء التقاوي وتداخل مسارات الرعي مع الزراعة وما يرافقه من مشكلات الطلقة ودخول الماشية، مما يتطلب دائماً تدخل الحكماء والإدارة الأهلية لتدارك النزاعات».

​رغم هذه القسوة، يصر العم إبراهيم على أن الأرض في دارفور حنونة جداً وتطعم من يطعمها بعرقه خيراً وفيرًا، مؤكداً أن المزارع لا يعرف اليأس، ومع أول قطرة مطر يأخذ طوريته ويخرج للحقل من جديد. يبقى موسم الحصاد في شرق دارفور رمزاً للصمود ومزيجاً فريداً بين كفاح الإنسان وأهازيج التراث وجود الأرض المعطاءة، حيث يختم العم إبراهيم حديثه بالدعاء بأن يعود الأمان والسلام كاملاً لربوع البلاد، مشدداً على أن الحصاد درس في الصمود يعلم الجميع أن بعد كل جفاف لا بد أن تخضر الأرض من جديد.

​إن التمعن في تفاصيل الحصاد الدارفوري يكشف عن لوحة فريدة تتداخل فيها جلالة الطبيعة مع صلابة الإنسان؛ فحين تباشر طلائع نوفمبر رسم لوحتها الذهبية على أديم الحقول، يبدأ طقس التكاتف الأبدي المتمثل في “النفير”.

​هنا تتهاوى الحدود الفردية لتذوب في روح الجماعة، حيث يتداعى الجيران والأقارب مع خيوط الفجر الأولى، مسلحين بأمل، لا يبتغون أجراً سوى فرحة الإنجاز وستر العائلات.

​وفي وسط هذا الزخم العَطِر، ترتفع أصوات النساء والفتيات مهفهفة بأهازيج التراث العريق، فتصعد نغمات “الجراري” و”الهسيس” لتعانق السماء، محولةً وعثاء الساعات الطويلة ووهج الشمس إلى حفل بهيج يختزل معاني الشهامة والكرامة والتضامن الأهلي المتأصل في وجدان المجتمع الدارفوري.

​غير أن هذه اللوحة الزاهية لا تكتمل ملامحها إلا باعتراف منصف بقسوة التحديات التي تواجه هذا الإرث العظيم؛ فالمزارع الدارفوري الذي يواجه تقلبات المناخ وشح الأمطار وتراجع الإنتاج، يقف اليوم حارساً لمقومات وجوده تحت وطأة ظروف أمنية واقتصادية بالغة التعقيد، ناهيك عن تشابك مسارات الرعي والزراعة التي تتطلب بحكمة بالغة تدخل الإدارة الأهلية لترسيخ السلم المجتمعي وحماية حواشات المزارعين. وعلى الرغم من كل هذه الجراح والرياح العاتية، يظل إنسان دارفور متشبثاً بخيط الأمل الأخير، مؤمناً بأن الأرض مهما جفت أو قست، فإنها تظل حنونة تعطي من أطعمها عرقه ودمه.

​إن حماية مواسم الحصاد في دارفور، ودعم المزارعين، والحفاظ على هذا التراث الاجتماعي الإنساني الغني، هي مسؤولية وطنية وأخلاقية لا تحتمل التأجيل. فالسنابل التي تتمايل في حقول دارفور ليست مجرد حبوب تقتات عليها الأبدان، بل هي سنابل المجد الخالدة التي تنبض بالحياة، وتؤكد يوماً بعد يوم أن إرادة البناء والسلام أقدر وأبقى على قهر كل عواصف الزمان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى